تقنين القنب الهندي في المغرب... حلم وتحقق

الحكومة المغربية تصادق على مشروع قانون تقنين القنب الهندي

الخميس 11 مارس 202103:27 م

بعد تأجيل الموافقة عليه لأكثر من مرتين صادق المجلس الحكومي المغربي، الخميس 11 آذار/مارس، على مشروع قانون تقنين استعمال القنب الهندي واستغلاله في الأغراض الطّبية والصناعية.

القانون الذي كانت الحكومة تعتزم تمريره في نهاية شهر شباط/فبراير، شهد الكثير من السجال وتعرض للانتقادات قبل المصادقة عليه. ويرى البعض أن بإمكانه تحسين حياة آلاف المزارعين الذين يعيشون في مناطق شمال المغرب ويعملون في زراعة "الكيف" الممنوعة قانونيا والتي تعرض المزارعين للسجن.

المشروع الذي صادقت عليه المملكة وليد نقاش سياسي ومجتمعيّ كان مخاضا عسيرا مستمرا منذ أكثر من عشرة أعوام، ووجد نفسه أمام معارضة شديدة في أوساط حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي يقود الحكومة.

مشروع تقنين القنب الهندي الذي صادقت عليه المملكة وليد نقاش سياسي ومجتمعيّ كان مخاضا عسيرا مستمرا منذ أكثر من عشرة أعوام

وارتفعت العديد من الأصوات الرافضة لتمرير القانون داخل الحزب، لعلّ أبرزها المعارضة الشديدة التي سجّلها عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق والقيادي البارز في حزب العدالة والتنمية قائد الائتلاف الحكومي، الذّي أعلن في صفحته على فيسبوك، مباشرة بعد نشر خبر المصادقة الحكومية على مشروع القانون، عن  "تجميد عضويته" من أجهزة الحزب وعلى قطع علاقته بقياديين  منه ضمنهم رئيس الحكومة الحالي سعد الدين العثماني  وكل من "مصطفى الرميد ولحسن الداودي وعبد العزيز الرباح ومحمد أمكراز" وهم وزراء حاليون وقياديون في حزب "المصباح".

ونفذ عبد الإله بنكيران وعيده بتجميد عضويته من الحزب في حال دعم العدالة والتنمية الإجازة باستعمالات القنب الهندي داخل المجلس الحكومي، رغم أن مشروع القانون يقتصر على الاستعمالات الطبية والصناعية ، ولا يشمل الاستعمالات "الترفيهية" كما هو الحال في بعض الدول التي أجازت استعماله.

وكان الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية قال في رسالة خطية سربت إلى وسائل الإعلام في شهر شباط/فبراير الماضي، إنه يعتزم الانسحاب كليا من حزب العدالة والتنمية الذي يقود الائتلاف الحكومي، إذا وافق نواب الحزب في البرلمان على مشروع قانون أعدته الحكومة لتقنين القنب الهندي.

وأضاف بنكيران في الرسالة، التي تم التأكد من صحتها "بصفتي عضوا في المجلس الوطني للحزب، أعلن أنه في حالة ما إذا وافقت الأمانة العامة للحزب على تبني القانون المتعلق بالقنب الهندي، فإنني سأجمد عضويتي في الحزب". وتابع "وإذا ما صادق ممثلو الحزب في البرلمان على القانون المذكور، فإنني سأنسحب من الحزب نهائيا"، وهو ما ينبئ  بمعركة جديدة حول المشروع ستدور رحاها هذه المرة وسط مجلس النواب المغربي.

تنمية و"مساحات غموض"

بعيداً عن التجاذبات السياسية، يأتي توجّه الحكومة لتشريع استعمالات القنب الهندي، بعد تصويت المملكة في شهر كانون الأول/ديسمبر، على قبول استعمال النبتة في الاستخدام الطبي، وذلك خلال اجتماع لجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، الذي تمّ فيه اعتماد توصيات منظمة الصحة العالمية، خاصة المتعلقة بإزالة القنب الهندي من الجدول الرابع للمواد المخدرة ذات الخصائص شديدة الخطورة والتي ليست لها قيمة علاجية كبيرة. وهو القرار الذي وافقت عليه 27 دولة مقابل رفض 25 دولة.

ربط الزراعة بالرخص، يطرحُ إشكالية كبرى، ذلك أنّ "أغلب الفلاحين لا يمتلكون عقود ملكية الأرض. وحتى من يمتلكها فهي عقود عرفية

الناشط الحقوقي، خالد البكاري، اعتبر أنّ مشروع قانون تقنين القنب الهندي بالصيغة التي طرح بها "يتضمن مساحات غموض، قد تكون مصدر أخطار مستقبلية"، مشيراً أنه إذا لم يتم تنقيحه والتحديد الواضح والصريح للمناطق المسموح لها بتلك الزراعة، وحصرها في المناطق التاريخية لزراعة القنب الهندي، "فإن هذه المناطق ستكون أكبر متضرر من هذا القانون".

وبخصوص نصِّ المشروع على أن المناطق التي سيسمح فيها بزراعة الكيف ستحدد بمرسوم، وصَف الفاعل الحقوقي الأمر بـ"عقدة المنشار"، ذلكَ أن المناطق التاريخية لزراعة هذه النبتة معروفة ومحددة، وكان يمكن النص عليها في مشروع القانون. مضيفاً أنّ ربط الزراعة بالرخص، يطرحُ إشكالية كبرى، ذلك أنّ "أغلب الفلاحين لا يمتلكون عقود ملكية الأرض. وحتى من يمتلكها فهي عقود عرفية وغير موثقة في الغالب".

وأكّد بكاري في تصريح لـرصيف22 أنّ التقنين لا يخدم مصلحة المزارعين الصغار، باعتبار أنّ هذه الرخص تحدد كيفية الزراعة والتحويل والاستغلال والاستيراد والتصدير. ويشرح الناشط "هذا يعني أننا أمام مقاولات مستثمرة برؤوس أموال على أي حال لن تكون صغيرة". ويستدل في رأيه على تجارب مقارنة بأمريكا اللاتينية، التي أدى فيها تقنين "المار يخوانا" بما يشبه مشروع القانون المغربي، "إلى مزيد من الفقر للمزارعين الصغار، الذين أصبحوا تحت رحمة المستثمرين الكبار، والذين كان غالبيتهم في الأصل من البارونات الكبار للتهريب والإتجار الدولي في المخدرات".

ودعا البكاري إلى فتح نقاش حقيقي مع سكان المنطقة لإيجاد أفضل السبل لمعالجة كل الإشكالات هناك، قبل الإقدام على خطوة قد تخلق وضعاً أعقد من الوضع الحالي.

بالمقابل، يرى محمد بن عِيسِي، رئيس "مرصد الشمال لحقوق الإنسان"، أنّ طرح المشروع للمناقشة في أفق المصادقة عليه "خطوة إيجابية"  سترفع الحيف والظلم عن المزارعين الصغار المتضرّرين من أن هذه النبتة كانت خارج إطار القانون". ويرى بن عيسي أن من شأن القانون أن يجذب لمناطق زراعة القنب الهندي "عدداً من الاستثمارات المتعلقة بالنبتة، خصوصاً في مجالات صناعة الأدوية"، مسجّلاً أن ساكنة هذه المناطق "تعوّل على التقنين من أجل دفع قطار التنمية بالمنطقة".

ويتابع بن عيسى في تصريحه لـرصيف22 أن من شأن ذلك "تغيير الصورة المجتمعية السلبية التي كانت منتشرة عن منطقة شمال المغرب وسكانها، كما ستمكن السكان من الحصول على مورد مالي إضافي وقانوني".

ويبرز المتحدث أنّ القانون ينبغي أن تعقبه حملات توعية واسعة تستهدف سكان المناطق المنتجة للمادة لتعريفهم بمواد القانون وبأهمية سنِّه في حياتهم اليومية، حتى تكون هناك تعبئة شاملة، وألا يواجه التقنين بحملة معاكسة وبرفض من طرف السكان".

نقطة أخرى، يؤكّد عليها الفاعل الحقوقي، هي "ضرورة إسقاط المتابعات القضائية الصادرة في حقّ أزيد من 30 ألف فلاح ومزارع بالمنطقة، لتحقيق مصالحة من شأنها المساعدة في التنزيل الأمثل للمشروع".

تفاصيل المشروع

مشروع القانون الذي سيعرض على البرلمان بعد المصادقة الحكومية عليه، قبل اعتماده رسمياً، يحدّد الاستعمالات المشروعة للنبتة، والمتعلّقة أساساً بالاستعمال الطبي، مشيراً إلى أن مزاياها العلاجية، تنكشفُ أكثر فأكثر من طرف الهيئات العلمية المختصة لعلاج مجموعة من الأمراض. إذ أنه بالإضافة إلى الاستعمال في مستحضرات التجميل والاستعمال الطبي يمكن استعمال النبتة في صناعات النسيج والورق، وصناعات السيارات وأيضاً في صنع بعض الأغذية الحيوانية، واستخلاص بعد المكونات الغذائية للاستهلاك البشري مثل الفيتامينات والمعادن والأحماض.

ويُخضِع مشروع القانون كافة الأنشطة المتعلقة بزراعة وإنتاج وتصنيع ونقل وتسويق وتصدير واستيراد القنب الهندي ومنتجاته لنظام رخص سيحصل عليها كل من يرغب في الاستثمار في المجال. وينصّ المشروع كذلك على تأسيس "وكالة وطنية" ستكون مهمتها التنسيق بين كافة القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والشركاء الوطنيين والدوليين لتنمية سلسلة إنتاج فلاحية وصناعية تعنى بالقنب الهندي مع "الحرص على تقوية آليات المراقبة".

يؤكّد نص المشروع الجديد أنه لا يتعلّق بالاستعمال الترفيهي للقنب الهندي الذي سيظل ممنوعاً، بل إنه سيقتصر على الأغراض الطبية والصيدلية والصناعية

ويفتح القانون، الذي تقدّمه وزارة الداخلية، المجال للمزارعين للانخراط في التعاونيات الفلاحية، مع إجبارية استلام المحاصيل من طرف شركات التصنيع والتصدير، وتفرض عقوبات لردع المخالفين لتوجهات الدولة. وبموجب المادة 3 من مشروع القانون، فإنه لا يمكن ممارسة أحد الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي إلا بعد الحصول على رخصة تسلمها "الوكالة الوطنية" لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي.

وتصنّف الحكومة، من خلال المشروع، الأقاليم المعنية بزراعة وإنتاج القنب الهندي، أي القرى والمزارع التي يمكن لمالكيها أو مستغلّيها من المزارعين الحصول على رخصة بعد استيفاء من يطلب الرخصة للشروط التالية: "التوفر على الجنسية المغربية، بلوغ سن الرشد القانوني، السكن بأحد القرى المكونة لأحد الأقاليم المرخص لها بمرسوم، الانخراط في تعاونيات يتم تأسيسها خصيصا لهذا الغرض، أن يكون مالكا للقطعة الأرضية اللازمة لهذا الغرض أو حاصلا على إذن من المالك لزراعة القنب الهندي بالقطعة الأرضية المذكورة، أو على شهادة مسلّمة من لدن السلطة الإدارية المحلية تثبت استغلاله لهذه القطعة الأرضية".

وخلافاً للتوجه الذي أخذه نقاش الموضوع، يؤكّد نص المشروع الجديد أنه لا يتعلّق بالاستعمال الترفيهي للقنب الهندي الذي سيظل ممنوعاً، بل إنه سيقتصر على الأغراض الطبية والصيدلية والصناعية. ويحدّد شروط الحصول على رخصة تحويل القنب الهندي وتصنيعه ونقله وإنتاجه، ويشير نص المشروع إلى أن شركات التحويل والتصنيع يجب أن تتوفر على مخازن مؤمنة ومحروسة لتخزين محاصيل القنب الهندي التي تقتنيها من التعاونيات.

 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard