سقوط البشير لم ينهها... الصراعات القبيلة تطفو على سطح المشهد الثوري في السودان

الأحد 11 أكتوبر 202012:35 م

من ضمن جملة تساؤلات يتناقلها السودانيون بحرقة، تساؤل عن سرّ تفاقم النزاعات القبلية في بلادهم، بالرغم من الإطاحة بالرئيس عمر البشير الذي أوغل في استخدام القبيلة كإحدى أدوات الصراع السياسي، ما حوّله إلى المطلوب الأشهر في قوائم الأشخاص الملاحقين بمذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

بلا أدنى شك، يتنامى هذا التساؤل لو علمنا أن كل التوقعات كانت تشير إلى زوال الروح القبلية، بمجرد ذهاب البشير، وهو ما أمل به السودانيون من الشعار الثوري الشهير "يا العنصري المغرور/ كل البلد دارفور".

تعمّد البشير العبث بنظام الإدارة الأهلية ضارب الجذور، وتوسَّع في تسليح القبائل، وكوَّن عدة ميليشيات قبلية استخدمها في شن حروبه ضد الأهالي في إقليم دارفور وعدة أقاليم أخرى، وعلى رأسها ميليشيا "الجنجويد" سيئة الصيت، والتي ارتكبت الفظائع بين عامي 2003 و2008.

فما سر تنامي هذه الظاهرة في حقبة الثورة؟

سلسلة طويلة من الصراعات

بعد شهر من الإطاحة بالبشير، انفجر الصراع القبلي في مدينة بورتسودان الساحلية شرقي البلاد، وتوسّع ليطال كسلا، خشم القربة، وحلفا الجديدة. وفي الوسط، نشبت صراعات قبلية في بعض قرى ولاية الجزيرة (المعيلق، فداسي). وفي إقليم دارفور نشبت صراعات في كل من فتابرنو، الجنينة، نيرتتي، مستري، وتلس. وفي إقليم كردفان، نشبت صراعات في عدة مناطق، أشدها وقعاً ما جرى في كادوقلي، في شهر أيار/ مايو الماضي.

المزعج أنه ما أن تخبو هذه الصراعات حتى تتجدد مرةً أخرى وقد تنتقل إلى ولايات أخرى. في مدينة بورتسودان على سبيل المثال، اندلعت أحداث العنف القبلي بين النوبة والبني عامر في أيار/ مايو 2019، وتجددت في تشرين الثاني/ نوفمبر من ذات العام.

ووصل الصراع إلى بورتسودان بعد نزاع سابق للطرفين في مطلع أيار/ مايو في مدينة القضارف شرقي البلاد، انتهى بمقتل امرأة، وحرق عدد من المنازل، وسقوط مصابين من الجانبين.

وفي حزيران/ يونيو 2019، فرضت السلطات حظراً للتجوّل ليلاً في المدينة، بعدما سقط العشرات في أتون النزاع، وأحرق عدد كبير من المنازل.

أما الصراع الذي يعيدنا إلى زمن داحس والغبراء، فيظهر جلياً في مدينة كسلا. في 27 آب/ أغسطس، دخلها آلاف المقاتلين المسلحين بالسلاح الأبيض، والعصي والهراوات، بدعوى نصرة أحد أطراف صراع نشب عقب تعيين صالح عمار، المنتمي إلى قبيلة البني عامر، والياً على ولاية كسلا، ما أثار حفيظة قبيلة الهدندوة.

عشرات قضوا في هذا الصراع، علاوة على عمليات تخريب كبيرة طالت الأسواق والبيوت، في ظل تباطؤ غريب من أجهزة الأمن لفرض النظام، فقد تأخرت قبل أن ترسل قوات احتياطية للمدينة، وتشكّل غرفة ميدانية يرأسها مدير عام قوات الشرطة.

ويعود الاعتراض على صالح عمار إلى كونه عُيّن والياً لولاية يعدّها أبناء الهدندوة مركز ثقلهم الرئيسي، فيما الوالي، حسب زعمهم، ينتمي إلى قبيلة حدودية وافدة على المدينة ويدين أهلها بالولاء لإريتريا.

في المقابل، يقول أبناء البني عامر بوجود هجمة منظمة ضدهم في الإقليم الشرقي، تهدف لاستئصال شأفتهم، أو تحويلهم إلى أقلية، عبر التشكيك في سودانيتهم، ما يجعلهم يعتبرون معركتهم الحالية معركة وجودية.

وتسبب إصرار الحكومة على فرض هيبة الدولة وإنفاذ تعيين صالح في أزمة لم تنتهِ وقائعها، علماً أن التراجع عن تعيينه يخلق المزيد من الأزمات، إذ يفتح الباب واسعاً أمام ابتزاز قبائل تسكن مناطق أخرى للحكومة.

وفي وقت لا يزال صالح عمار يدير الولاية من العاصمة الخرطوم، مذ تعيينه قبل ثلاثة أشهر تقريباً، ارتفع سقف مطالب مكونات البجا (تجمع قبلي يقوده الهدندوة) من الاعتراض على تعيينه إلى الاعتراض على اتفاق السلام الموقع في جوبا لمسار شرق السودان، في الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر، بدعوى أنه لا يمثل الإقليم، وإنما يمثّل مكوّناً وحيداً هو البني عامر، ووصلوا إلى رفع شعار حق تقرير المصير، وألحقوا أقوالهم بقطع الطريق القومي المؤدي إلى موانئ البلاد الرئيسة على البحر الأحمر.

تعمّد الرئيس السوداني السابق عمر البشير العبث بنظام الإدارة الأهلية ضارب الجذور، وتوسَّع في تسليح القبائل، وكوَّن عدة مليشيات قبلية استخدمها في شن حروبه ضد الأهالي في إقليم دارفور وعدة أقاليم أخرى

ويُذكر أن كثيراً من هذه الصراعات تبدأ في الأصل كنزاعات بين أفراد، وأحياناً بين بطون القبيلة نفسها، لدوافع شخصية، ثم تتحوّل إلى صراعات لا تبقي ولا تذر، بفعل "القبلنة" وتشنج الأنصار.

صالح عمار

صراعات قديمة متجددة

استعانت أحزاب سياسية كثيرة بالقبيلة خلال حقبات مختلفة من تاريخ السودان الحديث. وتوسّعت بعض الحكومات في منح أفراد قبائل وافدة إلى البلاد الجنسية مقابل ضمان أصواتهم في الانتخابات.

حكومات أخرى كان تعمد في ترشيحاتها على اختيار مرشحين أصحاب وزن قبلي، فيما أمعن البشير في استخدام القبيلة في حروبه لحسم تمردات ضدّه وقمع غير الموالين له، بجانب توسّعه في منح أراضي للقبائل التي تسانده على حساب سكانها الأصليين، ما خلق معضلة لكافة جهود إعادة توطين اللاجئين، وإنهاء عمليات النزوح (دارفور نموذجاً).

في الماضي، كانت المشاكل القبلية تنشب بسبب صراعات على ملكية الأرض، أو بسبب التقاطعات التي تحدث بين المزارعين والرعاة، لا سيما في موسم الجفاف، إذ يشكو المزارعون من تعدي الرعاة على أراضيهم، بينما يشكو الرعاة من مجموعات سكانية تعمل على احتلال أراضيهم أثناء ترحالهم بحثاً عن الماء والكلأ في رحلات تعرف محلياً بـ"النشوق"، ويشكو الرعاة والمزارعون معاً من عمليات نهب وسرقة المواشي، وهي مشاكل كانت تُحَلّ بسهولة ويسر بواسطة أنظمة الإدارة الأهلية.

لكن هذه المشاكل أخذت طابعاً آخر في الفترة الماضية، جراء الجفاف والتصحر الذي عمَّ دول شرق إفريقيا إبان ثمانينيات القرن االماضي، ما زاد من عملية الصراع حول الموارد. حدث ذلك في ظل انتشار السلاح الناري بين أيدي المواطنين، خاصةً في إقليم دارفور الذي وقعت على مقربة منه الحرب الليبية-التشادية (1978-1987)، وفي الإقليم الشرقي إبان الحرب الإثيوبية-الإريترية (1998-2000)، ثم جاءت ثالثة الأثافي بتجييش القبائل لصد "التمرّد" في جنوب السودان.

بوصوله إلى السلطة، توسع البشير في مسألة تسليح القبائل ذات الأصول العربية، لا سيما في دارفور، بغرض مشاركتها في الحرب الأهلية ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان (1983-2005)، ثم لحسم تمرد الحركات الدارفورية بداية من عام 2003.

استعانت أحزاب سياسية كثيرة بالقبيلة خلال حقبات مختلفة من تاريخ السودان الحديث. وتوسّعت بعض الحكومات في منح أفراد قبائل وافدة إلى البلاد الجنسية مقابل ضمان أصواتهم في الانتخابات

لم يقتصر الأمر على ذلك. توسعت القبائل في مسألة الاتكاء على البندقية، لحسم صراعاتها ضد جيرانها، بل وفي صراعاتها الداخلية أحياناً، ما خلق اضطرابات كبيرة صعُب على الدولة لملمتها في كثير من الأحيان.

ولا يمكن الحديث عن الصراعات داخل القبيلة الواحدة دون ذكر نموذج معركة كسر العظم داخل قبيلة "الرزيقات" ذات الأصول العربية، بين كل من قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وابن عمه موسى هلال الذي قاد حروب البشير في دارفور في بداية الأزمة.

انتهى صراع الرجلين عام 2017 باعتقال موسى هلال، واقتياده من داخل معقله (مستريحة) إلى الخرطوم بطريقة مذلّة، ما أتاح توسع نفوذ حميدتي سواء في عهد البشير الذي كان يعدّه من رجالاته، أو في عهد الثورة التي خرج منها ببطاقة عضوية مجلس السيادة الانتقالي.

ولم يكتفِ نظام البشير بهذا التخريب، إنما استخدم نفوذه لصالح تقوية قبائل (غالباً ذات أصول عربية) على حساب قبائل أخرى (ذات أصول إفريقية)، وفي تعيين قادة أهليين يدينون له بالولاء في مناصب حساسة، وأنشأ "عموديات ونظارات" قبلية جديدة (أنظمة إدارة أهلية للفصل في الخلافات القبلية بدون تدخل السلطات) لزعزعة أوضاع موروثة وقائمة، الأمر الذي راكم من الغبن القبلي في كثير من مناطق البلاد.

نظرة على الواقع

يصف الرئيس السابق لمركز أبحاث السلام في جامعة الخرطوم، البروفيسور منزول عسل، تنامي الصراعات القبلية في سودان ما بعد البشير بأنه أمر خطير وينقل الصراع إلى مستويات مقلقة.

يقول لرصيف22 إن ما يجري من نزاع يكسر النمط التقليدي للصراع، ما يشي بوجود أيادٍ تعبث خلف الكواليس.

وفي أيار/ مايو 2019، وبالتزامن مع ارتفاع وتيرة النزاع بين النوبة والبني عامر في شرق السودان، ضبطت السلطات شحنة أسلحة في مدينة كسلا، ما زاد المخاوف من انضمام المدينة إلى ركب الصراع، خاصةً وأن ذات المكونات تسكن كل الإقليم تقريباً.

كانت التوقعات تشير إلى أن الصراعات القبلية ستزول بمجرد سقوط عمر البشير، فقد رفع المتظاهرون الشعار الشهير "يا العنصري المغرور/ كل البلد دارفور"... لكن النزاعات القبلية تتفاقم في السودان

واشتكى أبناء النوبة من ضبط أسلحة داخل "مخبز" قالوا إنها قادمة من إريتريا. وعادة ما يشار بأصابع الاتهام إلى إريتريا في صراعات الشرق، نظراً لتوزّع البني عامر بين البلدين.

وينوه الباحث في قضايا السلام، هيثم حامد، في حديثه لرصيف22، إلى تصارع عدة إرادات دولية في عدة مناطق في البلاد، بعضها ناتج عن أطماع وصراع نفوذ على الموانئ المطلة على البحر الأحمر (الإمارات، قطر، تركيا)، وبعضها ناتج عن التداخل القبلي، كما في حال البني عامر المتوزعين بين السودان وإريتريا، والزغاوة المنتشرين بين السودان وتشاد.

السلام البعيد

منحت الوثيقة الدستورية المنظِّمة للفترة الانتقالية بعد سقوط البشير الفرقاء السودانيين مدة ستة أشهر لتحقيق السلام، وهو ما لم يتحقق رغم مرور أكثر من عام على مراسم التوقيع.

وتخوض الحكومة المركزية حروباً مسلحة ضد متمردين في عدة أقاليم سودانية (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق). وبلا شك، فإن هذه الصراعات ذات الطبيعة المطلبية، نجمت عنها اصطفافات قبلية، تظهر في المكون الإثني في هذه الحركات التي تشكو من عمليات التهميش التي يقودها المركز النيلي (قبائل الوسط والشمال).

وإزاء هذه الأوضاع، ترتفع أصوات لوم للحركات المسلحة المتهمة بالتعنت مع حكومة الثورة.

يدفع القيادي في حركة العدل والمساواة، إحدى أهم الفصائل المسلحة الرئيسية في دارفور، عوض إبراهيم داؤود، تهمة تأجيج الصراع القبلي عن حركته، ويقول لرصيف22 إن الأجهزة الأمنية تتحرك بشكل بطيء، ما يوسع من نطاقات الصراعات القبلية، أو يتواطأ عناصرها مع النظام البائد بهدف إفشال الحكومة الانتقالية، عبر اتّباع سياسة شد الأطراف، وإشاعة الفوضى في الولايات، كاشفاً عن ضبط أطراف متورطة في الصراعات في دارفور من حملة بطاقات القوات النظامية.

ويضع عوض سبباً إضافياً لتململ الأطراف، وهو ضعف القدرات التنظيمية لقوى الحرية والتغيير، الائتلاف الحاكم، علاوة على استمرار النهج المركزي في تهميش الأطراف.

وفي الثالث من تشرين الأول/ أكتوبر، وقّعت الحكومة والجبهة الثورية السودانية التي تضم فصائل الحركة الشعبية شمال بقيادة الجنرال مالك عقار، والعدل والمساواة بقيادة د. جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان جناح القائد أركو مناوي، بجانب قادة يمثلون مسارات الشرق والشمال والوسط، اتفاق سلام.

ومن شأن الاتفاق أن يقطع شوطاً كبيراً في إحلال السلام، لا سيما أنه ارتكز على تنمية المناطق المهمشة، وإعطاء بعض منها خيار الحكم الذاتي، فضلاً عن إدماج القوات المسلحة في الجيش السوداني، علاوة على تمثيل قادة الحركات في السلطة بمستوياتها المختلفة.

لكن كعب أخيل هذا الاتفاق يتمثل في غياب فصيل القائد عبد العزيز آدم الحلو، صاحب القوة الضاربة في منطقة جبال النوبة، وعبد الواحد محمد نور الذي يمسك بزمام معسكرات النزوح في دارفور، عن المفاوضات، الأمر الذي يجعل الاتفاقات المبرمة حالياً منقوصة.

أما التعقيد الحقيقي في المشهد، فظهر في شرق السودان، الذي يرفض أكبر مكوناته (مؤتمر البجا) ما جرى في جوبا، ويعدّه سرقة للسان أهالي الإقليم، ومحاولة لتكريس السلطة لصالح "مكونات غير أصيلة" (البني عامر)، وتمكيناً لشخصيات خفيفة الوزن ولا يُعرف عنها لعب أدوار في التاريخ القريب لصالح أبناء المنطقة الذين ما زالوا يعانون من التهميش والجهل والمرض.

السؤال المحوري

السؤال الأهم: أين هي الدولة التي يُفترض أن تمتلك أدوات الحسم والعنف؟

يقرّ عضو مجلس السيادة الانتقالي، البروفيسور صديق تاور، بالقصور الحكومي، ويقول لرصيف22 إن تحرك الحكومة في بعض حالات النزاع يأتي متأخراً، ولا تسبقه إجراءات وقائية، ولكنه يؤكد أنه مع كل حالة تتخذ الحكومة إجراءات لفرض هيبة الدولة، وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى، مشيراً إلى خطوات كثيرة على الدولة القيام بها لإصلاح المنظومة الأمنية بعد عمليات تخريب وتجريف استمرت لثلاثة عقود (حقبة البشير).

ويُلقي تاور باللائمة على النظام البائد في ارتفاع علو الأصوات القبلية، سابقاً لأجل كسب الأنصار وردع الخصوم، وحالياً لإفشال حكومة الثورة، وتوسيع الفجوة مع الأهالي.

برأيه، حل مشكلة الصراع القبلي يجب أن يجري على مستويات أمنية وسياسية واجتماعية، إذ تظل مسألتا فرض هيبة الدولة ونزع السلاح المنتشر خارج المنظومة الأمنية، أموراً ملحة ولا تحتمل الانتظار. وبعد ذلك، يأتي نشر التنمية المتوازنة في كافة بقاع البلاد لنزع أي شعور بالتهميش. وبالتزامن مع ذلك يُعمل على ترسيخ الوعي لتقديم الولاء الدولة على حساب بقية الكيانات، وجعل القبيلة وعاء لتعزيز التعايش، ونشر الموروث الثقافي.

بدوره يعرب بروفيسور منزول عسل عن تفاؤله بالمستقبل رغم العلامات السوداء على جدار الحاضر، ويقول إن الشباب السودانيون قادرون على أن يكونوا درعاً للثورة ضد أي هجمات قبلية.

أما عوض إبراهيم داؤود، فيراهن على التوافق بين الحكومة والحركات المسلحة والتوصل إلى ترتيبات أمنية في مفاوضات السلام الجارية في جوبا، معتبراً أن حسم هذا الملف كفيل بتجريد الميليشيات المسلحة من صلاحياتها، مع رسم واضح لتحركاتها، ما يضمن بأنها، على الأقل، لن تكون جزءاً من الصراعات.

أما هيثم حامد، فيحث الحكومة الانتقالية على إبعاد العنصر الخارجي عن الصراعات المحلية، ومراعاة خصوصية الأقاليم التي تشهد نزاعات قبلية، باختيار ولاة من خارج هذه المناطق، شريطة أن يكونوا من أصحاب الخلفيات العسكرية لضمان حسم أية صراعات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard