“ابني يتسلط على أخته ويراقب هاتفي“... الزهري للبنات والأزرق للصبيان في سوريا

الأربعاء 13 يناير 202104:18 م

تسرع ليلى لتصل إلى المعهد الموسيقي وسط مدينة دمشق، وتلاقي ابنتها الصغرى ميلا (14 عاماً)، التي بدأت بتعلم العزف على آلة الغيتار. تدخل الأم إلى المعهد تنظر إلى ابنتها بتجهم، وتقول: "ما الذي تفعلينه؟ تعزفين على الدرامز!".

الدرامز آلة للذكور

ترفض مدرّسة اللغة العربية ليلى عباد (50 عاماً) أن تتعلم ابنتها العزف على آلة الدرامز، تقول لرصيف22: "نعيش في مجتمع متحفظ على دور المرأة، لا سيما في مجالات الغناء والموسيقا، لن يقبل أن تعزف فتاة على الطبل، إنها آلة مخصصة للذكور لا للإناث".

أما ميرا (27 عاماً) الأخت الكبرى لميلا، فأصبحت الآن تسمى "آنسة بيانو"، تقول: "أحببت كرة القدم منذ صغري، لكن عائلتي رفضت أن أمارس هذه اللعبة لأنها برأيهم رياضة يمارسها الذكور فقط، عندما علم أبي بالأمر، سارع إلى شراء آلة بيانو كبيرة ما زالت تتصدر منزلنا إلى الآن".

"لماذا يجب أن أواجه نظرات أصدقائي وهمساتهم عن أختي ميرا؟".

يرى وسيم (25 عاماً) نفسه وصياً على أختيه، يقول: "لماذا يجب أن أواجه نظرات أصدقائي وهمساتهم عن أختي ميرا، التي تعزف في مقاهٍ يوجد فيها رجال، وتكشف عن جزء من ساقيها، وتتأخر في العودة إلى المنزل، هل نعيش في أوروبا؟ ثم من يهتم بأمر الفن والموسيقى في هذه البلاد؟ كل ما يهمهم هو أن يشربوا كأساً ويتحرشوا بالفتيات".

برزت التفرقة بين أولاد ليلى منذ اليوم الأول الذي أنجبت فيه ميرا، وكانت تتمنى صبيّاً، تقول: "لا أفرّق بين الفتاة والصبي، لكن عندما يكون المولود الأول ذكراً تستريح المرأة من تلميحات حماتها، حالما خرجت من العملية الجراحية بعد الولادة سمعتهم يباركون: إن شاء الله بتشوفيها عروس!".

تسلط الأخ الذكر

تعاني اليوم ليلى من تسلط ابنها على أختيه وعليها أيضاً، تقول: "عندما يحشر أنفه في شؤون أخته الكبرى أقف في وجهه، أحاول منعه، أفهّمه أن أخته عازفة بيانو محترمة، لكنه يطلب هاتفها، يقلّب في الرسائل والمكالمات، أحياناً يسرق هاتفي، يبحث عن دليل ما يتخيله في عقله".

"أحياناً يسرق ابني هاتفي، يبحث عن دليل ما يتخيله في عقله، ويحشر نفسه في شؤون أخته الصغرى، ويتسلط عليها لأنها عازفة، وتتأخر ليلاً"

ترى ميرا أن السبب في تسلط وسيم هو تساهل الأسرة معه بالدرجة الأولى، تقول: "منذ صغرنا علمونا أن اللون الأزرق للصبيان، والزهري للبنات، أذكر جدتي كانت دائماً تعطيه نقوداً أكثر في العيد، تخبئ الحلويات الشهية له وحده"، تقول: "أنت حفيدي الذي سيحمل اسم العائلة".

"الفتاة لا تعمل شرطية"

تلعب فرح جونيور مع مجموعة من الأطفال في الروضة لعبة الشرطي والحرامي، تسارع مع صديقتها لتأخذا دور الشرطية، بينما يعارض الذكور، يصرخ فادي بصوتٍ عالٍ: "شي مرة شفتوا بنت بتشتغل شرطي؟ ما حدا بيقدر يكون شرطي غير الصبي".

تعود فرح جونيور أربع سنوات إلى أمها يومياً بالعديد من الأسئلة، منها: "ماما ليش في لعبة للصبيان ولعبة للبنات؟ ماما ليش البنات ما بيلعبوا معي شطرنج؟ ماما ليش الصبيان لا ينظفون حديقة الروضة مثلنا؟".

أدركت فرح يوسف (35 عاماً)، والدة فرح جونيور، أن تربية أنثى قوية مستقلة في مجتمع ذكوري ليست أمراً يسيراً كتربية ذكر قوي مستقل، تقول لرصيف22: "حاولنا منذ اللحظة الأولى لقدوم فرح جونيور إلى الحياة عدم تكريس أي سلوك قائم على التمييز في النوع الاجتماعي، بداية من لباسها وألوان غرفتها وألعابها، حرصنا على ألا يكون اللون الزهري غالباً على ثيابها".

تعمل فرح يوسف في مجال الصحافة في مدينة اللاذقية، وتتابع بشكل يومي كل الدراسات المتعلقة بتربية الأطفال، تقول: "حرصنا أنا ووالد فرح جونيور أن نربي طفلة قوية قادرة على التعبير عن نفسها وتمييز عواطفها وانفعالاتها، لمعرفتنا بالضغوط التي يمارسها المجتمع على الصبي والفتاة".

غرز القيم منذ الصغر

لا يوجد لعبة للبنات ولعبة للصبيان، أنت قوية وذكية وجميلة، يمكنك الدفاع عن نفسك بمفردك، لا يوجد عيب وحرام إنما صح وخطأ، كل هذه القيم حاولت عائلة فرح غرزها في طفلتها، كانت استجابة الطفلة جيدة إلى أن بدأت تحتك بمجتمع أوسع هو روضة الأطفال.

تقول فرح: "كانت الأمور على ما يرام إلى أن بدأت جونيور تحتك يومياً بأطفال يُمارس عليهم التمييز القائم على النوع الاجتماعي، إنهم ضحايا هذا التمييز ويمارسونه على غيرهم من الأطفال في الوقت ذاته، للمثال كانت جونيور الفتاة الوحيدة في لعبة الشطرنج، الباقون كلهم ذكور".

"حكون لها قصة الأميرة الجميلة التي لا حول لها ولا قوة سوى انتظار الأمير".

ليست روضة الأطفال الجبهة الوحيدة التي تحارب فيها فرح لتجنيب ابنتها التعرض لأي سلوك قائم على التمييز، بل أيضاً الأصدقاء، وأفلام الكرتون، تقول: "يحاول الأقارب ملاعبة فرح جونيور، يحكون لها قصة الأميرة الجميلة التي لا حول لها ولا قوة سوى انتظار الأمير، هذا ما يكرس لديها شعوراً بأنها ضعيفة وتحتاج مساعدة الأمير المنتظر".

وتكمل فرح: "أيضاً أفلام كرتون غالباً يكون محتواها غير دقيق، يكرس فكرة أن البطل دائماً صبي يستطيع أن يحل أي مشكلة بقوة عضلاته، أما الفتاة فهي جميلة تهتم بتسريحة شعرها وجمالها، إنها الصورة النمطية الخاطئة للفتاة، التي كرسها المجتمع وتكرسها برامج الأطفال".

أهالي رفضن المساواة

تعمل نادين قاضون (37 عاماً) مدير روضة "Butterfly by Montessori" في مدينة اللاذقية، تستقبل الروضة الأطفال من عمر سنتين إلى خمس سنوات، لا تعاني نادين من التعامل مع الأطفال بقدر معاناتها من التعامل مع عائلاتهم، تقول: "التمييز بين الفتاة والصبي ظاهر في التربية، يزداد أو ينقص تبعاً لثقافة الأب والأم ووعيهما".

تحكي قاضون لرصيف22 إحدى تجاربها: "مع بداية العام الجديد قررنا توزيع سترات لونها بنفسجي فاتح، لكن الصبية رفضوا ارتداءها لأن لونها كما علّمتهم عائلاتهم "بناتي"، أجبرنا على الانصياع لرغبة الأهالي، وتغيير اللون إلى الرمادي مع بعض الفراشات الزهرية على الكتف اليمنى".

لم يعجب ذلك والدة أحد الصبية التي قدمت إلى الروضة، طالبةً أن يُسمح لها بصباغة السترة وتحويلها إلى اللون الأسود لتحمي طفلها من التنمّر، لأنه يرتدي لباساً مرسوماً عليه فراشات لونها زهري وهو لون مخصص للبنات.

قررت نادين بعد هذه الحادثة إلغاء اللونين الزهري والأزرق.

قررت نادين بعد هذه الحادثة إلغاء اللونين الزهري والأزرق، وإفساح المجال أمامهم لاختيار ألوان أخرى، وفرضت أن تكون كل مجموعة تحتوي علو عدد متساوٍ من الصبيان والفتيات، بعد أن لاحظت أن الفتيات يتجمعن في جهة، والصبيان يجتمعون في جهة أخرى.

رفض بعض الصبية في الروضة تنظيف خزاناتهم. عندما سألتهم نادين عن السبب، أجابوا: "نحنا صبيان ما شغلتنا التنظيف، إنه مهمة البنات"، تقول نادين: "طفل عمره أربع سنوات لا يعرف الإجابة بهذه الطريقة من تلقاء نفسه، إن عائلاتهم غرزت بداخلهم هذه القيم الخاطئة".

تلاحظ نادين الفروق في التربية من خلال اختلاف اهتمامات الأطفال، تقول: "يحب الصبيان كرة القدم، وبرامج الفضاء، بينما تسارع الفتيات إلى المطبخ، ومشاهدة برنامج ماشا والدب "مسلسل رسوم متحركة روسي"، لذلك نحرص على إشراكهن في مختلف الأنشطة، مثل كرة القدم، وتكليف مجموعة من الصبية والفتيات بتحضير الفطور الصباحي".

يبدأ التمييز ضد المرأة، منذ اللحظة الأولى لنزولها من الرحم، تقول أم سورية: "عندما يكون المولود الأول ذكر تستريح المرأة من تلميحات حماتها، بعد الولادة سمعتهم يباركون: إن شاء الله بتشوفيها عروس"

تواصلت نادين مع عائلات الأطفال، وأخبرتهم أن الروضة ستعرض على أطفالهم فيديو عن التربية الجنسية والحماية من التحرش، تقول: "استغرق إقناع الأهالي ثلاثة أسابيع، رغم أن الفيديو يشرح فقط أعضاء الجسم عند الإنسان، وينبه الأطفال إلى أن هناك أماكن في أجسادهم خاصة بهم لا يجوز لأحد الاقتراب منها أو ملامستها، وإن حاول أحد ما القيام بذلك فعليهم أن يدافعوا عن خصوصيتهم".

ألغت نادين كل ما هو متعلق بالأديان، تقول: "لا يحفظ الأطفال في الروضة أي آية قرآنية أو أي دعاء، ولا نحتفل بأي مناسبة دينية، نركز على زرع القيم الأخلاقية كالصدق والالتزام والمحبة والتعاون من خلال مراقبة سلوكهم وتعديله عند الخطأ، وليس ربطه بمبدأ الثواب والعقاب الإلهي".

"يرى جسد أخته ملكه"

تقول الخبيرة الاجتماعية مي أبو غزالة لرصيف22: "الخمس سنوات الأولى من عمر الطفل أو الطفلة هي المرحلة العمرية التي تتكون فيها الشخصية، لذلك من المهم زرع القيم الأخلاقية الحميدة خلالها".

وترى أن فرز الألوان والألعاب والقصص والأغاني وبرامج الكرتون، على أساس النوع، من أخطر أنواع التمييز المنتشر في مجتمعنا، والذي نحصد نتائجه الآن، بالعيش وسط مجتمع ذكوري يعطي امتيازات واسعة للصبي فقط لأنه ذكر، لذلك بدلاً من إرسال الفتاة لمساعدة أمها في المطبخ والصبي لمساعدة والده في تصليح الأغراض، لا بد من إشراكهما معاً في هذه الأنشطة.

وتؤكد أبو غزالة أنه لا يوجد أي اختلاف في تربية الذكور والإناث، القيم ذاتها لا بد من غرزها في وعي كلا الجنسين، إذ ينحصر الاختلاف من الناحية الفيزيولوجية فقط، بالإضافة إلى الفروق الفردية التي تميز طفلاً عن الآخر.

"نخشى الخوض في الجنس".

ماذا عن التربية الجنسية؟ تُجيب: "مُغيبة بشكل شبه كامل في العائلة والمدرسة، لأننا نخشى الخوض في الجنس، لذلك يكبر الفتى وهو يعتقد أنه مسؤول عن جسد أخته لأنه مرتبط بعرضه وشرفه، يسمع هذه الفكرة من عائلته ومجتمعه ويتبناها، ثم يفرض سلطته الذكورية على أخته عندما يكبر".

وتكمل: "عندما نتحدث مع أطفالنا عن علاقتهم بأجسادهم، ونخصص في المدارس حصص تربية جنسية حسب الفئة العمرية، سيعلم كل طفل أن الجسد ملك لصاحبه فقط، ولن يخرج شاب ليقول لأخته: أنتِ شرفي وعرضي. لكن عندما نسمح للصبي بالجلوس أمام الضيوف في الملابس الداخلية، بينما نستمر بتوجيه الملاحظات للفتاة للانتباه إلى طريقة لباسها وجلوسها، سننتج بالتأكيد جيلاً ذكورياً".

وتشدد أبو غزالة على أن الانتباه إلى الألفاظ التي نستخدمها مع الأطفال من أهم العوامل التي تساهم في إنشاء جيل متوازن، تقول: "هناك بعض البيئات المجتمعية التي تحذر الفتاة: لا تجلسي إلى جانب زميلك في المقعد، لا تركضي مع الأولاد ستقعين، في المقابل تقول للصبي: لا تبكِ، أنت رجل".

أخيراً، تلفت أبو غزال إلى أن الحل يكمن في "المساواة في الحقوق والواجبات والمهام على اختلاف أنواعها بين الصبي والفتاة، والتشارك بين أفراد الأسرة الواحدة، وتنمية ثقافة الأب والأم، لأنها تنتقل إلى الطفل الذي يقلّد سلوك البالغين، وتصرفاتهم، وتصبح جزءاً من وعيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard