"صُلح من غير تطبيع؟"… السودان مُرغم ومناهضة إسرائيل هي هي

السبت 24 أكتوبر 202001:15 م

في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقيع ما أسماه "اتفاق سلام" وبدء تطبيع العلاقات وإنهاء عقود من العداء بين السودان وإسرائيل، ليصبح السودان خامس بلد عربي يطبع علناً ورسمياً والثالث في غضون شهرين، بعد مصر (1979) والأردن (1994) والإمارات والبحرين (2020).

في إعلانه، قال ترامب إن الصفقة لا تستلزم إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، على سبيل المثال لا حديث عن تبادل السفراء، وإنما اتفاق لبدء مناقشات حول التطبيع مع التركيز الأولي على الأمور الاقتصادية والتجارية، خاصةً في مجالات الطيران والزراعة والهجرة.

وأجرى ترامب اتصالاً هاتفياً من البيت الأبيض بكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك ورئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان.

السودان مُرغم

في الخرطوم، صدر بيان ثلاثي مشترك، عن السودان والولايات المتحدة وإسرائيل، نقله التلفزيون السوداني الرسمي. ورد فيه: "اتفق القادة (في الدول الثلاث) على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بينهما" و"بدء العلاقات الاقتصادية والتجارية".
نتنياهو يتباهى بأن "العاصمة السودانية، التي تم فيها عام 1967 اعتماد اللاءات الثلاث للجامعة العربية: لا للسلام مع إسرائيل، ولا للاعتراف بإسرائيل، ولا للتفاوض معها" أصبحت "تقول اليوم نعم". لكن لماذا لا يشبه التطبيع السوداني التطبيع الإماراتي البحريني؟

واكتفى مكتب حمدوك بالإشارة إلى أن رفع اسم بلاده من القائمة الأمريكية السوداء "فتح الباب واسعاً لعودة السودان المستحقة إلى المجتمع الدولي والنظام المالي والمصرفي العالمي والاستثمارات الإقليمية والدولية".

وبينما وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خلال اتصال مع ترامب، الاتفاق بأنه "مذهل وسريع"، تباهى في بيان بالخطوة التي اعتبرها "انطلاقة عظيمة" من "العاصمة السودانية الخرطوم، التي تم فيها عام 1967 اعتماد اللاءات الثلاث للجامعة العربية: لا للسلام مع إسرائيل، ولا للاعتراف بإسرائيل، ولا للتفاوض معها". واستدرك: "لكن الخرطوم تقول اليوم نعم".

وتابع: "إنه اختراق كبير ودراماتيكي ومرحلة جديدة للسلام… دولة عربية أخرى تنضم إلى دائرة السلام؛ السلام آخذ بالتوسع مع الدول العربية"، معلناً اجتماع بعثات دبلوماسية من البلدين قريباً لمناقشة سبل التعاون بمجالات عديدة "هامة لأبناء شعبنا". 

وسلّط نتنياهو الضوء على أن "الأجواء السودانية أصبحت مفتوحة اليوم لإسرائيل، هذا سيتيح لنا إجراء رحلات جوية مباشرة وأقصر بين إسرائيل وأفريقيا وأمريكا الجنوبية". 

وصرح جيلبير أشقر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "سواس" في لندن، لوكالة فرانس برس، بأن توقيع الخرطوم على اتفاق التطبيع مع إسرائيل "أهم بكثير من توقيع الإمارات والبحرين، لأن السودان لم يقِم يوماً علاقات مع إسرائيل، على عكس الإمارات، وعدد سكانه كبير جداً، على عكس البلدين الخليجيين الآخرين".

بعكس البحرين والإمارات اللتين أثار تطبيعهما غضباً عارماً واعتبر "تطبيعاً بلا ثمن"، لوحظ اتفاق -المعلقين العرب والمراقبين- على أن السودان كان مرغماً على توقيع هذه الصفقة في ظل الضغوط الأمريكية الهائلة والمساومات على رفع اسم البلد من قائمة "الدول الراعية للإرهاب" بعد 27 عاماً من العقوبات والإنهاك الاقتصادي. كانت نسبة التضخم في السودان قد بلغت، في آب/أغسطس الماضي، 167%.

في حالة السودان يقال إنه كان هناك مقابل للتطبيع. بالتزامن مع إعلان اتفاق التطبيع، قال مجلس السيادة الانتقالي الحاكم في السودان إن ترامب وقع رسمياً قرار رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. كما وقّع السودان والبنك الدولي في الخرطوم، في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، اتفاقاً تحصل بموجبه الحكومة السودانية على منحة قدرها 370 مليون دولار أمريكي لمعالجة أزمات البلاد، ومن بينها ارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل الخبز والوقود.

في حين أكدت واشنطن أن السودان أودع 335 مليون دولار في حساب لضحايا الإرهاب الأمريكيين كتعويض عن اعتداءات وقعت إبان حكم الرئيس المخلوع عمر البشير. مع الإعلان عن موافقة السودان على اعتبار حزب الله اللبناني "منظمةً إرهابية" بعدما كان يسهم في تمويله إبان عهد الرئيس المخلوع عمر البشير.

رُجح أيضاً ألا يكون هذا الاتفاق مماثلاً للاتفاقين مع البحرين والإمارات من حيث "دفء العلاقات" وتوسع مجالات التعاون لا سيما في ظل رفض شعبي سوداني لا يمكن تجاهله للتطبيع.

"على هذا الشعب العظيم تكالبت القوى الظلامية الداخلية والترامبية الفاشية والرجعية العربية ومارست عليه أسوأ أشكال البلطجة والابتزاز"... تعاطف مع الشعب السوداني بعد "تطبيع العسكر" وأحزاب وحركات سياسية داخلية تنشط ضد التطبيع وتؤكد أنه "استخفاف بالشعب"

في حسابها عبر فيسبوك، كتبت هنيدة غانم، مديرة مركز مدار الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية: "لم يثر فيّ إعلان التطبيع مع السودان الغضب ولا الاشمئزاز الذي أثاره التطبيع مع الإمارات"، شارحةً "ما أثاره بي (هذا) الإعلان بالذات هو شعور عميق بالحزن والشفقة. أكثر من ذلك، أنا أشعر بالتضامن الكامل مع الشعب  السوداني المغلوب على أمره".

وأضافت: "على هذا الشعب العظيم تكالبت القوى الظلامية الداخلية والترامبية (نسبةً إلى ترامب) الفاشية والرجعية العربية ومارست عليه أسوأ أشكال البلطجة والابتزاز".

ثم ختمت: "هذا الشعب، الذي ثار على ديكتاتورية ظلامية تعيسة وأسقطها، سطت على ثورته قوى الثورة المضادة وتآمر عليه عسكر النظام الفاسد واختطفت منه أحلامه واستبدلها بسيف الخنوع والتبعية البشعة". 

وافق السودان على التطبيع عقب ضغوط شديدة من إدارة الرئيس ترامب الذي يرى في اتفاقات التطبيع المنفردة وسيلة لتعزيز أمن إسرائيل في المنطقة، للفوز بأصوات مؤيدي إسرائيل في أمريكا خلال الانتخابات التي لم يتبق عليها سوى أقل من أسبوعين، على الرغم من إظهار استطلاعات الرأي تراجع شعبية ترامب وخاصةً في صفوف اليهود الأمريكيين بشكل غير مسبوق، يعتقد أنه سيحقق الفوز.

عقب إعلان الاتفاق مع السودان، غرد ترامب: "إنه انتصار ضخم للولايات المتحدة وللسلام في العالم"، مضيفاً: "دول أخرى ستلي".

الفلسطينيون: "خيانة وإهانة"

كعادتها، دانت الرئاسة الفلسطينية على الفور اتفاق التطبيع قائلةً إنه "مخالف لقرارات القمم العربية، وكذلك لمبادرة السلام العربية المقررة من قبل القمم العربية والإسلامية، ومن قبل مجلس الأمن الدولي وفق القرار 1515".

وذلك مع "التأكيد أنه لا يحق لأحد التكلم باسم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية" وأن "الطريق إلى السلام الشامل والعادل يجب أن يقوم على أساس القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والمرجعيات المحددة، بما يؤدي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الاستقلال للشعب الفلسطيني في دولته وعاصمتها القدس الشرقية على حدود العام 1967".

بدورها، عبّرت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) عن "إدانتها وغضبها واشمئزازها"، واصفةً إياه بأنه "مهين وشائن، ولا يليق بالسودان شعباً وتاريخاً ومكانةً ودوراً كدولة عمق داعمة لفلسطين وقضيتها ومقاومتها".

حركة الجهاد الإسلامي، على لسان القيادي بها داود شهاب، قالت إن النظام السوداني "ينزلق بالسودان نحو الحضن الإسرائيلي" ويقدم "هدية مجانية لإسرائيل" ويدفع من قوت الفقراء والمشردين من السودانيين أموالاً طائلة "لنيل الرضا الأمريكي".

وبينما اعتبرت الحركة أن النظام السوداني يسجل بهذا الاتفاق "كتاباً أسود في تاريخ السودان بلد اللاءات الثلاث"، ويؤدي إلى "تهديد هوية ومستقبل السودان وخيانة الأمة وثوابت الإجماع العربي"، عوّلت على الرفض الشعبي للاتفاق.

"ثمن التطبيع"... بالتزامن مع إعلان الاتفاق، قال مجلس السيادة السوداني إن ترامب وقع رسمياً قرار رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. كما وقّع السودان والبنك الدولي في الخرطوم اتفاقاً على منحة قدرها 370 مليون دولار أمريكي لمعالجة أزماته الاقتصادية

معارضة التطبيع مستمرة داخل السودان

بعيداً عن الاتفاق الرسمي، لم تتوقف مناهضة التطبيع داخل السودان. أعلن الأمين العام لحزب الأمة السوداني، الواثق البرير، عقد اجتماع طارئ لحزبه، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، لمناقشة موقفه من قرار التطبيع وتقييم الوضع.

وشدد الحزب على أن "ربط رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب بالتطبيع مع إسرائيل ابتزاز سياسي". جاء ذلك بعدما هدد رئيس الحزب، الصادق المهدي، في بيان صحافي أصدره في 22 تشرين الأول/ أكتوبر، بأن حزبه سيسحب تأييده للحكومة الانتقالية، في حال قررت التطبيع مع إسرائيل.

في الأثناء، هاجم تحالف الإجماع الوطني البارز في البلاد قرار الحكومة التطبيع ودعا إلى تجميده، معتبراً أنه يمثل "تجاوزاً للوثيقة الدستورية" التي حددت صلاحيات وسلطات الحكومة والمجلس السيادي العسكري، و"تغولاً من (المجلس) ‘السيادي‘ على سلطات الوزاري بالتقرير منفرداً في مسائل مختلف عليها" و"تجاهلاً للرأي العام الشعبي واستخفافاً به".

وكان وزير الخارجية السوداني، عمر قمر الدين، قد أعلن أن الحكومة الانتقالية وافقت على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بعد قليل من إعلان ترامب، لافتاً إلى أن "المصادقة على الاتفاق، حتى يدخل حيز التنفيذ، تظل من اختصاص الأجسام التشريعية في البلاد".

بالعودة إلى التحالف فقد شدد: "شعبنا الذي يتم عزله وتهميشه بطريقة منهجية عبر الصفقات السرية، غير ملزم بما ينتهي إليه التطبيعيون من اتفاقيات"، مبرزاً التزام الشعب السوداني "مواقفه التاريخية".

وانتهز التحالف الفرصة لتجديدة دعوته إلى الإسراع في تشكيل المجلس التشريعي حتى يمثل الجهة الرقابية والتشريعية التي تُعنى بتقرير كافة القضايا التي نصت عليها الوثيقة الدستورية.

ويُخشى بأن يهدد الإعلان بزعزعة الاتفاق السياسي الذي أدى إلى اقتسام السلطة بين العسكر والحكومة المدنية الحالييّن في الخرطوم. 

ويحكم السودان انتقالياً مجلس السيادة العسكري وحكومة حمدوك كثمرة اتفاق وُقِع في نيسان/أبريل عام 2019. ومن المقرر أن تُختتم المرحلة الانتقالية (ثلاث سنوات) بإجراء انتخابات ديمقراطية عام 2022.

يشار إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان السبّاق إلى "الإشادة بالجهود المشتركة للولايات المتحدة الأمريكية والسودان وإسرائيل حول تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل، وتثمين الجهود الهادفة لتحقيق الاستقرار والسلام الإقليميين"، في منشور عبر حسابه في فيسبوك.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard