من إسرائيل وإثيوبيا إلى خلافات المدنيين والعسكر... تحدّيات تواجه الحكومة السودانية الجديدة

السبت 13 فبراير 202110:28 ص

أخيراً، ظهرت التشكيلة الحكومية السودانية إلى النور وأدّى الوزراء الجدد اليمين الدستورية، في العاشر من شباط/ فبراير، تمهيداً لتولي مهامهم بصورة رسمية. ولكن مراقبين كثيرين يتخوّفون مما تحمله المرحلة المقبلة، في ظلّ التناقضات الظاهرة بين مكوّنات ثاني حكومة في البلاد، عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير، وصعوبة التحديات التي تواجهها.

وتتألف الحكومة الجديدة من 26 وزيراً يمثلون قوى الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم)، والمكوّن العسكري الذي خُصَّ بتعيين وزيري الدفاع والداخلية، والقوى المسلّحة التي شاركت في اتفاق السلام الذي جرى التوصل إليه في جوبا، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

تحدّي غياب التناغم

لعلّ التحدي الأبرز أمام الحكومة الجديدة يتمثل في انسجام وتناغم مكوّناتها. فهل تظهر ككتلة واحدة أم ستعزف لحن النشاز الذي ساد خلال الفترة السابقة؟

خلافات كبيرة ظهرت بين مكوّنات الحكومة المدنية والعسكرية، وبين مكونات الائتلاف الحاكم المختلفة، وبين مكونات الاتئلاف الحاكم وقوى المعارضة التي كانت جزءاً من قوى الحرية والتغيير. وأيضاً، ظهرت تباينات بين القوى المسلحة وبين بقية الشركاء، بما فيها قوى تحمل السلاح.

أوضح دليل على تأثير هذه التباينات هو تأخر إعلان الحكومة أربعة أشهر، انقضت في عملية مشاورات، وترشيحات، ومحاصصات، ومماحكات، ما دفع برئيسها عبد الله حمدوك إلى إظهار تبرمه الواضح من حالة الفراغ السياسي الناجمة عن تأخير الإعلان الحكومي. وبلغ المشهد ذروته بإعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إمكانية الذهاب إلى إعلان حكومة طوارئ برئاسة حمدوك، ما عدّه كثيرون حديثاً ينطوي على نوايا انقلاب على السلطة.

الشرخ الأكبر في الجسم الحكومي، يظهر في التوترات داخل الشراكة بين المدنيين والعسكر، وآخر تجلياته صراع الطرفين كان حول لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من حزيران/ يونيو ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة.

وكان المتحدث باسم اللجنة التي تشكّلت في كانون الأول/ ديسمبر 2019 لإبعاد رموز نظام البشير (1989-2019)، صلاح مناع، قد اتهم رئيس مجلس السيادة بإطلاق سراح زوجة البشير، وداد بابكر مضوي، الموقوفة في تهم فساد، ما حدا بالبرهان إلى فتح دعوى قضائية بحقّه أدّت إلى التحقيق معه.

وفي ظل تلك الأجواء المشحونة، قدّم رئيس اللجنة الفريق الركن ياسر العطا استقالته، بدعوى تعرّض عملهم لانتقادات من كافة الأطراف. ولكن البعض يعتبر أن انسحابه جرى لإضعاف اللجنة، وزيادة الهجوم عليها، تمهيداً لتحويلها إلى أداة للانتقام وتصفية الحسابات.

وفي مستوى جديد للخلاف، سعت أطراف السلام إلى تقوية علاقاتها بالعسكر، في مقابل التراشق مع المدنيين. وسبق أن قال رئيس حركة تحرير السودان، القائد منّي أركو مناوي: "لا حرية وتغيير بعد اليوم".

أما المحاصصة الحزبية، فقد برزت في وقائع كثيرة منها تمسّك حزب الأمة القومي بالحصول على أربع حقائب وزارية، بدعوى جماهيريته الواسعة، ومنها تبرّم "مسار الشرق" من عدم تسمية أسامة سعيد وزيراً للتربية والتعليم، معتبراً ذلك إخلالاً ببنود اتفاق جوبا، وتقليلاً من شأن "المسار".

وبالرغم من تمسك لجنة المعلمين السودانيين بوزير التربية والتعليم محمد علي التوم، ومناداتها بإبعاد الوزارة عن المحاصصات السياسية، غاب اسم التوم عن التشكيلة الوزارية، بدعوى عدم تخطيه لاشتراطات الفحص الأمني.

والفحص الأمني، بالإضافة إلى التنقيب في الجوانب السلوكية والشخصية للمفحوص، يشمل قياس مدى إيمانه بمبادئ الثورة. وفسّر مراقبون إبعاده بسبب خلفيته الشيوعية، في وقتٍ تحوّل الحزب الشيوعي السوداني إلى خط المعارضة، بل وراح يقود تحركات في الشارع تنادي برحيل الحكومة، لابتعادها عن مبادئ الثورة، حسبما يرى.

الشرخ الأكبر في جسم الحكومة السودانية يظهر في التوترات داخل الشراكة بين المدنيين والعسكر، وآخر تجلياته صراع الطرفين كان حول لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من حزيران/ يونيو ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي، وائل راشد أن هنالك إمكانية لتجاوز هذه التناقضات في حال اتُّفق على برنامج عمل خاص بكل وزارة، ولم يُترك الأمر نهباً لتقديرات كل وزير وخلفياته السياسية.

وعن مدى إمكانية حدوث هذا الأمر، أضاف لرصيف22: "أتمنى ذلك، كون المقابل لعدم حدوثه أمراً مخيفاً للغاية، إذ يمكن أن تسقط البلاد، كامل البلاد، في أتون الفوضى".

تحرير اقتصادي أو سلم اجتماعي؟

ستواجه الحكومة الجديدة تحدّي تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين. فمعاناة الناس في ازدياد، والأسعار تتصاعد بشكل جنوني، والاحتجاجات الشعبية ضد الغلاء في تزايد يومي، وكلها إشارات حمراء.

وسجل آخر تقدير لمعدل التضخم، في كانون الأول/ ديسمبر 2020، ارتفاعاً بنسبة 269%، بينما تهاوت العملة المحلية في السوق الموازية إلى ما دون الـ350 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي. ويصطفّ السودانيون في صفوف طويلة أملاً في الحصول على الخبز، والوقود، وغاز الطهي.

يعاني الاقتصاد السوداني من تركة البشير الثقيلة، ومن تبعات انفصال الجنوب بثلثي إنتاج البلاد النفطي عام 2011، ومن تأثيرات فيروس كورونا المستجد.

"علة الاقتصاد السوداني الحالية تكمن في تحول أمراضه إلى أعراض سياسية وأمنية"، يقول المحلل الاقتصادي أكرم موسى لرصيف22، "إذ زادت وتيرة الاحتجاجات ضد الغلاء في مدن السودان، وتواصلت حوادث النهب والتخريب المصاحبة للاحتجاجات، إلى حد اضطرار عدد من حكام الولايات إلى إعلان حالة الطوارئ، وإغلاق المدارس إلى أجلٍ غير مسمّى".

وبسبب تنامي الانفلات الأمني وتزايد حالات النهب والسرقة والحرائق، أعلنت ولايات جنوب وشمال دارفور وشمال كردفان حالة الطوارئ، مع فرض حظر جزئي للتجوّل مساءً، بينما اكتفت ولاية القضارف بتشديد القبضة الأمنية واستبعدت فرض الطوارئ أو إغلاق المدارس.

وبوتيرة عنف أقل، شهدت مدن بورتسودان وكسلا (في الشرق) والخرطوم احتجاجات ضد الغلاء تزامنت مع إغلاق طرق رئيسية.

ويقول موسى إنه إزاء هذه الأوضاع، ينبغي على الحكومة التوقف عن المضي في تطبيق "روشتة" صندوق النقد الدولي، من اتّباع لسياسة تحرير اقتصادي ورفع الدعم عن السلع وتعويم الجنيه، لما لذلك من تبعات غير محتملة على المواطنين.

ينصح خبراء الحكومة السودانية الجديدة بالتوقف عن اتّباع "روشتة" صندوق النقد الدولي، من تحرير اقتصادي ورفع الدعم وتعويم الجنيه، ويعتبرون أن دفعها فاتورة دعم السلع الباهظة أفضل من موجة غضب شعبي ستطيح بها قبل حصد ثمار زرعها

وأضاف أنه يُستحسن دفع الحكومة لفاتورة دعم السلع الأساسية الباهظة، ولو مؤقتاً، مع التكفل بإجراء إنعاش للقطاعات المنتجة، وتحفيز المغتربين على تحويل أموالهم لتنشيط الدورة المصرفية وتوفير مزيد من العملات الأجنبية للخزينة العامة.

"بعد حدوث ذلك كله"، برأيه، "يمكن التفكير جدياً في رفع الدعم عن السلع والخدمات". أما إصرار الحكومة على سياسة التحرير في الوقت الراهن، فـ"سيقود إلى تنامي الغضب الشعبي، وصولاً إلى الإطاحة بالحكومة، قبل حصد ثمار زرعها الاقتصادي".

تحدّيات أمنية و"تواطؤ" محتمَل

يشير مسؤولون حكوميون بسبابة الاتهام إلى نظام البشير عند انحراف الاحتجاجات عن مسارها السلمي وتحوّلها إلى أعمال نهب وتخريب، ويتهمونه بإذكاء العصبيات القبلية، وآخر الحوادث ما جرى في مدينة الجنينة في غرب البلاد، حين قضى قرابة 170 شخصاً في هجمة ميليشيا قبلية على سكانها ثأراً لمقتل مواطن في مشاجرة عادية.

وشرعت كيانات قبلية في عمليات قطع للطرق الرئيسية، وضرب خيام الاعتصام في عدد من المدن السودانية، للمطالبة بإقالة الولاة، كما في ولاية "نهر النيل"، أو وقف إجراءات عدلية بحق رموز للنظام السابق، كما جرى في مدينتي شندي وسنكات.

يؤكد الخبير الأمني المقدم المتقاعد محمد الهميم على ضرورة عدم الذهاب إلى تصنيف كل الاحتجاجات القائمة اليوم على أنها تحركات للفلول أو أعداء الثورة.

ويقول لرصيف22 إن الاحتجاجات الحالية، في كثير من تجلياتها، هي إظهار لحالة غضب شعبي من سوء الوضع الاقتصادي، مذكراً بمقولة "عجبت لمَن لم يجد قوت يومه ولم يخرج شاهراً سيفه" التي تنسب لعلي بن أبي طالب وللصحابي أبي ذر الغفاري.

ويستنكر الهميم ذهاب بعض المكونات الحكومية إلى مفاوضة قيادات القبائل، في ترسيخ لظاهرة ضمور دور قوات الشرطة وبقية القوى النظامية في أداء مهام حفظ الأمن، ويعتبر أن ذلك يعكس تواطؤاً من الشق العسكري، عبر عدم اتخاذ خطوات رادعة تجاه المخرّبين، لإحراج المكوّن المدني، وصولاً إلى الحصول على تأييد شعبي، يفضي إلى انفراد الجيش بالأمر، في سيناريو شبيه بالسيناريو المصري.

وشدد الهميم على أن حل المشاكل الأمنية يعتمد على أداء الوزراء العسكريين في الطاقم الحكومي، خاصة وزير الداخلية، ومدير عام قوات الشرطة، ومدى حسمهم تجاه "عناصر الثورة المضادة والمخربين"، من دون إغفال أهمية المسارعة في ايجاد الحلول الاقتصادية السريعة والناجعة كمدخل لمعالجة الأوضاع الأمنية.

بين إسرائيل وإثيوبيا

في الحكومة الجديدة، تتولى منصب وزارة الخارجية ابنة الأمام الراحل الصادق المهدي، مريم، المعروفة، هي وحزبها، برفض التطبيع مع إسرائيل، ما قد يخلق تضارباً مع توجهات الحكومة نحو التطبيع، ومع توقيع الخرطوم على "اتفاقيات أبراهام"، تمهيداً لإقامة علاقات بين الخرطوم وتل أبيب.

لكن أستاذ العلاقات الدولية حاتم وداعة الله يبدّد المخاوف من وجود نزاع بين مهام الوزيرة وقناعاتها، ويقول لرصيف22 إن مصادر داخل حزب الأمة طمأنته بأن الوزيرة ملزمة بتنفيذ سياسات البلاد الخارجية المتفق عليها، وبالتالي لن تنعكس آراءها ومواقفها الشخصية على قرارات الوزارة.

ويحث وداعة الله الحكومة الانتقالية على مراجعة خطاها تجاه التطبيع بتروٍّ، مضيفاً أنه لا يبنغي أن تبرم حكومة نهضت على شعارات ثورية على اتفاقات يمكن أن تُلحق الضرر بالشعب الفلسطيني.

إضافة إلى ذلك، يُعَدّ ملف التوتر مع إثيوبيا أحد أهم الملفات على طاولة وزيرة الخارجية، ويُنتظر أن تواصل الخرطوم حشد المواقف الدبلوماسية لصالح موقفها من الوضع المأزوم على الحدود، بجانب العمل على تدويل ملف سد النهضة لمنع إثيوبيا من استكمال ملء بحيرة خزان السدّ بصورة تهدد قرابة 20 مليون سوداني يعيشون على ضفاف النيل الأزرق.

وكان الجيش السوداني قد أعاد انتشاره في شرق البلاد، واستعاد أراضيَ كانت تحت الاحتلال الإثيوبي لأكثر من 25 عاماً، ما يضيف تعقيداً جديداً إلى ملف العلاقة بين الدولتين الجارتين.

"غبطة" و"حسرة"

عمّت حالة من الغبطة في الأوساط السودانية جراء الإبقاء على وزير العدل نصر الدين عبد البارئ، ووزير الري ياسر عباس في التشكيل الجديد.

عبد البارئ ممّن يعملون بصمت، وأنجز عدداً كبيراً من الإصلاحات والتعديلات القانونية، ويعمل اليوم على انضمام السودان إلى كافة الاتفاقات الدولية، وآخرها مساعيه للمصادقة على "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو).

من جانبه، يعمل عباس على تصحيح مواقف خاطئة لنظام البشير من سد النهضة، كانت قد اتُّخذت نكاية بمصر، ويتخذ من المسألة موقفاً عقلانياً لا يرفض السد بالمطلق، ولكن يرفض إضراره بمصالح السودان ومصر، وهو موقف يجد قبولاً كبيراً في الأوساط الإقليمية والدولية.

في المقابل، تسببت التشكيلة الجديدة بحسرة في نفوس كثيرين من غياب وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين، الذي أنجز عدداً كبيراً من الملفات في حقبته القصيرة نسبياً (ثمانية أشهر)، إذ غادر السودان في عهده قائمة الإرهاب الدولية بصورة رسمية، وبدأ عملية الاندماج في الأسرة الدولية، وضمن استبدال بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي (يوناميد) التي كانت موجودة بموجب الفصل السابع بالبعثة المتكاملة لدعم الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس) المكلّفة بمهماتها بموجب الفصل السادس وتختص بتقديم الدعم الفني واللوجيستي.

وقوبل رحيل الطاقم الاقتصادي لوزارات المالية، النفط، التجارة والصناعة بكثير من الارتياح، لأن الإخفاق الحكومي الأبرز هو اقتصادي بامتياز، على أمل أن ينجح القادمون الجدد في إحداث اختراق حقيقي في الأزمة التي تمسك بخناق السودانيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard