"أعيش في الغرفة وحدي"... عن الدفء الذي سرقته الحروب من أحياء سوريا الشعبية

الأربعاء 17 فبراير 202101:07 م

تسمع أم سعدى طرقاً على الباب، يأتيها صوت جارتها أم معين: "هذه أنا"، تدخل حاملة طبقاً من حساء العدس الساخن، لا ترى أم سعدي شيئاً سوى بخار الحساء، تتحرك في سريرها وتقول: "تفضلي، تفضلي".

تقول أم سعدى لرصيف22: "تغيّرَت الناس، أعيش وحدي في هذه الغرفة، هذه المرة الأولى منذ أكثر من عام التي تدخل فيها صاحبة المنزل، وتعطيني طبقاً من الحساء، بعد أن وصلتها سلة غذائية من إحدى الجمعيات الخيرية".

تعيش أم سعدى في حي الدعتور الشعبي في مدينة اللاذقية، شارفت إنهاء عامها الخامس والسبعين، تجوب صباحاً منازل الحي، بحثاً عن قطع الخبز اليابس، تبيعه مساءً، وتشتري بثمنه خبزاً ناضجاً، تتناوله مع القليل من الشاي.

تعود أم سعدى بذاكرتها إلى سنوات مضت، تقول: "في هذا الحي الشعبي، لم أخف الجوع، بعد أن غادر أولادي وتركوني وحيدة، كان الجيران أهلي وعائلتي، يعطونني الخبز والتين والعنب، يذكرونني بطبق من طعامهم كل يوم، إلى أن جاءت الحرب، فغيّرَت كل شيء"، تضحك وتقول: "لا ألومهم، الفقر دخل بيوتهم بلا استئذان".

البيوت متلاصقة، والناس متباعدة

تضع رحاب أذنها على الحائط، تحاول أن تسترق السمع، يصلها صوت جارهم سعيد، يقول لزوجته: "وافق على توظيفي سائقاً خاصاً لعائلته، وستبقى معي السيارة في الليل"، تطلق زوجته زغرودة طويلة، ترتعد رحاب من صوتها، فترفع أذنها عن الحائط بسرعة.

يفصل بين المنزلين شباك واحد فقط، تسمع رحاب كل أحاديث سعيد وزوجته، وتنقلها إلى زوجها، يقول سعيد لرصيف22: "عرف جميع شباب الحي أني حصلت على عمل قبل أن أبدأ، بعدها جاؤوا راجين مساعدتهم للحصول على وظيفة وكأني آغا في هذه المدينة أوظف من أشاء".

يعيش سعيد وزوجته في حي دعتور بسنادا في مدينة اللاذقية، يقول لرصيف22: "ما زالت البيوت متلاصقة، لكن الناس ابتعدت بعضها عن بعض، لا يذكرك جارك إلا بعد مماتك، يجتمعون ويفتحون صالة عزاء، ويتبرعون ببعض الكراسي، أما أن يمد أحدهم يده إلى جيبه، فهذه عادة ألغتها الحرب إلى حد ما".

"يراقبوني ولا يساعدوني"

تجاوزت الساعة العاشرة مساءً، أنهت لينا آخر قطعة ملابس كانت تحيكها على آلة الخياطة، تفقدت ابنها مجد الصغير ذا الخمس سنوات، كان مستغرقاً في النوم، بقي عليها تفقد جارتها أم إبراهيم، هل نامت أم لا؟ نظرت من خلف الستارة، وجدت الأضواء مطفأة، تنهدت، وقالت في سرها: "الحمد الله الآن يستطيع توفيق القدوم بسلام".

تركت لينا الباب نصف مفتوح، ليدخل توفيق من دون أن يصدر صوتاً، وأخيراً أصبحا وحدهما، لا يستطيعان تمييز ملامح وجهيهما إلا من خلال ضوء شمعة صغيرة اشعلتها لينا وشارفت الانتهاء.

"الآن نعيش زمن الحرب، يبحث كل منا عن البقاء على قيد الحياة فقط"

خسرت لينا زوجها خلال الحرب، توفي تاركاً لها طفلاً ومنزلاً في حي برزة البلد الشعبي في مدينة دمشق، تلاحقها فيه نظرات جاراتها الفضولية، تقول لرصيف22: "توفي زوجي وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، الآن أحب رجلاً وتعاهدنا على الزواج قريباً، يزورني في المنزل من وقت لآخر، لكن الجيران لا يتركون أحداً في حاله".

تتمنى لينا أن تعيش يوماً واحداً من دون أن تشعر بمراقبة نساء الحي، تقول: "عندما أعود مع ابني تسألني جارتنا أم إبراهيم: أين كنت؟ ما الذي تحملينه في يدك؟ أتمنى لو كانت أسئلتهم عن صحتي التي بدأت أخسرها من الجلوس ساعات طويلة خلف آلة الخياطة، وأنا ما زلت في بداية حياتي".

تقول لينا أن تجربتها كأرملة بعمر صغير، تعيش في حي شعبي "مؤلمة جداً"، لأنها وزوجها كانا قبل الحرب على علاقة طيبة بأهالي الحي، ولكن بعد مقتله، أضحت نظرات الرجال لها مختلفة، وكذلك النساء، يوجهن اتهامات ضمنية لها في نظراتهنّ، توقعت مد يد العون لها، ومساعدتها، ولكنها لم تجد من يساعدها بتأمين وظيفة محترمة لتربية ابنها، كل ما وجدته التلصص، و النظرات المتسائلة، والاتهامات.


تجمّعات الجيران

تخرج أم ليلى يومياً إلى العمل، تجتمع في زاوية الحارة الشعبية مع جارتها والنساء اللواتي يرافقنها إلى حراثة الأرض، عليهن حراثتها ثلاث مرات، الأولى مع نهاية فصل الصيف، والثانية مع بداية فصل الشتاء، والأخيرة قبل الزرع بهدف التخلص من العشب المتبقي ومساعدة بذور شتلة التبغ على التغلغل في التربة.

ما زالت أم ليلى تحتفظ بصورة قديمة لها، تظهر فيها جالسة في مقهى بحري، وتتدلى من يديها الأساور الذهبية اللامعة، أما الآن وبعد أن تجاوز عمرها الـ 51 عاماً فليس أمامها سوى العمل لتأمين مستلزمات أبنائها الجامعية، تقول لرصيف22: "كنت سيدة مدللة، أجلس في منزلي، استقبل جاراتي، أطبخ لعائلتي، أعطي الجار والمحتاج وعابر السبيل".

تشرح أم ليلى التغير الذي طرأ على حي الرمل الشعبي في مدينة اللاذقية: "يتميز حينا ببساطته، وكرم أهله، كنا سابقاً نجتمع ونتبادل الأحاديث عن الأبناء والأحفاد، لكن الحرب سرقت هذه التجمعات، لم يعد بمقدورنا تحمل ضيافة الجار، ليس لدينا كهرباء لنتشارك مشاهدة مسلسل سوري، ولا مازوت لنجتمع حول المدفأة، كما أن الحرب سرقت وقتنا، بعد خمس ساعات من حراثة الأرض، ما من وقت لا للتجمعات ولا للجيران، أصبحنا كالأحياء الحديثة، كل واحد في حاله".


أما أبو ليلى (بعد بلوغه سن التقاعد) فبدأ يبيع التبغ العربي، لتأمين بعض القروش كما يصفها لرصيف22، يقول: "أجلس هنا من الساعة العاشرة صباحاً حتى العاشرة ليلاً، أبيع التبغ للمارة، كنت سابقاً أقضي معظم وقتي في المقهى الشعبي القريب، لكن الآن أكتفي بفنجان شاي ساخن أشربه على الرصيف أثناء عملي".

يرى أبو ليلى أن المقهى الشعبي اختلف عن السابق، حتى طعم الشاي ورائحته اختلفت، وارتفع سعره الى ألف ليرة، أي أن المقهى الشعبي بقي شعبياً بشكله وتجهيزاته لكن أسعاره لم تعد كذلك، أصبحت مرتفعة كأسعار المطاعم تماماً، وحلت الشاشات التي تنقل مباريات كرة القدم محل أغاني أم كلثوم، لأن معظم رواده من المراهقين والشباب، لذلك هجرته وانشغلت بعملي فقط.


صورة الحي الشعبي

يقول الباحث في الموروث الشعبي السوري حيدر نعيسة لرصيف22: "مصطلح الأحياء الشعبية شائع، لكنه قد لا يكون دقيقاً، لأن كل الأحياء للشعب سواء كانت شعبية أو حديثة، لكن عادةً هناك ملامح خاصة بالأحياء الشعبية على صعيد البنية العمرانية من جهة، وعلى صعيد طبيعة البنية الاجتماعية من جهة أخرى".

ومن صفات الحي الشعبي التي بدأت تتراجع خلال الحرب، بحسب نعيسة، البساطة والدفء والحميمية وقرب الناس بعضها من بعض، إنهم نسيج اجتماعي موحد تختفي فيه الفروق الطبقية، على عكس الحي الحديث الذي يحتوي عائلات متوسطة الدخل وعلى بُعد أمتار عائلات فاحشة الثراء.


ويرى نعيسة أن الحرب غيّرَت سلوك الناس إلى حد ما داخل الأحياء الشعبية، إذ تراجع التكافل الاجتماعي نتيجة للفقر الذي ظهرت انعكاساته على حياتهم اليومية، وعلاقاتهم مع أبناء الحي الواحد.
"مات زوجي في الحرب وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، الآن أحب رجلاً، يزورني في المنزل من وقت لآخر، لكن الجيران لا يتركون أحداً في حاله"

ومن العادات الخطيرة التي غيّرَتها الحرب، تبادل الزيارات وأطباق الطعام بين الجيران، يقول نعيسة: "إنها من الظواهر الخطيرة التي تهدد تراثنا الشعبي العريق، والذي يتغنى بكرم الانسان السوري وشهامته، إلا أن عالم الحرب يختلف عن عالم السلم، الآن نعيش زمن الحرب التي يبحث كل منا فيه على البقاء على قيد الحياة فقط".


ويختم نعيسة: "ولكن تستطيع ملامسة بعض بقايا صور الحي الشعبي الدافئ، كمشهد الأطفال وهم يركضون ليحملوا الأكياس عن جارهم المتقدم في العمر، وما زالت هناك بعض المعاونة بين الجيران لاحتساء فنجان قهوة، أو لاستعارة رغيف خبز أو شمعة عند انقطاع الكهرباء".

وبعد مرور عشر سنوات على الحرب، تشهد سوريا أزمة معيشية، بدأت آثارها الاجتماعية بالظهور من خلال تغيّر علاقات الناس، وتراجع الزيارات بين الجيران، وصعوبة تقديم المساعدة في ظل ارتفاع الأسعار، وتتجلى هذه الحالة خصوصاً داخل الأحياء الشعبية التي تُعرف بدفئها وتلاصق عائلاتها بعضها ببعض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard