أمهات أردنيات لأطفال حاملين للتوحدّ يسألون الحكومة: أين حقوق أبنائنا؟

الاثنين 21 سبتمبر 202005:01 م

لعام كامل، بقيت الأم، دعاء حايك، مع ابنها سيف في منزلها، عام كامل قضته تحاول خلاله أن تخلص ابنها مما أسمته "أخطاء لا تغتفر" منعت ابنها الحامل بالتوحد من التحسن.

في حديثي مع دعاء، بيّنت أن قرار البقاء في البيت مع ابنها لمدة عام سببه، وفقاً لحديثها: "في مرة زرت المركز الموجود فيه ابني والذي من المفترض أنه يرعى أطفال التوحد، وجدته هو وخمسة من زملائه تمت تعريتهم بالكامل بحجة تنظيفهم، وتبين أنها لم تكن المرة الأولى، من الطبيعي ليست المرة الأولى، فمرة واحدة من موقف مشابه لا يجعل ابني، الذي لم يكن قد بلغ التسعة أعوام وقتها، يستمر في استثارة نفسه"، وتضيف: "لن أغفر لهم والله لا يسامحهم".

حديثي مع دعاء وباقي الأمهات كان يتجه نحو البحث عن دور الدولة ومنظمات حقوق الإنسان في ملف أطفال التوحد في الأردن، وقصتها تلك جاءت في سياق حديثها عن "العالم الذي لا يرحم أطفال التوحد بالأردن"، بحسب قولها، سواء من الدولة التي لا تقدم الدعم المادي أو المعنوي، أو في أسعار مراكز رعاية أطفال التوحد "الخيالية"، أو منظمات حقوق الإنسان في الأردن التي يبدو أن ليس لأطفال التوحد حيزاً في خارطة عملهم.

"أيقنت أن أطفال التوحد في الأردن لهم الله".

دعاء حايك، أم سيف، طفل حامل للتوحد، 12 عاماً، لا يتكلم، تسرد في حديثها لرصيف22 عن سلسلة معاناتها، والتي بدأت من مراحل البحث عن تشخيص لحالة ولدها، وجولاتها حول الأطباء الذي يغيب التوحد عن اختصاصاتهم، بحسب ما أردفت، وتتابع: "تنقلت بين أطباء أطفال، أطباء أنف وأذن وحنجرة، أطباء نفسيين ودماغ وأعصاب، راجعت مختصين وحديثي تخرج، منهم من أعطاه أدوية خطيرة لا تحتاجها حالته، مثل تلك المتعلقة بالشحنات الكهربائية، ومنهم من أوقف الأدوية عنه. كل تلك الجولات باءت بالفشل لمعرفة تشخيص حالة ابني، خصوصاً وأن حالات التوحد تختلف عن بعضها، على عكس ما يشاع".

"هل رواتبنا تكفي لتغطية ذلك؟"

"أهالي أطفال حاملين للتوحد يجب أن يعلموا منذ لحظة اكتشاف إصابة أبنائهم أنهم سيركضون لأجل مساعدتهم وحدهم، يجب أن يدركوا أن الدولة لن تقدم لهم شيئاً، وأنا مسؤولة عن كلامي"، تقول دعاء، وتبين أنها عندما وصلت لحقيقة أن الدولة لن تمد يد المساعدة، بدأت بالاتجاه إلى قاعدة "ما بحك جلدك غير ظفرك"، حيث بدأت بالبحث من خلال قنوات عديدة عن آليات لمساعدة ابنها. 

كيف وصلت لنتيجة أن الدولة لن تقدم شيئاً لمساعدة أطفال التوحد؟ سألت دعاء، وهنا انتقلت إلى العبء المادي الذي يتكبده الأبوان في الأردن، وقالت: "نحن في الأردن لسنا مجتمعاً غنياً، والدولة لا تمنحنا بئر نفط نستطيع من خلاله تسديد تكاليف علاج أبنائنا، والأمثلة على ذلك كثيرة. أحد المراكز المتخصصة بحالات التوحد تطلب من 700-1000 دينار شهرياً"، وتسأل: "هل رواتبنا في الأردن تكفي لتغطية ذلك؟".

وأضافت: "أهالي أطفال حاملين للتوحد يتكبدون تكاليف مالية لا تحتمل، ولا توجد جهة واحدة في الدولة تدعمنا، مع أن ذلك حقاً... أين حقوق طفلي؟"، ناهيك عن تحديات الأبواب التي تغلق في وجوه الأهل، كما بيّنت دعاء، من قبل المدارس ورياض الأطفال، وتسرد مثالاً: "في مرة، وافقت إحدى رياض الأطفال على استقبال ابني، هل تعلمين كم طلبوا مقابل ذلك؟ طلبوا 4000 دينار شهرياً، أقسم أنني لا أكذب".

فضلاً عن أسعار مراكز الرعاية، وفي المركز الذي ذكرت دعاء حدث تعرية ابنها وباقي زملائه، ذكرت مثالاً لموقف آخر: "مرة قبل حادثة التعرية، لاحظت أن ابني عندما يعود إلى المنزل، يحضر كرسياً وواحداً من شالاتي ويضعه على قدميه، كنت أعتقد أنه يشعر بالبرد، لكن عندما تكرر الموقف اكتشفت أنه يتم ربط قدميه بالحزام على الكرسي في المركز، بحجة ضبط سلوكه!".

"استغنيت عن المراكز والمدراس وبحثت عما يحبه، اكتشفت أنه يحب الخرز، ومن خلال الخرز استطاع طفل حامل للتوحد إسعاد الآخرين، استطعت أن أعكس الآية وأجعله هو من يرسم الابتسامة على وجوه الناس"

وأجابت على سؤالي عن سبب عدم تقديمها شكوى بحق المركز، قائلة: "في ذلك الوقت لم أكن واعية بالحقوق والقانون، لكن أنا لا ألوم مراكز الرعاية فقط، أنا ألوم الدولة التي سحبت يدها وسمحت لمثل هذه الانتهاكات أن تحصل".

شعرت بالألم للنتيجة التي توصلت إليها دعاء في رحلة مشوارها في البحث عن أي جهة تمنح حق طفلها بالتعليم والرعاية، ذلك الألم الذي سرعان ما اختفى عندما بينت أنها وخلال رحلتها في البحث عن طريق إنصاف ولدها، قررت "أن أكون معلمته ومدرسته ودرج الصف الذي حُرم منه ابني، وقررت أن يعيش ابني سيف (مبسوطاً)، لا أريده أن يقرأ أو يكتب، أريده فقط أن يكون سعيداً".

كيف ذلك؟ أجابت دعاء: "استغنيت عن المراكز والمدراس وبحثت عما يحبه، اكتشفت أنه يحب الخرز، ومن خلال الخرز استطاع طفل حامل للتوحد إسعاد الآخرين، استطعت أن أعكس الآية وأجعله هو من يرسم الابتسامة على وجوه الناس، من خلال العقود والأساور التي يصنعها من الخرز. هو ذات المجتمع الذي كان يقول بأسف عندما يراه: يا حرام"، وتضيف: "أقسم أن فرحتي بنجاح ابني سيف في صناعة أول إسوارة مثل فرحة أم نجح ولدها في التوجيهي".

تختم دعاء: "أنا اليوم موجودة، ومن الممكن غداً ألا أكون في هذه الحياة، هل سيكون مصير ابني مركز إيواء أو غرفة مغلقة في مكان مجهول؟ أوجه هذا السؤال للدولة".


نانسي قعوار، ناشطة في مجال حقوق أطفال التوحد، وأم لطفل حامل للتوحد اسمه زيد، 13 عاماً، تقول لرصيف22 عن حال أطفال التوحد في الأردن، مثل ما جاء في كثير من كلام دعاء حايك: "أطفال التوحد في الأردن ليس لديهم شيء أو أحد سوى أهاليهم، فهناك غياب لأطباء مختصين، وأبواب رياض الأطفال مغلقة في وجوهنا. وإذا حالفنا الحظ ووجدنا روضة أو مدرسة تقبل أطفالنا، فيشترط وجود معلمة ظلّ معهم، يُدفع لها ما لا يقل عن 300 دينار (حوالي 430 دولار) شهرياً، علاوة على قسط الروضة، أو بدل مرافق من الروضة براتب يصل إلى 700 دينار شهرياً (حوالي 990 دولار)".

 "ما دفعته خلال الأعوام الثلاثة الأولى من تعليم ابني زيد، كفيل بأن أشتري به رينج روفر وفيلا في دابوق"، تقول نانسي، وتضيف: "باختصار الأردن بيئة غير حاضنة لأطفال التوحد، والمسؤولية لا تقع على الدولة فقط وغياب دعمها، بل أيضاً على مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، المسؤولة عن التقصير بحق حقوق أطفال التوحد".

"اللي ما معاه فلوس بياكلها عالمزبوط"

تستعرض نانسي أمثلة على ما وصفته بالأسعار "الفلكية" في المراكز والمدارس لاستقبال أطفال التوحد: "واحدة من المدارس طلبت مني 11 ألف و800 دينار (حوالي 16650 دولار) قسط للصف الأول لابني زيد، أين المتبرعون والمدافعون عن حقوق الطفل في بلدي عن كل هذا؟".

وتصف نانسي في ختام حديثها، أن ابنها زيد هو "عملي"، وتقول: "درست بجهدي الفردي كل شيء من أجل أن أرعى حالة زيد، شكلت فرقة خاصة من أهالي أطفال حاملين للتوحد من أجل التعاون مع خبراتنا، وأصبحت عبارة عن كتالوج من أجل ابني، في ظل غياب حكومي وحقوقي ينصف هذه الفئة".

"اللي ما معاه فلوس بياكلها عالمزبوط"، قالتها رؤى دعاس، وهي تصف حال أهالي أطفال حاملين للتوحد، فهي على سبيل المثال، كما قالت لرصيف22، تدفع ما لا يقل عن 100 دينار (حوالي 140 دولاراً) أسبوعياً لرعاية طفلها فيصل، 8 أعوام، وتقول: "باختصار لا يوجد دعم لأطفال التوحد في بلدي، لا حكومة ولا قطاع خاص، ومن لا يحتمل وضعه المادي رعاية طفله من ذوي التوحد سوف يضيع من بين يديه".

ووضحت تلك الجزئية، وفق ما مرت به من تجربة كما تقول، خلال فترة الحظر الشامل، في الربع الأول من العام الحالي في الأردن، بسبب فيروس كورونا، وتقول: "زوجي بسبب الحظر الشامل توقف عن العمل، وتأذينا مادياً، الأمر الذي أثر سلبياً على استمرار رعاية ابني فيصل ودفع تكاليف جلسات رعايته، هنا أيقنت أن أطفال التوحد في الأردن لهم الله".

"لا يوجد دعم لأطفال التوحد في بلدي، لا حكومة ولا قطاع خاص، ومن لا يحتمل وضعه المادي رعاية طفله من ذوي التوحد سوف يضيع من بين يديه"

"جاهدت لأجل حق ابني بالتعليم"

"عملت المستحيل من أجل أن يتعلم ابني، لأن هذا حقه!"، قالت لمى بركات، وهي أم لطفل حامل للتوحد، وأعطت مثالاً خلال صراعها من أجل أن تقبل أي مدرسة باستقبالها: "المدرسة الوحيدة التي وافقت، لم تخجل مديرتها أن تتنمّر على ابني أمامي، وبكل ثقة سألتني خلال المقابلة: ابنك بضرب؟ لم تلتفت هذه المديرة التي تربي أجيالاً لمشاعر ابني، حتى أنها لم تبتسم ابتسامة واحدة له".

وتختم: "أنا لم أعمل المستحيل، أنا جاهدت لأجل حق ابني بالتعليم"، وتتفق مع آراء الأمهات السابقات بأن التحدي من أجل رعاية أطفال التوحد بالأردن، هو تحدي أن تجعل يدك تصفق وحدها.

عبيدة عبده، صحافية وناشطة في حقوق الطفل وذوي الاحتياجات الخاصة، وفي حديثها لرصيف22، سردت تجربة لها: " كانت لدي تجربة صحافية ما تزال في الذاكرة، هدفها البحث عن حقيقة إدخال جهاز سرير إلى الأردن، ادعى من أدخله أنه لمعالجة التوحد، مع أنه معروف طبياً أنه لا يوجد علاج سريري لهم، وخلال بحثي لأهالي وافقوا على هذا النوع من العلاج لأطفالهم، تبين أن كلفة العلاج على مدار ثلاثة أيام تراوحت ما بين 3000- 5000 دينار (4230 - 7050 دولار). مبلغ كشف لي أن هناك حالات استغلال لوضع الأهالي، خصوصاً أنهم يبحثون عن بصيص أمل مهما كانت الكلفة".

وأضافت: "استطعت، خلال عملية مداهمة حصلت برفقة أفراد من الشرطة للفيلا التي يوجد فيها ذلك السرير، سحبه وإغلاق الفيلا بالشمع الأحمر. بهذه التجربة يمكن أن نقيس حجم المعاناة والغبن والظلم الذي يتعرض له أطفال التوحد وأهاليهم، وابتزاز مشاعرهم وحقوقهم. يكفي أنه لغاية اليوم لا نجد أي توحيد للجهود الرسمية والحقوقية لمساعدتهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard