"لا بديل عن النبش في حاويات القمامة"... كيف يعيش "الميخالة" في المغرب؟

الثلاثاء 18 فبراير 202004:25 م

إنها السابعة صباحاً، بأثواب بالية، مرقعة ومتسخة، ووجه باهت عليه علامات حروق الشمس، ينبش بأيادٍ خشنة مشقوقة، قمامة في حي سيدي البرنوصي في الدار البيضاء، ويقلب محتوياتها.

"في كل يوم بعدما أخرج من بيتي في السابعة صباحاً، تجدني أنبش في أول حاوية تعترض طريقي في الصباح، أجمع من الحاويات الخبز اليابس وقشور الخضر والفواكه وبعض الأطعمة الأخرى، أعمل على فرزها جيداً لأعيد بيعها لأصحاب المواشي المتواجدين في الأرياف المجاورة لمدينة الدار البيضاء وبعض أحياء الصفيح، لأتقاضى مبلغاً يكون حسب الكمية المتوفرة، والذي يتراوح ما بين 100 و200 درهم أي ما بين (10 و20 دولاراً)".

أما في المساء، بعد الظهيرة، يضيف عبد العظيم، "أهتم بجمع كل ما له علاقة بالمخلَّفات المنزلية، مثل قطع الخشب وقطع البلاستيك، وبعض بقايا الأثاث القديم، الأواني وغيرها، أعمل على جمعها، وأيضاً اختيار كل ما له الأفضلية، لأعيد بيعها إلى أصحاب محلات الخردة، وبطبيعة الحال لكل قطعة ثمن أيضاً حسب القيمة والجودة، وقد أجد قطعة يمكن أن توفر لي لوحدها ما يقارب 200 درهم (20دولاراً)".

"قوت يومي في قمامة الآخرين"

يعتبر عبد العظيم واحداً من الشباب الذين قرروا أن يكونوا "بوعارة" أو "ميخالة" وهي أوصاف شعبية تُطلق في المغرب على كل شخص يقوم قوته اليومي على جمع النفايات من الحاويات، وإعادة بيعها، وقضاء ساعات طويلة في النبش في الحاويات، والمزابل بحثاً عن المتلاشيات.

"لا بديل لي عن النبش في البركاصة"، وهو اسم يطلقه المغاربة على مكان واحد تجتمع فيه أكثر من حاويتين للقمامة، "ففي قمامة الآخرين أجد قوت يومي"، يقول عبد العظيم.

"في القمامة أوفر ما يقارب 3000 درهم "300 دولار" شهرياً، استطعت بها أن أكوّن أسرة وأن أعيل بها عائلتي، كما أن الكثير من الشباب وجدوا في هذا النشاط ضالتهم لينقذوا نفسهم من الفقر والبطالة"

عانى عبد العظيم من البطالة لما يزيد عن 12 سنة، هذا بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والمعيشية الهشة، يقول عبد العظيم: "لم أجد حلاً سوى التوجّه إلى القمامة بعدما كنت أسمع أنَّ الكثير من الأسر والأشخاص مدخولهم اليومي يأتي من جمع الحاويات وتدويرها".

وعن ظروف عمله، يقول عبد العظيم: "مهنة البوعار هي مهنة حرة، يكون المردود فيها يومي، ويرتفع حسب كمية وجودة المتلاشيات التي تم جمعها".

"البوعار مهنة حرّة، المردود فيها يومي، ويرتفع حسب كمية وجودة المتلاشيات".

"في القمامة أوفر ما يقارب 3000 درهم (300 دولار) شهرياً، استطعت بها أن أكوّن أسرة وأن أعيل بها عائلتي، كما أن الكثير من الشباب وجدوا في هذا النشاط ضالتهم لينقذوا نفسهم من الفقر والبطالة".

يخلّف المغرب نحو 5 ملايين طن من النفايات سنوياً، بحسب إحصائيات الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، سنة 2018، وكشفت عن وجود ما يقارب 7000 شخص يمارس نشاطه في استرداد النفايات وإعادة تدويرها، مؤكدة أيضاً على أن 60% منهم شباب و14% نساء، وغالبيتهم يعيشون أوضاعاً اقتصادية هشة، كانت السبب الرئيسي وراء اختيارهم هذه المهنة.

روائح وغثيان ومخاطر

تشير الساعة إلى الثامنة مساء، هو التوقيت الذي اختار فيه رشيد السالمي، جولته الليلية بين حاويات المعامل والمصانع في حي "عين السبع" في الدار البيضاء، وهو يضع قفازه وكمامة على فمه.

يقول السالمي لرصيف22: "في ظل غياب عمل مدر للدخل، اخترت التنقيب كل ليلة عن قوتي اليومي المغلَّف بالقذارة، لا بديل لي عن تحمّل الروائح التي تزكم الأنوف، والمناظر المقززة التي تبعث على الغثيان، هذا بالإضافة إلى المخاطر الصحية التي تعترضنا، كل هذا من أجل ذلك الدخل اليومي البسيط التي نقتات منه ونعيل به أسرنا".

يقضي السالمي (29سنة) ليلته في النبش وسط أكوام النفايات، وفي الحاويات المتواجدة بالحي الصناعي، للبحث عن المتلاشيات الناتجة عن تلك المصانع من معادن، كالحديد والنحاس والألمنيوم.

في كل ليلة ينتظر السالمي عملاً شاقاً في جمع قطع الزجاج، والقطع المعدنية، وفرزها، لتجده في الثامنة صباحاً في "لافيراي"، وهو مكان بيع المتلاشيات من المعادن، الزجاج، الآلات القديمة، قطع الغيار وبعض قطع السيارات.

"الميخالي ينقب في القذارة، ويواجه الكثير من المخاطر".

يقول السالمي: "في هذا النشاط ليس هناك ما يدل على كوننا نعيش حياة كريمة، الميخالي لا يكفي أنه ينقب في القذارة، بل يواجه الكثير من المخاطر، خصوصاً الميخالي الذي يكون عمله ليلاً، يمكن أن تعترضه أمراض خطيرة نتيجة الروائح الكريهة أو إصابات متفاوتة الخطورة نتيجة الاصطدام ببعض المعادن الحادة، هذا بالإضافة إلى اللصوص".

ويضيف السالمي مبتسماً: "حتى الكلاب الضالة تعترض طريقنا، وبعد كل هذا يرى المجتمع فينا أننا مواطنون من الدرجة الثالثة، متسخون، مشردون، يعيشون من القذارة وفيها".

خبز وبقايا علب عصير

بقايا الخبز اليابس، الخضر والفواكه، وبقايا علب العصير ومواد أخرى منتهية صلاحيتها، هو كل ما تنقب عليه مي عايشة، داخل حاوية "سوق طارق" في حي البرنوصي في الدار البيضاء.

داخل كيس بلاستيكي تضع مي عايشة، وهي سيدة في عقدها الخامس، كل ما جادت به الحاوية كل صباح قبل العاشرة.

تقول عايشة لرصيف22: "أتردّد كل يوم على هذه الحاوية كونها قريبة من مسكني، أعثر فيها على مخلفات السوق وسكان الأزقة المجاورة له، هنا يمكنني أن أجد الأطعمة، مثل الخضار والفواكه وعلبة الياغورت وبقايا أنواع أطعمة أخرى مختلفة".

"حتى الكلاب الضالة تعترض طريقنا، وبعد كل هذا يرى المجتمع فينا أننا مواطنون من الدرجة الثالثة، متسخون، مشردون، يعيشون من القذارة وفيها"

تضيف مي عايشة: "نحن نعيش ونقتات من قمامة الآخرين، في غالب الأيام تكون مائدتي مشكّلة من القمامة، لا تستغربوا إن قلت لكم إن الكثير أمثالي الذين يعيشون فقراً مدقعاً يعيشون ويقتاتون من هذه الحاوية وما تجود به، هي مصدر قوتنا اليومي، وكما يقول المثل: قمامة قوم عند قوم موائد، وهذا هو حالنا موائدنا من قمامة الآخرين".

ويعيش آلاف المغاربة على نفايات المنازل والمصانع. البعض يسد جوعه من تلك المخلفات، وآخرون يبحثون بين القمامة عن أشياء ثمينة يعيد تسويقها وبيعها لمن يبحث عن تكرير المخلفات، بحسب تقرير صادر عن كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة سنة 2015.

وبلغ "سكان المزابل" الآلاف في العديد من المدن المغربية، 14% من النساء، ونسبة الشباب 50% أعمارهم أقل من 20 سنة.

في المساء تحرص عايشة، على التجول بين حاويات الأحياء الراقية، تقول: "فيها الأغنياء يرمون متلاشيات ذات أهمية وقيمة، حتى الأطعمة يمكنني أن أجدها صالحة ونظيفة".

وتبقى عايشة، واحدة من آلاف المغاربة الذين يقضون حياتهم في التجول بين القمامات بحثاً عن قوتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard