حين تُغلِق دولة كإيران مضيقاً إستراتيجياً محورياً وتتعطل أنظمة الملاحة وتُستهدف منشآت دول الجوار، يبدو المنطق الأول أن الجغرافيا بمضائقها وحدودها وناقلاتها المتوقفة هي ما يُفرِّق ويُقيِّد. إلا أن ما يحدث يكشف عكس ذلك تماماً؛ فالجيولوجيا، بخزاناتها الخفية الممتدة بين دول الخليج وإيران يبدو أنها من ضمن الكوابح التي تمنع الحرب من التوسع. وليس من قبيل المبالغة القول إن هذا التناقض الظاهري بين ما تُظهره الجغرافيا وما تُضمره الجيولوجيا هو أحد مفاتيح فهم السلوك الخليجي في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران.
وعندما بلغ الصراع ذروته في أسبوعه الثالث مع الضربات الإسرائيلية على حقل بارس الجنوبي، لم تنزلق دول الخليج للانخراط المباشر في الصراع إلى جانب مشروعَين متناقضَين؛ وهما الأمريكي والإسرائيلي وذلك برغم أن طهران ردّت باستهداف ثماني منشآت طاقوية خليجية، في مقدمتها مجمع رأس لفان الصناعي القطري البنية التحتية الرئيسية لمعالجة غاز الجانب القطري من الخزان الجيولوجي ذاته الذي استهدفته إسرائيل في بارس.
وقد أدانت دول الخليج وتحفّظت وحذّرت منذ أن اندلعت الحرب، لكنها لم تنخرط؛ وهو سلوك لا تُفسّره الحسابات الأمنية وحدها. ثمّة ما هو أعمق من الأمن وأصمت من السياسة يُشكِّل هذا السلوك الخليجي، إنه ما يمكن تسميته بـالارتهان الجيولوجي؛ أي الحالة التي تمتد فيها خزانات النفط والغاز لدولة ما عبر الحدود البحرية لتشترك مع خزانات دولة مجاورة، بحيث يؤثر ما يطرأ على أحد الجانبين استخراجاً كان أو تدميراً في الجانب الآخر حتماً؛ الأمر الذي يجعل قرار التصعيد العسكري ضد الخصم محفوفاً بتكلفة اقتصادية مباشرة تقع على المُصعِّد نفسه قبل أن تقع على خصمه.
خزانات الثروات العملاقة
لعل أبلغ دليل على أن الارتهان الجيولوجي متغيرٌ مُفسِّر محوري للسلوك الخليجي لا تكشفه الحسابات السياسية وحدها، أن الضربة التي استدعت هذا السلوك صدرت عن طرف لا تربطه بإيران أي خزانات مشتركة؛ وهي إسرائيل، التي نفّذت عمليتها بتنسيق أمريكي مسبق رغم التبرؤ العلني اللاحق من دونالد ترامب. فلو كان امتناع دول الخليج عن الانخراط نتاج ضغوط سياسية أو اصطفاف مع واشنطن، ربما لتغيّر هذا الموقف تبعاً لتحوّلات هذه الضغوط. لذلك، فإن ثبات السلوك الخليجي في مواجهة المتغيرات السياسية يُشير إلى أن المحدد البنيوي لهذا السلوك سابق للسياسة ومستقل عنها؛ أي الاعتماد الجيولوجي المتبادل، اعتماد لا يتوقف عند حقل بارس الجنوبي مع قطر، بل يمتد عبر شبكة معقدة تشمل حقولاً مشتركة مع الإمارات والكويت والسعودية؛ لتشكل بمجموعها نقاط احتكاك جيواقتصادية تتشابك فيها دوافع الكبح والصراع معاً.
تبدو الحقول المشتركة في الخليج للوهلة الأولى مسائل تقنية هادئة؛ خزانات تحت قاع البحر، وحدود بحرية على الخرائط، واتفاقيات استخراج بين شركات نفط. بيد أن الحروب الثلاث المتتالية منذ 2022 -أوكرانيا وغزة وإيران- تكشف أن هذه المسائل التقنية الهادئة هي في حقيقتها ساحة الصراع الأعمق على من يُهيمن على خرائط الإنتاج والعبور والتسعير في النظام الطاقوي العالمي المقبل. فالحرب على إيران لم تخلق التشابك الجيولوجي بين دول الخليج وإيران، لكنها رفعت تكلفة تجاهله إلى مستوى لم يسبق له مثيل.
استهدفت واشنطن تسعين موقعاً في جزيرة خَرج، مع تحييد منشآتها التي تصدر أكثر من 90% من الطاقة الإيرانية. في المقابل، لم تُغلق طهران هرمز، بل حولته إلى بوابة انتقائية لمن تريد، وفي هذا الهامش الحرج، تسير دول الخليج على حبل مشدود في حرب لم تكن طرفاً في اختيارها
وهذا التشابك جذوره أعمق من السياسة بملايين السنين. فلا يمكن فهم ديناميكيات العلاقات الخليجية - الإيرانية بمعزل عن واقع جيولوجي سابق للتوترات السياسية؛ إذ كشف اكتشاف الحقول النفطية والغازية الكبرى في الخليج منذ النصف الثاني من القرن الماضي أن خزانات النفط والغاز تحت الأرض لا تتوقف عند الحدود السياسية فقط، بل تمتد عبر الحدود البحرية بين الدول المتجاورة بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها الدبلوماسية. وقد أنتج هذا الواقع حالة من الاعتماد المادي المتبادل بين دول تتباين في مصالحها السياسية وتتنافس إقليمياً، لكنها تشترك في أصول اقتصادية لا يمكن لأي منها الاستغناء عنها أو تدميرها دون أن تتحمل جزءاً من تكلفة هذا التدمير.
ويكشف التشريح العلمي لهذه "الرئة الاقتصادية المشتركة" أن هذا الاعتماد ليس مجرد تجاور جغرافي، بل هو اتصال عضوي معقد؛ إذ تُظهر الخريطة المرفقة أدناه أن حقل "بارس" الإيراني و"حقل الشمال" القطري يتربعان فوق بنية عملاقة تُعرف بـاسم "قوس قطر" (Qatar Arch). هذا التداخل الجيولوجي يعني أننا أمام نظام ضغط هيدروليكي واحد، لا يتوقف عند حدود هذين الحقلين فحسب، بل يمتد ليشمل حقولاً استراتيجية مجاورة مثل كيش ولفان؛ الأمر الذي يحوّل المنطقة إلى شبكة مترابطة تتقاسم الخصائص الجيولوجية والتحديات التقنية عينها.
تُشير ورقة بحثية صادرة في 2023 إلى أن استخراج الغاز من هذه الطبقات الصخرية، وتحديداً تكوين "دالان الأعلى"، يعتمد على وحدات دقيقة تُسمى "وحدات التدفق الهيدروليكي"، وأخطر ما في هذا الواقع هو أن أي عمل عسكري يسبب اهتزازات عنيفة أو تدميراً تحت سطح البحر قد يؤدي إلى "سد" هذه المسامات الصخرية الحساسة بفعل الضغط أو الترسبات الكيميائية؛ مما يعني أن تدمير مرافق الخصم قد يتحوّل إلى "انتحار جيولوجي" يغلق أبواب الثروة أمام الطرفين للأبد. وتتجلى أبعاد هذا الواقع في ثلاثة حقول من منظومة أوسع تمتد على 28 حقلاً مشتركاً تُمثّل 20% من احتياطيات إيران النفطية و30% من احتياطياتها الغازية؛ نكتفي هنا بأكثرها دلالةً على السلوك الخليجي تجاه إيران.
بين حقلي "بارس" الإيراني و"الشمال" القطري، يقبع أكبر مستودع غاز عالمي، هنا، الجغرافيا توحد المصير، وأي اهتزاز في الإنتاج يضع أمن الطاقة الدولي على حافة الهاوية.
فحقل بارس الجنوبي، أكبر مستودع غاز في العالم ومصدر حيوي للطاقة للاستخدام المحلي والصناعات والتصدير ويحتوي على ما يكفي العالم 13 عاماً وفقاً لرويترز، وكذا تعتمد عليه إيران في تأمين نحو 70% من إنتاجها الغازي، وكان قد بلغ إنتاجه اليومي أواخر 2025 أشُدَّه؛ أي نحو 722 مليون متر مكعب، في حين يُشكِّل حقل الشمال القطري المقابل له جغرافياً الركيزة الأساسية لمنظومة تصدير الغاز المسال التي تبلغ طاقتها 77 مليون طن سنوياً.
وفي الجانب الإيراني - الإماراتي، يبرز حقل سلمان الذي يحتوي نحو 4.5 مليارات برميل من الاحتياطيات الإجمالية يتوزع استخراجها بين إيران والإمارات. أما حقل الدرة فيُقدَّر احتياطيه بـ220 مليار متر مكعب من الغاز لم يُستخرج منه شيء حتى الآن لا لأن استخراجه غير مُجدٍ اقتصادياً، بل لأن النزاع على ملكيته بين الكويت والسعودية وإيران لم يُحسَم منذ ستة عقود.
غير أن هذا الواقع ليس قدراً لا مفرّ منه؛ إذ أثبت نموذج بحر الشمال منذ معاهدة فريغ سنة 1976 بين النرويج والمملكة المتحدة، وما سبقها من اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية وفق مبدأ خط الوسط سنة 1965 التي أرست إطاراً قانونياً مشتركاً لإدارة الموارد عبر الحدود، أن دولاً ذات مصالح متنافسة قادرة على تأسيس آليات مؤسسية تُحوّل الموارد المشتركة من مصدر نزاع إلى مصدر عائد مستقر.
فتطبيق هذا النموذج في الخليج يصطدم بعقبة هيكلية تتجاوز حدود الإرادة السياسية؛ إذ تشترط أي اتفاقية لإدارة الموارد المشتركة تحديدَ الحدود البحرية أولاً، وهو ما ترفضه إيران رفضاً مبدئياً لا في ملف الدرة وحده بل في منظومة نزاعاتها الإقليمية بأسرها.
ويكشف هذا الرفض بدوره عن حسابٍ إيراني دقيق، لا يقتصر على الاعتبارات القانونية فحسب، بل يمتد في الوقت ذاته إلى إدراكٍ تاريخي للذات والدور الإقليمي؛ إذ تنظر الجمهورية الإسلامية إلى الخليج باعتباره مجالها الحيوي الطبيعي، امتداداً لإرث تاريخي، حيث لم يتردد محمد رضا بهلوي قبل ثورة 1979 في تقديم نفسه بوصفه "شرطي الخليج". وفي هذا السياق، فإن القبول بمبدأ ترسيم الحدود البحرية وفق قواعد القانون الدولي لا يعني مجرد تسوية تقنية، بل يُنظر إليه في طهران باعتباره تقويضاً ضمنياً لهذا التصور الجيوسياسي.
ومن ثم، فإن هذا القبول سيفتح حتماً باب المطالبة بتطبيق المبدأ ذاته على الجزر الإماراتية الثلاث –أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى– التي تحتلها إيران منذ عام 1971؛ وهو ملف تُدرك طهران أن أي تحكيم دولي فيه سيكون في غير صالحها. وهكذا يغدو ربط إيران مسألة الحقول المشتركة بمسألة السيادة على الجزر أداةً واحدة تُحقق بها هدفين متلازمين وهما الإبقاء على أوراق المساومة الاقتصادية مفتوحةً، وصرف المطالبات الإقليمية عن طريق التحكيم.
ليست نمطاً واحداً
تتباين نماذج التشابك الجغرافي الخليجي الإيراني في طبيعتها وأنماط إدارتها، إلا أنها تشترك في سمة واحدة؛ غياب أطر تنسيقية رسمية لإدارة الاستخراج المشترك.
يُمثِّل الخزان المشترك بين إيران وقطر النموذج الأكثر ضخامة وتعقيداً. فـالخزان الجيولوجي الواحد الممتد بين بارس الجنوبي وحقل الشمال في قطر يحتوي على نحو 1,800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج؛ وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم بأسره لمدة 13 عاماً. وتعتمد إيران على هذا الخزان في توليد عائدات سنوية من الغاز والبتروكيماويات والمكثفات تتراوح بين 27 و29 مليار دولار، في حين تبني قطر عليه منظومة تصدير الغاز المسال الأضخم في العالم.
220 مليار متر مكعب من الغاز المجمد في حقل "الدرة"الكويتي السعودي منذ ستة عقود تنتظر حلاً سياسياً وجغرافياً مع إيران، وكذلك الحال مع حقل "سلمان" المشترك بين إيران والإمارات، فالشراكات في الحقول أنماط ونماذج مختلفة وليست واحدة
والأهم أن هذا الخزان تحت قاع البحر يعمل كنظام ضغط واحد؛ أي أن كثرة الاستخراج على أي جانب تؤثر في الضغط في الجانب الآخر؛ مما يجعل أي تدمير للجانب الإيراني خسارة تطال قطر أيضاً. ولا تُدار هذه الحصة المشتركة من خلال أي إطار تنسيقي ثنائي، بل يسير كل طرف في استخراجه وفق أولوياته المحلية من دون تنسيق مع الطرف الآخر. وعلى هذا النحو، لا يتحوّل الخزان المشترك إلى إطار مؤسسي للتعاون، بل يُنتج نمطاً من "تنسيق اضطراري غير مُؤسَّس"؛ حيث يتجاور الاعتماد الجيولوجي المتبادل مع سلوك استخراجي تنافسي، في توازن هش بين التعاون الضمني والمنافسة الصامتة.
واتضحت هذه الديناميكية عملياً، فقد وقّعت طهران في آذار/ مارس 2025 عقوداً بقيمة 17 مليار دولار مع شركات محلية لتعزيز ضغط الغاز في حقل بارس الجنوبي، في خطوة تهدف إلى منع انخفاض الضغط على جانبها من الحقل، بما يتوافق مع مشاريع قطر لتعزيز ضغط الجانب الشمالي (حقل الشمال)؛ ليعكس ضرورة التنسيق الاضطراري بين الطرفين نتيجة الاعتماد الجيولوجي المتبادل. وتُشير تقديرات وزارة النفط الإيرانية إلى أن وتيرة تراجع إنتاج حقل بارس الجنوبي ستبلغ نحو 28 مليون متر مكعب سنوياً اعتباراً من 2027، على أن تتسع هذه الوتيرة إلى 42 مليون متر مكعب سنوياً بعد 2029. والأشد وطأةً ما توقّعه منصور دفتريان رئيس المعهد الإيراني للنفط، من أن الإنتاج اليومي من الحقل ذاته قد يهوي إلى 200 مليون متر مكعب بنهاية 2026؛ وهو توقعٌ صدر قبل الحرب بأحد عشر شهراً قبل أن تنزل بالحقل ضربةٌ واحدة، فكيف وقد نزلت؟
وتتضح هذه الطبيعة الدقيقة للعلاقة المشتركة أيضاً، فبحسب مقال منشور لأومود شوكري في مركز ستيمسون، إلى أن الضربة الإسرائيلية على بارس الجنوبي "تُثير مخاوف تتعلق بضغط الخزان وإمكانية امتداد التأثيرات إلى طاقة قطر الإنتاجية"، فوفقاً له، إضرار هذا الخزان يطال الطرفين. وهذا يعني أن دولة خليجية كقطر لا تستطيع أن تُشجّع أو تتغاضى عن ضرب الجانب الإيراني من الخزان من دون أن تتضرر هي أيضاً؛ وهو ما يجعلها أكثر حرصاً على التنديد من دون الانزياح نحو المواجهة.
أما حقل سلمان فيُمثِّل نموذجاً مغايراً؛ إذ تحكمه ملكية مشتركة رسمية بنسبة 70% لإيران و30% للإمارات. بيد أن هذه الشراكة الجغرافية لم تحُل دون نشوء نزاع قانوني عميق؛ فقد وقّعت الشركة الوطنية الإيرانية للنفط عام 2001 عقداً لمدة 25 عاماً لتصدير الغاز إلى شركة Crescent Gas الإماراتية، ثم رفضت تنفيذه تحت ضغوط سياسية داخلية؛ مما كلّفها خسارة قضائية بلغت 2.75 ملياري دولار حتى يناير 2025 مع مطالبات إضافية قد ترفع الإجمالي إلى 18 مليار دولار.
المفارقة اللافتة أن إيران تُحرق يومياً 11 مليون متر مكعب من الغاز المصاحب في الحقل ذاته بسبب غياب مرافق التجميع، بينما تستخرجه الإمارات بكفاءة من الطبقات نفسها؛ مما يجعل الشراكة الجغرافية خسارةً إيرانية مزدوجة؛ قانونياً أمام التحكيم الدولي، وتقنياً مع الغاز المُحرَق. والجدير بالملاحظة أن هذا النزاع بقي في حدود الملف القانوني ولم يتحوّل إلى مواجهة سياسية؛ الأمر الذي يتسق مع نمط السلوك الخليجي الأوسع الذي يفصل بين التنافس على الحقول والحفاظ على هامش الاستقرار مع طهران.
الشراكة الدقيقة في الحقول تعني أن الضربة الإسرائيلية على بارس الجنوبي هي ضربة لقطر أيضاً. أي أن الخليج قد يكون أكثر حرصاً على التنديد بالضربات من دون الانزياح نحو المواجهة.
إلى ذلك، تُقدِّم قضية حقل الدرة نموذجاً ثالثاً مغايراً؛ فالحقل يقع في المنطقة البحرية المشتركة بين الكويت والسعودية، وتطالب إيران بحصة فيه تبلغ 40% رغم افتقارها إلى أساس قانوني راسخ.
وهكذا يتكشّف المشترك بين النماذج الثلاثة؛ فلا تنسيق رسمياً ولا تنافس صريحاً، بل غموض مُدار يصمد طالما بقيت تكلفة الحسم أعلى من تكلفة الغموض. وإذا بدا هذا الغموض من الخارج حياداً، فإن المراقب الدقيق يلحظ غير ذلك؛ إذ يرصد الباحث السعودي سلطان العامر تحوّلاً تدريجياً في موقف السعودية والإمارات من الحياد إلى الدفاع إلى الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية.
غير أن هذا التدرج، مهما بلغ، لم يُحصِّن المنطقة من تداعيات الحرب؛ إذ وصف فاتح بيرول رئيس وكالة الطاقة الدولية ما آلت إليه هذه الحرب بأنها "الأعظم تهديداً لأمن الطاقة العالمي في التاريخ"، مستنداً إلى أن حجم الغاز المقطوع يبلغ ضعف ما خسرته أوروبا من إمدادات الغاز الروسي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ومُقدِّراً أن استعادة تدفقات النفط والغاز لن تكون سريعة؛ حيث "ستحتاج بعض المواقع ستة أشهر لتعود إلى العمل، وغيرها أطول من ذلك بكثير".
توازن بلا حسم ولا خروج
لا تطرح الحقول الطاقوية المشتركة سؤالاً واحداً عن المستقبل بل سؤالين متعارضين في ظاهرهما، هل تتحوّل إلى مصدر صراع أم إلى رافعة تهدئة؟ والإجابة عنه أنها لن تكون أياً منهما بالمعنى الكامل؛ لأن البنية الجيولوجية ذاتها التي تكبح التصعيد تكبح التسوية أيضاً ما لم تتدخل حادثة كارثية مباغتة تُعيد رسم حسابات الجميع دفعةً واحدة.
فالصراع المفتوح يستلزم استعداد طرف لتحمُّل تكلفة تدمير ما يشترك فيه مع خصمه؛ ما تجعله بنية الخزانات المشتركة مكلفاً على المُصعِّد قبل أن يكون مكلفاً على خصمه. والتسوية الكاملة تستلزم ترسيم الحدود البحرية، وهو ما ترفضه إيران لأنه يُغلق ملفات أوسع من الحقول وحدها.
ومن ثم، فإن المآل الأرجح ليس الصراع ولا التسوية بل استمرار ما يمكن تسميته بـالتوازن الجيولوجي القسري؛ أي حالة يتجاور فيها التنافس السياسي مع الاعتماد الاقتصادي المتبادل دون أن يُفضي أيٌّ منهما إلى حسم الآخر. وقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن هذا التوازن قابل للاهتزاز حين يتدخل طرف خارج معادلته كإسرائيل، لكنه ليس قابلاً للكسر طالما ظل الخزان الجيولوجي واحداً تحت قاع البحر.
وهذا بالضبط ما يجعل الحقول الطاقوية المشتركة عاملاً هيكلياً لا سياسياً في تشكيل السلوك الخليجي؛ فلا هي تدفع نحو السلام، ولا هي تسمح بالحرب الكاملة. إنها ببساطة تُضيِّق هامش الخيار في الاتجاهين معاً.
وما يصحّ على الحقول قد يصحّ على الممرات واليابسة؛ إذ كشف تهديد دونالد ترامب بضرب محطات الطاقة الإيرانية بدءاً بالأكبر أولاً إن لم يُفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة أن منطق الكبح ذاته يعمل على مستوى أوسع. فـواشنطن ضربت أكثر من تسعين هدفاً عسكرياً في جزيرة خَرج مع الإبقاء على بنيتها النفطية سليمة التي تحتضن 90% من صادرات إيران النفطية، وإيران بدورها لم تعُد تُغلق هرمز بل حوّلته إلى بوابة انتقائية تمنح المرور لمن تشاء وتحجبه عمّن تشاء. وهكذا يتكشّف نمط واحد؛ فكل طرف يمسك ورقةً يُلوّح بها دون أن يستخدمها كاملاً لا لضعف في الإرادة بل لأن تعاضد المصالح الاقتصادية يجعل من الضربة الكاملة عقاباً للضارب قبل المضروب. وفي هذا الفضاء الضيّق بين التلويح والتنفيذ تقع دول الخليج رهيـنةً لحرب لا تريدها منذ البداية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
