"ثورة أم مصيره الفشل؟ "... المغرب يطلقُ برنامجا للحماية الاجتماعية

الرعاية الصحية في المغرب

السبت 6 مارس 202103:21 م

على متن سيارته للأجرة الحمراء، وهو اللّون المميّز لسيارات التاكسي بالدار البيضاء، يقطع محمد الرجل الخمسيني شوارع عاصمة المغرب الاقتصادية منذ 30 سنة، متأمّلا من خلف المقود حركةَ ووجوهَ أجيالٍ من سُكان العاصمة الاقتصادية للمغرب. يتحدّث بفخر وهو يستحضر مغامراته وتجاربه العديدة بالمدينة الضخمة، غير أن بريق عينيه يخفت مباشرةً بعد سؤاله عن أحواله الاجتماعية بعد كلّ هذه العقود من العمل.

من هم في سني تفصلهم سنتان عن التقاعد. أما بالنسبة إليّ فهذه الكلمة حلم جميل، لأني أعلم أنني سأبقى لصيق هذا المقعد حتى أعجزَ عن العمل

يخفض صوت أغنية شبابية تنبعثُ من مذياع السيارة، ودون أي محاولة منه لإخفاء انزعاجه، يصرّح "هذا الهاجس يؤرق كل سائقي التاكسي ويظل هاجسا يوميا". يضيف: "وضعي المادي متوسّط، غير أن وضعي الاجتماعي ليس كذلك. أقصد أنني أعيش اليوم بيومه. بلا رعاية صحية ولا تأمين. من هم في سني تفصلهم سنتان عن عمر السّتين ويفكّرون فيما سيفعلون بعد التقاعد. أما بالنسبة إليّ فهذه الكلمة مثل حلم جميل، لأني أعلم أنني سأبقى لصيق هذا المقعد حتى أعجزَ عن العمل".

يسترسل في حديثه: "في كثير من الأحيان عندما يمرض أحد زملائنا، نبادر بجمع الصِّينِيَّة (التبرّعات المالية)، ونقدّمها له. أحياناً نجمع المال الكافي لعلاجه وفي مرات كثيرة لا نتوفّق، وتفتح أمامه أبواب المجهول".

"ثورة اجتماعية"

أمام هذا الوضع المعقّد الذي يعيشه الرجل وملايين العاملين المستقلين في المغرب، وفاقمت منه جائحة "كورونا"، أعلنت الحكومة المغربية شروعها في سن استراتيجية، وصفتها بـ"الثورة الاجتماعية". تروم الخطة تعميم الحماية الاجتماعية ليستفيد منها 22 مليون مغربي، في ظرف 5 سنوات. وذلك على مرحلتين، إذ سيتم في المرحلة الأولى (2021-2023) تعميم التأمين الإجباري على المرض والتعويضات العائلية، فيما سيجري في المرحلة الثانية (2024-2025) تعميم التقاعد على جميع الأشخاص والتعويض عن فقدان العمل لجميع السكان النشطين.

يستأذن محمّد الذي نرافقه داخل سيارته في إشعال سيجارة. يسحب دخّانها عميقاً، قبل أن ينفثه بعيداً عبر النافذة، ويواصل "سائقو سيارات الأجرة ومختلف المهن الحرة، غير راضين عن وضعهم الحالي وضبابية المستقبل. من المخجل أن يبقى مَنْ عمل لأعوام، رهين مبادرات إحسان، بلا تقاعد ولا رعاية صحية حكومية".

هواجسُ وقلقُ محمّد ليست استثناءً بل يتقاسمها مع ملايين العمّال المستقلين والحرفيين بالمغرب الذين يبقى حاضرهم وغدُهم المهني مجهولاً. فحسب تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (مؤسسة رسمية) أنجز عام 2018، فإن ثلثي السكان النشيطين (60 في المئة) لا يشملهم نظام التقاعد، وحوالي النصف (46 في المئة) لا يستفيدون من الرعاية الصحية، كما أن غالبية السكان النشيطين (باستثناء أقلية من العاملين في القطاع الخاص النظامي) لا يستفيدون من تأمين اجتماعي خاص ضد حوادث العمل والأمراض المهنية.

ملايين العمّال المستقلين والحرفيين بالمغرب يبقى حاضرهم وغدُهم المهني مجهولاً

لكن البرنامج الجديد قد يغير من وضع محمد ووضع من هم على حاله. في تفاصيل الاستراتيجية الطموحة، سيستفيد من المرحلة الأولى 10 ملايين مواطن من ضمنهم المسجّلون ضمن نظام الرعاية الصحية "راميد" (نظام حماية للأسر الأشد فقرا) و12 مليون من المهنيين الأحرار. وسيتم إقرار تعويضات عائلية لـسبعة ملايين طفل بلغوا سن الدراسة، إلى جانب تمكين خمسة ملايين مغربي من الانخراط في تأمين التقاعد، وتعميم الاستفادة من التعويض عن فقدان العمل ليشمل المهن الحرة.

دفنُ الاحتقان

محمد حركات، أستاذ المالية العامة والخبير في الحوكمة في جامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن هذا المشروع المجتمعي "مهم ونبيل جدّاً "، مشيراً إلى أنّ جائحة كورونا "بيّنت مدى فداحة الوضع، فيما يتعلق بالتغطية الاجتماعية لفئات واسعة من المغاربة"، إذ أن عدداً كبيراً منهم "لا يتوفّر على أي رعاية اجتماعية، لذلك ينبغي الإشادة بالمشروع لاعتباراته الإنسانية والمجتمعية". 

وأبرز الخبير المغربي لرصيف22 أن مشروع تعميم الحماية يأتي في سياق الاحتقان الاجتماعي بسبب الأزمة الاقتصادية و "يرومُ دفن كل ما يتعلق بالاحتقان الاجتماعي في المغرب، لأنه في غياب مظلّة اجتماعية ترتفع درجات الاحتقان في صفوف المواطنين الذين يقفون على حجم التفاوتات الطبقية المتزايدة"، بالتالي فإنّ للمشروع أبعادا أخرى تتمثل في تحقيق استقرار اجتماعي ومواجهة عدد من المشاكل التي تسبّبت فيها الجائحة، مع تزايد أعداد العاطلين وانحسار فرص العمل.

من جانبه، اعتبر النائب بالبرلمان المغربي والخبير المالي نوفل الناصري أن الخطوة تأتي في ظلّ التوجّهات والأولويات التي استخلصها المغرب من جائحة "كورونا"، إذ أن هناك توجّها متوافقاً بشأنه بين الشعب المغربي والملك، لأجل تعزيز الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي للمواطنين، وجعلهم في لبّ السياسات العمومية، بعدما كشفت الجائحة عن نواقص". وتتمثل هذه السياسية الرسمية في خطب ملكية أكد فيها على نهج سياسة أكثر قربا من مطالب الطبقات الفقيرة.

يؤكد الناصري في تصريح لرصيف22 أن الإطار المرجعي للاستراتيجية الجديدة، هو الخطب الملكية التي أكّد فيها العاهل المغربي على ضرورة تعميم الرعاية الاجتماعية لفائدة جميع المغاربة، وبلورة مخطط مجتمعي لتنزيل هذا الإصلاح، مع تحديد مدة زمنية لإنجازه وإطار قانوني عرض مشروعه على البرلمان.

وأكّد الناصري أنّ الحكومة "ستعمل على تبسيط إجراءات الاستفادة من هذا التعويض، وتوسيع الاستفادة لتشمل كل شخص، تتوفّر فيه شروط الاستفادة من هذه البرامج".

 بدوره ثمّن محمد حيتوم، عضو الأمانة الوطنية لنقابة "الاتحاد المغربي للشغل"، المبادرة مبرزاً أنّها تأتي في ظرفية خاصة ترتبط بالتداعيات الصعبة التي خلّفتها جائحة "كورونا"، بالمغرب، "إذ أبانت هشاشة الوضعية الاجتماعية بالمغرب، رغم الإجراءات الاستباقية التي تم اتخاذها من خلال صرف دعم لعدد من أسر الأجراء المتوقّفين عن العمل" أو الذي يعملون في القطاعات الاقتصادية غير النظامية.

ستعمل الحكومة على تبسيط إجراءات الاستفادة من هذا التعويض، وتوسيعها لتشمل كل شخص، تتوفّر فيه شروط الاستفادة من هذه البرامج".

كما تأتي أهمية الخطوة، وفق المتحدث، في إنها إجابة على نتائج "مؤشرات التنمية البشرية لسنة 2019"، وهو التقرير الذي تصدره الأمم المتحدة  وصنّف المغرب، في مراتب متأخرة (123 من أصل177 دولة) وتقارير منظمة العمل الدولية، التي تكشف أن المملكة من أقل البلدان استثماراً في الحماية الاجتماعية، أقل من 5 بالمئة من الناتج الداخلي والإنفاق على الصحة كاملاً بـأقل من 2 بالمئة، وهو أقل من بلدان مجاورة بالمنطقة.

من يدفع الفاتورة؟

في مقابل كلّ الإيجابيات التي تحدّث عنها الفاعلون الاقتصاديون والسياسيون الذين حدثناهم تُسجّل على المشروع مجموعة من الملاحظات. تتعلّق أساساً بأسئلة تمويله وتنزيله على أرض الواقع. خصوصاً مع الميزانية الضخمة المرصودة له، والحيّز الزمني المتوسط لإنجازه، بالإضافة إلى بناء الاستراتيجية الحالية على أنقاض برامجَ وصناديقَ سابقة تعاني من أزمات مالية. وما إطلاق المشروع الجديد إلاّ تأكيد على فشل هذه البرامج والصناديق السابقة.

تبلغ كلفة المشروع 51 مليار درهم (أزيد من 5 مليارات دولار)، ستخصص 14 مليار درهم لتعميم التأمين الإجباري عن المرض، و20 مليارا لتعميم التعويضات العائلية، و16 مليارا لفائدة المنخرطين الجدد في أنظمة التقاعد، ومليار درهم لتعميم الحصول على تعويضات عند فقدان العمل.

بخصوص خطّة تمويل الصندوق، كشف النائب الناصري لرصيف22 أنّه سينجز بشكل تضامني بين صناديق الدولة والمواطنين عبر آلية تقوم على الاشتراكات من طرف الأشخاص الذين يملكون القدرة على المساهمة في تمويل "التغطية الاجتماعية"، سواء كانت اشتراكات مستحقة أو واجبات مفروضة على بعض المهنيين. هذا بالإضافة إلى المساهمة المالية الموحّدة الواردة في قانون المالية وقيمتها 28 مليار درهم.  فضلاً عن شق آخر من العائدات الضريبية وبعض الموارد المتأتية من إصلاح صندوق المقاصة، وبعض المخصّصات المالية من صندوق الدولة، ما سيمثل 23 مليار درهم، للوصول للتكلفة المحددة.

الفاعل النقابي، حَيتوم، لفت من جهته إلى مشكلة تداخل المساهمات والاشتراكات المتعلّقة بالمشروع مما يزيد ضبابية تنزيله. بالإضافة إلى أنه سيؤسس على أنقاض مشاريع فاشلة سابقة بحسبه إذ أن " صناديق وبرامج الحماية السابقة التي سيتم بناء المشروع الجديد عليها، عبْرَ دمج بعضها ببعض تعرف اختلالات عميقة". النقابي أكّد أنّ إنجاح الاستراتيجية الجديدة، "يستدعي القيام بإصلاح قبلي لوضعية الصناديق الموجودة، فمن بينها التي تعاني عجزا ماليا وأخرى على حافة الإفلاس".

يتساءل النقابي مستغربا من بعض الإشكالات التي تطرح بخصوص دمج هذه البرامج المختلفة، مثل مزج برنامج التغطية الصحية "راميد" وبرنامج الحماية الإجبارية عن المرض. إذ أن تمويل الأول يأتي أساساً من صناديق الدولة في حين تتأتى أغلب عائدات الثاني من الاقتطاعات في أجور الموظفين بالقطاعين العام والخاص. علاوةً على مشاكل أنظمة التقاعد التي تعاني أزمة كبيرة رغم الإصلاحات المتكرّرة التي تخضع لها، و"صندوق دعم التماسك الاجتماعي" (حساب خاص بالدعم الاجتماعي)، الذي أعطيت انطلاقته سنة 2012، غير أنّه لم ينجح في بلوغ أهدافه، يقول: "كان حريّاً أن نعالج مشاكل البرامج السابقة أوّلاً، قبل إطلاق المشروع الجديد".  وإلا فإن "الثورة الاجتماعية" التي تحلم بها السلطات قد تصبح فشلا جديدا ينضاف إلى المشاريع الفاشلة السابقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard