"واجهتُ إسرائيل في شبابي ورجال الحكومة في شيخوختي"... باعة جوّالون في قطارات مصر

السبت 13 مارس 202106:01 م

أبواب ونوافذ ومقاعد محطمة، زحام وصياح وتلاصق الركاب الواقفين، تكاد لا تعبره الريح، وأصوات متداخلة بين الباعة الجوالين، وصوت ارتطام عجلات القطار بالقضيب. هذا هو المشهد اليومي داخل القطارات المتجهة لأقاليم الدلتا، ويسمونه "القطار القشاش" لوقوفه المتكرر، أو "قطار الدرجة الثالثة"، ويتميز بالضغط الكثيف من طلاب الجامعات والموظفين والعمال.

لا يخطئك عند دخول القطار هؤلاء الباعة، ومعهم حلويات "عسلية"، أو سلع صينية زهيدة الثمن، وقد عانت هذه الفئة مؤخراً من المطاردات والحملات المستمرة من قبل الدولة، آخرها قرار وزير النقل في التصدي لظاهرة الباعة الجوالين، وناشد المواطنين الإبلاغ الفوري عنهم، وذلك للحد من انتشارهم في مواصلات النقل العام.

وحدد الوزير عقوبة الحبس من سنة إلى سنتين، وغرامة من 1000 إلى 10000 جنيه (ما يقارب 700 دولار)، عند قيام الباعة الجائلين بالبيع داخل القطارات، أو بيع السلع والمنتجات أياً كان نوعها، على الأرصفة أو داخل منشأة المحطة دون تصريح من الهيئة القومية لسكك حديد مصر، الأمر الذي بات يهدد أرزاق المئات منهم.

قطار "قشاش" من الدرجة الثالثة متجه من مدينة طنطا إلى المنصورة 

يقول إبراهيم السيد الطنطاوي (71 عاماً) أحد أبناء مدينة طنطا بمحافظة الغربية، لرصيف22: "ولدت في أسرة فقيرة، ولم ألتحق بالتعليم، وبدأت العمل كبائع متجول في القطارات مذ كان عمري سبع سنوات، فكنت أبيع الفول السوداني بشلن وتعريفة (عملة أقل من الجنيه) كان لهما قيمة أيام زمان، وحتى في هذا العمر لا يزال الشقاء ممتداً".

"أسرني العدو عامين"

يخشى الطنطاوي كغيره من الباعة الجوالين تبعات قرار وزير النقل، ولا يزال متمسكاً بمهنة "البيع المتجول" في عربات قطارات الدرجة الثالثة، يقول: "أنا أب لتسعة أبناء، خمس فتيات وأربعة أولاد، منهم ولدان يؤديان الخدمة العسكرية، ولدي معاش قدره 2000 جنيه فقط (127دولار)، ولكني لا أنال من ذلك المعاش سوى الفتات الذي أقسّمه بين ولدي الصغيرين، لأني كنت قد اقترضت مبلغاً كبيراً من أجل تزويج بناتي، مما جعل معاشي يضيع في تسديد تلك القروض".

يتحمل الطنطاوي أيضاً العبء الاقتصادي لابنتين تركتا منزليهما، إذ يعاني زوجاهما من البطالة، لذا فإطعام تلك الأسرتين مسؤوليته وحده.

يتذكر الطنطاوي أيام شبابه بأسى: "كنت أحلم بحياة أفضل من هذه، فقد كنت ذا شأن في شبابي، إذ حاربت في صفوف الجيش المصري ضد العدوان الإسرائيلي، في حرب النكسة سنة 1967، وكان عمري 18 عاماً، وأسرني العدو عامين، إلى أن أطلق سراحي أثناء تبادل الأسرى بين مصر وإسرائيل عام 1969".

 "كنت ذا شأن في الماضي، حاربت ضد الاحتلال الإسرائيلي أيام النكسة... أما الآن فأكبر المشاكل التي تنغص حياتي هم رجال الحكومة ومفتشو القطارات"

ويضيف: "وعقب رجوعي استأجرت كشكاً من هيئة السكة الحديد، وكانت حالتي المادية بدأت تتحسن، ثم جاء قرار من الهيئة بإزالة الأكشاك، فلجأت إلى بيع "العسلية" في القطار، فكبر سني وعاهتي وعدم امتلاكي شهادة تعليمية فرضت علي هذا الوضع".

ويتابع: "أكبر المشاكل التي دائماً ما تنغص حياتي هم رجال الحكومة ومفتشو القطارات"، فهم يطاردونه عند صعوده على القطار وينادونه "بالواد" وقد حرروا ضده ستة محاضر حتى الآن ومطلوب منه دفع غرامات وإلا فسيسجن.

داخل قطار "درجة مميزة" متجه من القاهرة إلى الأقصر

يختلف عبد العظيم محمد، (35 عاماً) حاصل على دبلوم زراعة، من محافظة الغربية، مع الطنطاوي حول قرار وزارة النقل بمطاردة الباعة الجوالين، ويرى أنه سيحسن من وضعهم لأنهم سيبحثون عن العمل في البناء أو قيادة الميكروباص والتوكتوك، لكنه سيدمر العجزة والأطفال، إذ لن يقووا على العمل في أماكن أخرى.

الشجارات والمعلم والإتاوة

ما يقلق عبد العظيم أكثر هو الشجارات داخل القطار، يروي مثلاً أنه عندما كان يعمل علي خط قطارات المحلة الكبرى، قامت مشاجرة بين أبناء قريتي "الرجدية" و"شبشير الحصة" وكانت كبيرة الي درجة احتراق إحدى عربات القطار، ومن الخوف لم يستطع التحرك، وقد كسرت قدمه، وضاعت بضاعته، التي كان ثمنها 200 جنيه (15 دولار).

هنا يثمن الطنطاوي وجود رئيس "معلم" للباعة الجوالين، يقول: "الجانب الإيجابي لوجود معلم هو أن الباعة لا يتحركون بعشوائية، فمثلاً "باعة العسلية والحلوى" لهم "معلم" يوزعهم على القطارات، ويفصل بينهم في الاختلافات حتى لا يجور أحدهم على الآخر"، مما يعني أنه من السهل الوصول لأي بائع والسيطرة على هذه المنظومة بمجرد توجيه قائدها، دون تدخل الشرطة.

ينظم عمل الباعة الجائلين في قطارات الدرجة الثالثة في مصر "المعلم"، ويلعب دور "الفتوة"، ويأخذ عنوة مبلغاً مالياً "إتاوة"، ممن يعمل تحت إشرافه

أما عن الجانب السلبي، يقول عبد العظيم، فهو أن المعلم يلعب دور "الفتوة"، ويأخذ عنوة مبلغاً مالياً "الإتاوة"، فمن يعمل تحت إشراف معلم مضطر لشراء البضاعة منه، وعقب بيعها يدفع ثمنها له، ويحصل على ربع المكسب فقط، وفي حالة الإخلال بالشروط، يدفع غرامة حتى يسمح له معلمه بالصعود للقطار مرة أخرى.


قطار "قشاش" من الدرجة الثالثة متجه من مدينة طنطا إلى المنصورة 

يشعر الطنطاوي أنه محاصر من كل الاتجاهات بسبب وباء كورونا الذي تفشى فجأة، دون سابق إنذار، فالناس أصبحت تخاف بعضها من بعض، ومن شراء الأطعمة والمشروبات من الشارع.

يقول الطنطاوي: "عندما أمرّ بين الركاب، لا ينظر أحد إلي، لأنه لن يشتري العسلية، حفاظاً على حياتهم، مما يعني أني أعمل دون أن أحصل على المال".

أما عبد العظيم فقد امتنع من الخروج لأيام، كي لا يصاب بعدوى كورونا، فهو لم يكن يملك ثمن الدواء حتى يجازف، وقد توفي والده بهذا الوباء، وكان آخر أفراد عائلته، وبات بعده وحيداً.


داخل قطار "درجة مميزة" متجه من القاهرة إلى الأقصر

أما حسام إسماعيل، (18 عاماً) من محافظة المينا، طالب بمدرسة الصنايع قسم خراطة، ويعمل في قطارات الوجه البحري منذ عامين، فيقول: "بعد صدور قرار وزير النقل نويتُ العودة إلى قريتي، رغم صعوبة الحصول على عمل فيها، فقد ضاعت لقمة العيش التي كنت أعتمد عليها، كنت أحتفظ بنصف مكسبي كل يوم، لكن بعد القرار أصبح هذا العمل لا يستحق المخاطرة".

وأضاف أن بعض زملائه ممن يصغرونه سناً يفكرون جدياً في السفر إلى القاهرة للعمل في تنظيف سلالم العمارات، وشراء الطلبات لسكانها، فذلك "أكثر أماناً رغم كونه مهيناً"، بحسب تعبير إسماعيل.

وفي النهاية، يحلم الطنطاوي، هو وزملاؤه، في توفير كارنيهات وتصاريح عمل لباعة القطار بأسعار رمزية، حتى يرتاحوا من عناء مطاردة المفتشين لهم، يقول إنه لا يأمل من الحكومة سوى النظر في أمر الباعة، فلا تأخذ أحداً بذنب آخر، ومن يُلاحظ عليه سوء الخلق أو افتعال المشاكل يتم حرمانه هو فقط من الحصول على الكارنيه. ويضيف: "غير مقبول أن تعامل الحكومة الجميع سواسية، حتى لا تقطع أرزاق أناس لا ذنب لهم".

وقد كثرت الشكاوى من سوء حالة القطارات مما وجّه الحكومة إلى بحث آليات تطوير تلك الهيئة، التي تعد ثان أقدم هيئة سكك حديد في العالم، فقد اقترضت مصر من البنك الدولي 440 مليون دولار لتطوير السكك الحديد، وتعديل حالة القطارات والإشارات وشراء عربات وإنشاء خطوط جديدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard