قبل اندلاع الحرب بأسبوعين، تفنّن الجنوبيّون والبقاعيّون بزينة رمضان في منازلهم: فوانيس ملوّنة وأضواء وأقمار مزيّنة بأشكال وأحجام مختلفة. بدت البيوت وكأنها تستعيد نبضها وشعرتُ أنّ الزينة هذا العام كانت حاضرة أكثر من الأعوام السّابقة وتظهر بهجة واحتفاءً بحلول الشهر الكريم، وكأنّ الأمل عاد إلى المنازل المرمّمة التي لم تسلم من شظايا الحرب السابقة.
المسيّرات روتين
يُخبرنا بعض أهالي الجنوب كيف أصبحت الدرون موجودة في معظم التجمعات وتحلّق على علو منخفض فوق رؤوس الناس، وكأنها دورية منظمة تتنصّت إلى أحاديثهم وتعرف تفاصيل حياتهم، ويظهر فيديو في مواقع التّواصل الاجتماعي، كيف تقترب مسيّرة حتى تكاد تلامس رؤوس مواطنين كانوا يقرأون الفاتحة على أحبّاء رحلوا. اعتادَ النّاس صوتها وتصويرها وتسجيلها أو تكيّفوا مع الواقع الجديد.
وفي ليل ثقيل أنهوا إفطارهم، وخلدوا إلى النّوم على وقع صوت المسيّرات الّتي تراقب ليل نهار حتى باتت جزءاً من "احتلال جوي" اعتاده المواطنون، وبعد ساعات قليلة استيقظ النّاس على عجل وحملوا أطفالهم نصف نائمين، خرجوا مسرعين، تركوا ذكرياتهم وصورهم والزّرع الذي كانوا فرحين بقطفه لتحضير الفتوش لسفرة الشّهر الفضيل ولا يعرفون إلى أين يذهبون.
مصيبة تلو أخرى
توالت المصائب على لبنان بطريقة لم يحظَ فيها اللبنانيون بفرصة لالتقاط أنفاسهم من الوضع الاقتصادي الكارثي إلى انتشار وباء "كوفيد19" الذي حصد أرواحاً إلى انفجار مرفأ العاصمة الذي دمّر أحياء وقتل اللبنانيين جسداً وروحاً وصولاً إلى الحروب المتتالية وسقوط المباني المأهولة بالسّكّان في طرابلس.
استيقظ النّاس على عجل وحملوا أطفالهم نصف نائمين، خرجوا مسرعين، تركوا ذكرياتهم وصورهم والزّرع الذي كانوا فرحين بقطفه لتحضير الفتوش لسفرة الشّهر الفضيل
مشاهد مرهقة، متعبة، مبكية، صادمة، قاسية تتكرر بدون توقّف، حتى باتَ البعض يشعر بالتبلّد النّفسي أو يقول "بطّلنا نحسّ"، ففيض الصّور خدّر المشاعر وباتت اللامبالاة سيّدة الموقف، والتّوقّف عن إظهار ردّة فعل "طبيعي" في مواجهة واقعٍ يفوق الاحتمال.
التّبلُّد والعجز المكتسب
غذّت الخلاصات الإخباريّة الرّقميّة هذا التّبلّد إذ تضيف بُعداً مرتبطاً بالخوارزميّات الّتي تواصل تزويدنا بالأخبار الرّقميّة وكلّما زاد اطّلاع الشّخص على قصصٍ من نوعٍ معيّن، زاد ظهور هذا النّوع من القصص أمامه. ويضيف هذا "التّأثير الفقّاعي الرّقمي" طبقةً من الضّرر الذي تسببه الأخبار السّيّئة، فالأشخاص الّذين يشاهدون ثلاث دقائق فقط من الأخبار السّلبيّة في الصّباح هم أكثر عرضة بنسبة 27% للإبلاغ أن يكون يومهم غير سعيد بعد ست إلى ثماني ساعات، مقارنةً بالأشخاص الذين تعرّضوا لمحتوى إيجابي.
من الفقر وعدم التّمكن من شراء الحاجيّات الأساسيّة إلى تهاوي المباني والاستهدافات وصولاً إلى الحرب المدمّرة، أصبح التّكيّف والاعتياد والتّبلّد والإرهاق العاطفي من روتيننا اليومي.
مشاهد مرهقة، متعبة، مبكية، صادمة، قاسية تتكرر بدون توقّف، حتى باتَ البعض يشعر بالتبلّد النّفسي أو يقول "بطّلنا نحسّ"، ففيض الصّور خدّر المشاعر وباتت اللامبالاة سيّدة الموقف
ترى المواطنين في الأسواق يقلّبون شاشات هواتفهم ويرون سحب جثث من تحت الأنقاض أو غارات ويسألون "أين حدث هذا؟"، "الله يرحمهم"، ويكملون نهارهم.
هنا أستذكر نظريّة العجز المكتسب في علم النّفس والذي يحدث عندما يواجه الفرد باستمرار موقفاً سلبياً لا يمكنه التّحكّم فيه، فيتوقّف عن محاولة تغيير ظروفه، حتى عندما يمتلك القدرة على ذلك.
لم يعد الإحساس بأننا نسيطر ونحن من نوجّه الأحداث، بل بأنّنا جزء من سياق أوسع يفرض قواعده علينا، فيتحول مركز الضّبط من الدّاخل حيث نؤمن بقدرتنا على التّأثير، إلى الخارج، وكأنّ "في شي أكبر مني ومنك عم بصير".
طائر الفينيق
نستسلم للواقع، نتوقّف عن التّفكير ونُعزّي أنفسنا بأسطورة طائر الفينيق الذي ينهض دائماً من الرّماد، وهنا سؤال يراودني: "لماذا نقنع أنفسنا أن هذا الطّائر يعدُّ دليلاً على قوة استثنائيّة؟ هل من الضّرورة أن نحترق كل فترة ونبقى غارقين في الحروب والظلام حتى ننهض ونثبت أننا نفضنا غبار المآسي؟".
بالنسبة إلي لم يعد الرّماد نهاية الحريق، بل صار وقوداً لحربٍ جديدة تتشكل تحت أنقاضه. والسّؤال ليس كيف ننهض بعد الكارثة؟ بل كيف نمنع الكارثة من التّكرار في كل مرة؟ لماذا يجب أن يصاب المواطنون بإرهاق نفسي ويعتبرون أنّ الصبر واجب وتتبلد مشاعرهم ويعتادون ويطبّعون مع الوضع؟
أليس من أبسط الحقوق رفض الحرب والتّهجير والعنف؟ أليس ضمن حقوقنا أن نقول سئمنا ولا نريد مشاهدة زيادة تقسيم شاشات التّلفزة الإخباريّة التي تنقل الغارات كل يوم من منطقة إلى أخرى وهكذا دواليك؟
لماذا نقنع أنفسنا أن هذا الطّائر يعدُّ دليلاً على قوة استثنائيّة؟ هل من الضّرورة أن نحترق كل فترة ونبقى غارقين في الحروب والظلام حتى ننهض ونثبت أننا نفضنا غبار المآسي؟
لماذا يتكرر التهجير الجماعي من الضاحية الجنوبية حيث يندفع الآلاف إلى الطرقات سيراً على الأقدام تاركين خلفهم منازلهم وذكرياتهم وأغلى ما يملكون؟
لماذا يبدو المشهد وكأنه استعادة مؤلمة لسيناريو غزة والزحف البشري نحو زاوية آمنة؟ لماذا نسهر حتى ساعات الصباح ونحن نرى مدينتنا تحترق؟ لماذا يتم في كل مرة الترويج وترسيخ سردية النصر في الخطاب العام، وهي الرواية التي استخدمت في حروب عدة عبر التاريخ للمحافظة على معنويات الناس ودعم الشرعية السياسية والتخفيف من وقع الخسائر والإخفاقات التي رافقت الحدث؟ هل نحن شهود وأرقام فقط أم جزء من هذه القصة؟
لماذا نودّع قرانا ولا نعرف متى العودة أو إذا ما زالت ممكنة ومتاحة هذه المرة؟
رسالة إرشاديّة
ومع تطوّر الوضع الدراماتيكي في لبنان وتأثيره النّفسي، وصلت إلى هاتفي رسالة من معالج الصّدمات النّفسية، الدّكتور خالد ناصر، الّذي ساعد صحافيين يعملون في مناطق النّزاع والحروب، وأنشر بعضها كإرشادات عمليّة في التّعامل مع الوضع الحالي، حيث يقول ناصر إنّ النّاس في لبنان يتعرّضون لمحفّزات نفسيّة حتى لو كانوا في مكان آمن، فصوت القصف، ومشاهد العنف والدّمار على التّلفاز والهاتف، وصور النّازحين الباحثين عن مأوى قد تُعيد استحضار أحداثٍ سابقة وتنشيط الصّدمات القديمة في الجسد، في هذه الحالة قد يدخل الشّخص في حالة التّجمّد.
أليس من أبسط الحقوق رفض الحرب والتّهجير والعنف؟ أليس ضمن حقوقنا أن نقول سئمنا ولا نريد مشاهدة زيادة تقسيم شاشات التّلفزة الإخباريّة التي تنقل الغارات كل يوم من منطقة إلى أخرى وهكذا دواليك؟
ولفت ناصر إلى أنّه من المهم الانخراط في مهام بسيطة تمنح إحساساً بالسّيطرة وتساعد في تخفيف الضغط النّفسي، والأعمال اليدويّة تُعد شكلاً من أشكال استعادة السّيطرة، فالأنشطة المتكرّرة والإيقاعية والمهدّئة مثل التّطريز، نحت الشّمع أو الرّسم يمكن أن تساعد في تحسّن الشّعور، كما نصح بتجنّب الإفراط في متابعة الأخبار ومحاولة الانغماس بأنشطة أخرى حتى لا تشعر وكأنّ حياتك متوقّفة، لأنّ ذلك يعزّز الإحساس بالخطر.
ربما حان الوقت لنكسر الأسطورة ونكون واقعيين وبعيدين من المغامرات والأوهام والخرافات والتّخيّلات والفرضيّات والتنبؤات: ليس المطلوب أن نكون طيور فينيق تحترق كلّ مرّة، لا بدّ أن نصبح بشراً يرفضون الحريق من الأساس ويضعون حداً لدورة الأزمات، فالتّكيّف مع الحرب ليس قوّة، بل خسارة أخرى تضاف إلى ما تكبّدناه في السّنوات السّابقة.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
