المرأة السورية "العاهرة" بأقلامنا

السبت 29 فبراير 202001:25 م

المرأة السورية، بطلة الإعلام السوري المعارض منه والموالي، مبتلاة من جميع الجهات. هي الأم التي فُجعت بابنها، أو بزوجها، أو بأبيها، وهي المرأة التي اعتُقلت، وربما اغتُصبت وعُذّبت، وهي المرأة التي سكنت في خيمة، ونزحت حاملة أطفالها بحثاً عن الأمان، وهي المرأة التي بقيت في سوريا تتحمل حواجز النظام وغياب الخدمات وقهر غياب شباب عائلتها.

هي المرأة التي يتسابق الإعلام السوري، بشقيه المعارض والموالي، على جعلها بطلة مواده. فما معنى أن يفتخر الإعلام المعارض ويدبّج المانشيتات التي تتهم النساء في أماكن سيطرة النظام بأنهن يعملن بالدعارة، وكأن تلك النساء لا تحملن الجنسية السورية؟ وكأن هكذا اتهام أو تلميح يؤذي النظام أو يزعجه، وكأن كل السوريين الذين يعيشون في أماكن النظام هم أناس لا يحملون أي قيمة أخلاقية، وفي هذا كارثة حقيقية.

فالجميع يعرف أنه ليس كل مَن يسكن هناك هو مؤيد للأسد، وليس كل مَن يسكن هناك رمى أخلاقه في سلة المهملات وقرر أن يشغّل زوجته أو أخته أو ابنته بالدعارة.

وإنْ كان بعض الإعلاميين لا يشعرون بهول المصيبة التي يخلفونها وراء عناوين "خلّبية"، فإنه من المفيد تذكيرهم بأن النساء في الطرف الآخر "المعارض" اتُهموا بأنهن يعملن بالدعارة في بلاد اللجوء، وبأن المناطق التي وقعت تحت سيطرة الفصائل المقاتلة عانت من الاستغلال الجنسي، وهو ما ركز عليه الإعلام الغربي وإعلام النظام. وفي كلتا الحالتين، وُصمت المرأة السورية بصفات عامة، بعيدة عن الحلول والأسباب والدقة والموضوعية وتحري الحقيقة.

إن كتابة "المرأة السورية + الثورة"، على محرك البحث "غوغل" يعطي بضع عشرات من المواد الصحافية، معظمها يتحدث عن دور المرأة السورية في الثورة، وبطولات تلك المرأة، ونضالها، وقوتها، وجرأتها.

وكتابة "المرأة السورية + دعارة"، على ذات محرك البحث يعطي عشرات من المواد الصحافية التي تتحدث عن تحوّل ذات المرأة السورية في بلدان اللجوء إلى عمل الدعارة، وخصوصاً بلدان جوار سوريا، وإنْ كان التقرير الصحافي إيجابياً، فستكون تلك المرأة التي تعمل بالدعارة مرغمة، لاستغلال حاجتها إلى تربية أولادها واضطرارها للعمل في الدعارة لهذا الهدف.

شيطان التفاصيل

في ذات السياق، سادت حالة من الفوضى والعشوائية معظم ما يمكن تسميته بـ"تشكيلات، مؤسسات، تجمعات… نسائية"، سواء أكانت معارضة أو موالية. تشكلت عدة تجمعات، حملت في عناوينها كلمة "النساء السوريات"، اتفقت جميعها، نظرياً، على فكرة الركض وراء حقوق المرأة السورية، واختلفت في كل ما عدا ذلك، وإنْ كان الاتفاق النظري أمر لا يمكن أن يختلف اثنان في وقتنا الحالي عليه، فإن الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل.

"يتسابق الإعلام السوري، بشقيه المعارض والموالي، على جعل المرأة السورية بطلة مواده. فما معنى أن يفتخر الإعلام المعارض ويدبّج المانشيتات التي تتهم النساء في أماكن سيطرة النظام بأنهن يعملن بالدعارة؟"

بعد مؤتمرات، تحت عناوين نسائية، أعلنت أن شعارها فرض وجود المرأة في مستقبل سوريا، وبعد أن جالت نساء "مثقفات"، ومصنفات في حقل "المجتمع المدني"، بقيت المرأة السورية على حالها لجهة الحقوق الغائبة والتمثيل الحقيقي، وبقيت متهمة من الطرفين.

لا ندري لِمَ يبدو الاتهام الجنسي عقدة المعارضة والموالاة، رغم أن هذا الاتهام يشمل كل السوريات إذا ما فكّر مَن يتهم ويعمم ولا يتحرى الدقة لحظات قليلة بما يكتبه.

ولا نجد طريقة لفهم اختصار تحرر المرأة ببعض الشكليات الاجتماعية، والشكليات السياسية، في زمن تعيش تلك النساء في بلد لا يوجد فيه أي من مقومات الحياة، بدءاً بالحياة وانتهاء بالكرامة. ولا ندري لماذا تعتقد النساء أن فصل أنفسهن عن المجتمع يعني أنهن على طريق حريتهن.

ربما تكون هذه العقدة غير منفصلة عن عقد المعارضة السياسية السورية، وقيادات الفصائل المسلحة، فبعد ست سنوات، اكتشفنا أن العقدتين متصلتان بتشوه جوهري في ما يسمى بطبقة المثقفين والمفكرين الليبراليين، ممن احتكروا المنابر الخالية من الإسلاميين، فسقطوا في أول امتحان أمام عمائم البغدادي والجولاني، وانطلقوا يوزعون تهم الدعارة والتخلف من جهة، والتحجر وظلم المرأة من جهة أخرى ليتم اختصار المرأة السورية وحريتها بالتحرر من الملابس، واختصار نساء الطرف الآخر بالدعارة.

"المرأة السورية لا تختلف عن الرجل من حيث حجم التضحية التي قدمتها منذ ست سنوات، ولكنها، بالتأكيد، تتجاوزه بأشواط لجهة الثمن الذي تدفعه، هي، مقابل تقاليد بالية، تحاسبها على ما لم ترتكبه من ذنوب، وبسبب إعلام منافق يرتكب جريمة بحقها"

بالتأكيد، لا يمكن أن نقول إن المرأة والرجل في المجتمع السوري متساويان في حجم الخوف والانصياع وفقدان حق تقرير المصير، وإلا فإننا سنغرق في "كليشهات" النفاق، مثلما نرى أن غيرنا غرق فيها، فالمرأة السورية، الأم والأخت والزوجة، اليوم، لا تختلف عن الرجل من حيث حجم التضحية التي قدمتها منذ ست سنوات، ولكنها، بالتأكيد، تتجاوزه بأشواط لجهة الثمن الذي تدفعه، هي، مقابل تقاليد بالية، تحاسبها على ما لم ترتكبه من ذنوب، وبسبب إعلام منافق يرتكب جريمة بحق النساء اللواتي يحملن الجنسية السورية، دون أن يدرك أنه يتهم أمه واخته، كما يتهم أم وأخت آخرين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard