تاريخياً، لم تكن السيطرة على المضائق والممرات المائية الحيوية فعلاً جغرافياً محضاً، بل كانت التجسيد المادي الأبرز للسيادة وتوازنات القوى في الاقتصاد السياسي العالمي.
فمنذ أن صاغ المنظّر العسكري الفريد ماهان نظريته حول قوة البحار في أواخر القرن التاسع عشر، استقرّ في العقل الإستراتيجي أن من يملك الأسطول الأضخم والمدافع الأثقل، يملك مفاتيح التجارة الدولية وقدرة فرض الحصار المادي، إلا أن التحوّلات الجذرية في بنية الرأسمالية المعاصرة وتكنولوجيات الاتصال، أظهرت أن الجغرافيا لم تَعُد مجرد تضاريس مائية صلبة، بل باتت أيضاً طبقة من البيانات القابلة للمحو والتعديل، لا سيما في لحظات الأزمات.
تشويش ممنهج
في خضم عملية الغضب الملحمي، والتي على إثرها شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل غاراتهما الجوية الكثيفة على إيران صباح 28 شباط/ فبراير 2026؛ برز وجه آخر للحرب تمثّل في الهجوم السيبراني الممنهج وتعطيل أنظمة الملاحة في مضيق هرمز.
بينما بدأت الهجمات العسكرية بالصواريخ والمسيّرات والطائرات، كانت أنظمة الملاحة لأكثر من 1100 سفينة تجارية تتعرض لتشويش ممنهج في غضون أربع وعشرين ساعة وحدها، رصدت خلالها شركة Windward ما لا يقل عن 21 نقطة تشويش جديدة موزعة على المياه الإماراتية والقطرية والعُمانية والإيرانية، وذلك في ممرٍّ يعبره سنوياً ما يُعادل 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية.
ولكن الأعمق دلالةً من حجم التشويش هو ما كشفه عن تحوّل جوهري في طبيعة الحصار الحديث، إذ انخفض عبور الناقلات بهرمز بشكل شبه كلي بنسبة 90%.
التحوّلات الجذرية في بنية الرأسمالية المعاصرة وتكنولوجيات الاتصال، أظهرت أن الجغرافيا لم تَعُد مجرد تضاريس مائية صلبة، بل باتت أيضاً طبقة من البيانات القابلة للمحو والتعديل، لا سيما في لحظات الأزمات
ولم يكن هذا الانخفاض وليد عامل واحد، ففي الرابع من آذار/ مارس 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني امتلاكه سيطرة كاملة على المضيق، محذراً من أن المرور عبره بات غير مسموح به، ومهدّداً باستهداف أي سفينة تجرؤ على العبور.
سرعان ما تجسَّد هذا التهديد ميدانياً حين تعرّضت نحو ثماني سفن تجارية على الأقل لضربات مباشرة بين 28 شباط/ فبراير و2 آذار/ مارس 2026 في مياه مضيق هرمز وخليج عُمان والخليج العربي، مُخلِّفةً قتيلَين وعدد من الجرحى، فيما رست ما لا يقل عن 150 ناقلة في المياه المفتوحة خارج المضيق.
عطفاً على ذلك، علّقت كبرى شركات الشحن العالمي من Maersk وCMA CGM وHapag-Lloyd عملياتها في المنطقة، مُحوِّلةً مساراتها حول رأس الرجاء الصالح بما يُضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يوماً إلى أوقات الرحلات، لترفع وكالات الأمن البحري مستوى التهديد في المضيق إلى الدرجة الحرجة.
بين التشويش والانتحال
إلى أي مدى يؤسس هذا الوجه الخفي للحرب، عبر أدواته السيبرانية في مضيق هرمز، لنمطٍ جديد من "السيادة التعطيلية" التي تتجاوز مفاهيم الردع التقليدية؟ وما هي تداعيات هذا الانزياح على بنية الاقتصاد العالمي المعاصر الذي بات يواجه هشاشته الكامنة؟
في الحقيقة، يجب تفكيك الانطباع البديهي الذي يحصر الملاحة في حركة السفن فوق الماء. السفن التجارية العملاقة اليوم، بكل حمولاتها، ليست سوى كيانات تتحرك وفق بنية تحتية خفية من الإشارات الراديوية والأقمار الصناعية.
وما حدث في الأيام الأولى من آذار/ مارس 2026، ليس إعاقة عابرة لهذه الإشارات، بل انتحال للإشارات الملاحية نفسها (GPS Spoofing)، أي تزييف الإحداثيات التي تعتمد عليها أنظمة الملاحة الرقمية للسفن.
في خضم عملية الغضب الملحمي، والتي على إثرها شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل غاراتهما الجوية الكثيفة على إيران صباح 28 شباط/ فبراير 2026؛ برز وجه آخر للحرب تمثّل في الهجوم السيبراني الممنهج وتعطيل أنظمة الملاحة في مضيق هرمز
والفارق بين التشويش (Jamming) والانتحال (Spoofing) ليس تفصيلاً تقنياً بل هو جوهر الخطر نفسه. التشويش يُصمِت الإشارة، فتدرك السفينة أنها "فقدت بصرها" وتتوقف، أما الانتحال فتحل محلها إشارة مزيفة تجعلها تظن أنها ترى، وسفينة تتحرك، وهي تثق بعيون مخدوعة أخطر بكثير من سفينة واقفة تعلم أنها عمياء.
ولهذا، أدرك الفاعلون في هذه الحرب أنك لا تحتاج إلى إغراق سفينة لمنعها من العبور، إذ يكفي فقط التلاعب بالإحداثيات التي تقودها، فقد رصدت شركة Windward ناقلة نفط عملاقة جرى تشويش نظام التعريف الآلي للسفن (Automatic Identification System / AIS) الخاص بها إلى ستة مواقع مختلفة في غضون أربع وعشرين ساعة.
هذا "التزييف" يوجد انفصالاً كاملاً بين الموقع المادي للسفينة وبين موقعها الرقمي، مما يُدخل قطاع الشحن البحري في حالة شلل تام جرّاء اللايقين.
ولعل ما يكشفه السياق التاريخي لهذا السلاح هو أن مضيق هرمز ليس نقطة انطلاقه بل ذروته، إذ رصد أستاذ الهندسة الفضائية في جامعة تكساس في أوستن تود هامفريز أول توظيف ميداني للانتحال عام 2016 حين نشرت روسيا أجهزة حول مواقع تنقّل فلاديمير بوتين درءاً لمسيّرات الاغتيال، ثم وظّفته إسرائيل عام 2024، دفاعاً عن أجوائها من صواريخ إيران و"حزب الله" حتى اختلّت خدمات التنقل والتوصيل في تل أبيب.
وعندما يكون السلاح ذاته قد جرّبه البعض بحجج دفاعية، يغدو السؤال الحقيقي ليس تقنياً بل سياسياً: من يملك حق احتكار هذه القدرة؟ وهو سؤال يُخطئ من يُجيب عنه باختزال الجبهة الإلكترونية في مضيق هرمز باعتبارها سلاحاً أحادي الاتجاه بيد إيران وحدها. فبينما يُرجّح خبير الطاقة المستقل جورج فولوشين، أن طهران تسعى إلى جعل المضيق "غير قابل للعبور رقمياً" مع الاحتفاظ بهامش الإنكار، يُقرّ في الوقت ذاته بأن "الفاعلين الإقليميين الآخرين قد يُشغّلون أيضاً أنظمة التشويش الإلكتروني (Jamming) لأغراض دفاعية، مما يُعقّد تحديد مصدر واحد".
وهو ما يُكمله خبير الحرب الإلكترونية توماس ويذينغتون من معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن بتمييز أدق، فالولايات المتحدة وحلفاؤها يوظّفون التشويش دفاعياً لحماية أصولهم العسكرية مع حرص واضح على تقليص الأضرار الجانبية على الملاحة التجارية، في حين تلجأ إيران إليه هجومياً بمرونة أكبر وأقل قيوداً.
غير أن هامفريز يُدقّق أكثر، فبيانات AIS تُثبت أن ما يحدث في هرمز ليس تشويشاً يُصمت الإشارة فحسب، بل انتحال موجّه نحو السفن التجارية تحديداً، مما يجعل توقف الملاحة نتيجةً مقصودة لا أضراراً جانبية، وهو ما ينفرد به الفاعل الذي يمتلك مصلحة وحيدة في تعطيل المضيق لا في حماية أصول فيه.
بيد أن هذا التمييز بين المقصود والعَرَضي، بين الدفاعي والهجومي، لا يُفضي إلى وضوح بل إلى مفارقة أعمق، فالطرف الذي يملك أضخم أسطول ويدّعي أنه يحرص على ضمان حرية الملاحة، يُسهم هو الآخر عبر أدواته في تعطيل البنية التحتية الملاحية التي يُفترض أنه يحميها.
وحين تتقاطع المنطقة بين التشويش والانتحال في ممرٍّ لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً، لا ينتج عن ذلك توازن ردع بل فوضى ملاحية لا يُفرّق فيها جهاز استقبال السفينة، فالأثر النهائي واحد في الحالتين: سفينة تُطفئ إشارة AIS وتُعلّق مسارها في انتظار يقين لن يأتي حتى إشعار آخر.
إعادة مفهوم السيادة
لا تتوقف هذه التحوّلات عند حدود هذه التكتيكات الرامية لإرباك الخصم وكذا فرض إرادة لا تتزعزع في مضيق هرمز، بل يمتد ليُعيد صياغة مفهوم السيادة ذاته.
إذا استعرنا نظريات الفيلسوف الألماني كارل شميت، الذي يُعرِّف صاحب السيادة بأنه "من يملك القدرة على إعلان حالة الاستثناء"، نجد أن السيادة في مضيق هرمز ليست محصورة في زوارق الحرس الثوري الإيراني أو الأسطول الأمريكي الضخم، بل انتقلت إلى من يمتلك القدرة التكنولوجية على فرض حالة استثناء إلكترونية.
لا تقف دلالة ما يحدث في مضيق هرمز عند حدود المشهد العسكري الذي فرضته عملية "الغضب الملحمي"، ولا عند حدود السيادة التعطيلية المشتركة، بل تمتد لتكشف عن تداعيات بنيوية ظلت كامنة في صميم البنية التحتية للاقتصاد العالمي، ولم تحتجْ سوى لحظة كهذه لتُفصح عن نفسها.
إلى ذلك، فإن ما يُنتجه التقاطع بين فاعلَين يُعلنان هذا الاستثناء في آنٍ واحد بصرف النظر عن مدى الخسائر العسكرية، لا يُفضي إلى احتكار السيادة بل إلى ما يمكن تسميته "السيادة التعطيلية المشتركة"، نموذج مغاير لشميت تماماً، يتمكّن فيه أطراف في حالة عداء من إلغاء الفضاء الملاحي ذاته لا من السيطرة عليه، وهو ما يجعل الخاسر الأول والأخير ليس خصماً عسكرياً بيّناً، بل تجارة الطاقة العالمية والاقتصاد العالمي ككل.
تداعيات بنيوية
لا تقف دلالة ما يحدث في مضيق هرمز عند حدود المشهد العسكري الذي فرضته عملية "الغضب الملحمي"، ولا عند حدود السيادة التعطيلية المشتركة، بل تمتد لتكشف عن تداعيات بنيوية ظلت كامنة في صميم البنية التحتية للاقتصاد العالمي، ولم تحتجْ سوى لحظة كهذه لتُفصح عن نفسها.
تتضح هذه التداعيات في ثلاثة مستويات متشابكة.
أولاً، لعل المدخل الأنسب لقراءة هذه التداعيات يبدأ من تفكيك أدواتها المادية، حيث تتجلى أولى هذه المستويات في إعادة قراءة "الهشاشة" بوصفها قراراً وليس قدراً. هناك مفارقة واضحة في ما يحدث حالياً في مضيق هرمز، فالسفن التجارية الضخمة، التي تحمل عشرات الآلاف من الأطنان وتُدار بأنظمة رقمية معقدة، تعتمد بشكل أساسي على إشارات نظام GPS لتحديد مواقعها.
أيضاً، فإنه برغم وجود منظومات فضائية أخرى مثل غاليليو وغلوناس وبيدو، فإن معظم هذه السفن لا تستخدمها عملياً وتعتمد فقط على الإشارة الأساسية لنظام GPS المعروفة باسم L1 C/A. أما الهواتف الذكية الحديثة، فهي تستقبل إشارات كل هذه المنظومات، مما يجعلها أكثر دقة وأماناً مقارنة بالسفن في حالة حدوث تشويش على GPS.
وقد برزت هذه الهشاشة بشكل واضح، حيث وثّقت شركة SkAI Data Services نقلاً عن ياهو فاينانس أن موجة التشويش لم تقتصر على السفن فحسب، بل امتدت لتطال ما لا يقل عن مئة وتسعة وستين طائرة مدنية فوق شبه الجزيرة العربية في الثاني من آذار/ مارس 2026، بما يكشف أن البنية التحتية للملاحة الجوية والبحرية تشترك في ثغرة تقنية واحدة، وأن الهشاشة البنيوية التي كانت كامنة منذ سنوات لم تظهر للعيان إلا بعد أيام معدودات من اندلاع الحرب، الأمر الذي يجعل التحدي أكبر من مجرد مواجهة عسكرية آنية.
ثانياً، يجدر استحضار التمييز الذي أوضحته عالمة الاقتصاد السياسي سوزان سترانج بين "القوة الهيكلية" و"القوة العلائقية". فالقوة العلائقية تُشير إلى قدرة فاعل معين على التأثير المباشر في سلوك فاعل آخر ضمن علاقة محددة، بينما القوة الهيكلية أوسع وأعمق، إذ تعكس قدرة الفاعل على تحديد الأطر والقواعد التي تعمل ضمنها الدول والفاعلون الاقتصاديون، وتشكيل البيئة التي تُجرى فيها التفاعلات الدولية؛ الوضع الذي يمنحه السيطرة على إمكانيات الآخرين وتقييدهم.
ويأتي هذا الإطار النظري ليُضفي وضوحاً على التحوّلات التي يشهدها هرمز، وبخاصة بعد أول تصريح للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي بعزمه على إبقاء "مضيق هرمز مغلقاً"، مما يؤكد أن السيطرة على الممر لا تقتصر على التدخل العسكري المباشر، بل تُمثِّل أداة ضغط اقتصادية تُعيد تشكيل موازين الطاقة العالمية.
فعلياً، استهدف هذا التعطيل القوة الهيكلية للنظام الاقتصادي العالمي في أضعف حلقاته، فالمضيق الذي تعبره ما قيمته 500 مليار دولار من الطاقة سنوياً، يضطلع بوظيفة سعرية عالمية، إذ تُحدد حركة المرور فيه أسعار العقود الآجلة للنفط في كبرى البورصات، فالولايات المتحدةوفقاً للاقتصادي بول كروغمان، تُنتج نفطاً يفوق استهلاكها شهدت ارتفاعاً حاداً في أسعار البنزين والديزل فور إغلاق مضيق هرمز؛ لأن النفط يتداول في أسواق عالمية تُحدد أسعاره لحظة إغلاق ممر واحد بمعزل تام عن مكان الإنتاج، فالاكتفاء الذاتي النفطي لم يوفّر أي حماية للاقتصاد الأمريكي.
وقد أسفرت هذه الاضطرابات عن ارتفاع تكلفة برميل النفط ليكسر حاجز المئة دولار، وهو ارتفاع تُحذّر تقديرات بلومبرغ من أنه لن يكون سقفاً بل مجرد محطة عبور؛ إذ يُرجّح المحللون أن يبلغ السعر 140 دولاراً للبرميل إن ظل المضيق مغلقاً حتى نيسان/أبريل 2026، مع انعكاس مباشر على الصناعات كافة في مختلف أرجاء العالم، مما يعزز حلقة التضخم ويؤثر في السياسة النقدية العالمية.
وحين تُحوَّل مسارات الشحن حول رأس الرجاء الصالح بأسبوعين إضافيين، فإن ما ينكسر ليس سلسلة الإمداد وحدها، بل آليات التسعير ذاتها. والأعمق من ذلك أن هذا الانكسار يُوزَّع بانعدام تناسُب صارخ على القوى الكبرى، فروسيا مثلاً تجني من هذا الارتفاع ما يعزز خزينة حربها في أوكرانيا بعائدات تُقارب 6 مليارات يورو تكفي لشراء نحو 17 ألف مسيّرة هجومية إيرانية يومياً.
واتصالاً بما سبق، فقد اضطرت واشنطن، بحسب صحيفة "النيويورك تايمز"، لرفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الروسي، لتتجلى مفارقة "السيادة التعطيلية" في أبهى صورها، حيث القوة الأقل حضوراً عسكرياً هي الأكثر استفادة مالياً، وتُستخدم موارد التعطيل لتعزيز جبهات صراع أخرى.
ولا تقف هذه المفارقة عند حدود المكاسب المالية الروسية، بل تمتد لتُعيد هندسة التحالفات الجيوسياسية ذاتها. فالقرار الأمريكي، والذي يبدو في ظاهره استجابة اضطرارية لتعويض النقص وتخفيف وطأة الأسعار، يُمثِّل في جوهره توظيفاً مضاداً للقوة الهيكلية، بهدف إحداث صدع بنيوي ربما في الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران.
فمن خلال إعادة دمج النفط والغاز الروسيين في شرايين السوق العالمية، لا تعمل واشنطن على تحييد الدور الروسي في هذا الصراع عبر مكافأة اقتصادية ضخمة فحسب، بل تُجرِّد طهران فعلياً من رهانها الأكبر على "صدمة الطاقة" كأداة ضغط سياسي.
وهكذا، ينزاح إغلاق المضيق من كونه ورقة إيرانية لتقصير أمد الحرب ورفع أسعار النفط، ليصبح فرصة أمريكية لإدارة الصراع واستنزاف الخصم بأقل قدر من الانكشاف الاستراتيجي.
ويفسّر هذا الاستثمار للأزمة سبب بقاء السيولة الملاحية خياراً أمريكياً غربياً إسرائيلياً لا اضطراراً، فبرغم إعلان دول الخليج "القوة القاهرة" ومحاولات واشنطن المستميتة لتهدئة سوق النفط، يبدو أننا أمام امتداد منطقي لسياسة امتصاص الكُلفة التي دُشنت في حرب الاثني عشر يوماً، إذ بات المكسب السياسي المتمثّل في تحجيم إيران يتقدم –على مضض وبطريقة ما– على أولوية استقرار الملاحة الدولية؛ مما يحوّل الأعباء الاقتصادية العالمية إلى مجرد ضريبة جانبية مقبولة في سبيل إدامة الاشتباك العسكري حتى تحقيق أهدافه القصوى.
هذه الضريبة لا تقتصر على الاقتصاد وحده، بل تمتد لتطال الكفاءة العسكرية ذاتها في ما يوصَف نقلاً عن الباحث محمد العربي بـ "فخ التكلفة"، حيث تضطر واشنطن لاستنزاف صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات لإسقاط مسيّرات إيرانية رخيصة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف. وفي هذا النمط، القوة لا تُقاس بتعقيد السلاح، بل بقدرته على فرض استنزاف مادي لا يمكن تعويضه، مما يحوّل التفوق التكنولوجي من ميزة إلى عبء يستنزف الذخائر الذكية المدّخرة لصراعات كبرى.
ثالثاً، ثمة افتراض راسخ في نظرية الردع الكلاسيكية منذ أن صاغها توماس شيلينغ، وهو أن الردع يقتضي بالضرورة الوضوح، أي وضوح القدرة، ووضوح الإرادة، ووضوح الإسناد.
فالدولة التي تُخفي سلاحها لا تردع خصمها فقط؛ لأن الردع يعمل عبر إقناع الخصم بكلفة التصرف، وهذا الإقناع يستلزم أن يعرف من يُهدَّد ومن يُهدِّد.
ما كشفه الهجوم السيبراني وتعطيل أنظمة الملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر على مشهد تكتيكي من السهل تجاهله، بل يُمثِّل تحوّلاً جوهرياً في طبيعة الصراع الدولي. فالوجه الخفي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أظهر أن السيادة ليست محصورة في القدرة العسكرية التقليدية، بل انتقلت لتصبح قدرة تكنولوجية على فرض حالة استثناء إلكترونية، مع ما يترتب على ذلك من فوضى ملاحية شاملة
بيد أن الحرب الخفية في مضيق هرمز تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ تكشف أن فاعليتها تتناسب طردياً مع غموض إسنادها لا مع وضوحه. فعندما يرسو ربّان ناقلة خارج المضيق في انتظار يقين جغرافي لن يأتي، لا يهمه معرفة إن كان التشويش إيرانياً أو أمريكياً أو من مصدر ثالث، القرار الذي يتخذه في هذا الواقع الشائك في الحالتين هو ببساطة شديدة عدم العبور.
ولذا، فهذا النموذج ينطوي على مفارقة بنيوية عميقة، فحين يتعدد الفاعلون المتحاربون في سياق جغرافي محوري واحد، لا ينتج من ذلك توازن ردع مستقر، بل فوضى الردع المتبادل، وهي حالة لا يستطيع فيها أي طرف أن يُثبت لخصمه ذلك الحد الفاصل الذي تُصبح عنده الكُلفة أكبر من المكسب، لأن طبيعة الكُلفة ذاتها موزّعة منذ اليوم الأول للحرب على أطراف لم يكونوا طرفاً في الصراع من الأساس من شركات شحن ومصاف نفطية وشعـوب تدفع يومياً فاتورة هذه الحرب على جميع المستويات.
إجمالاً، ما كشفه الهجوم السيبراني وتعطيل أنظمة الملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر على مشهد تكتيكي من السهل تجاهله، بل يُمثِّل تحوّلاً جوهرياً في طبيعة الصراع الدولي. فالوجه الخفي للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أظهر أن السيادة ليست محصورة في القدرة العسكرية التقليدية، بل انتقلت لتصبح قدرة تكنولوجية على فرض حالة استثناء إلكترونية، مع ما يترتب على ذلك من فوضى ملاحية شاملة.
هذا الانزياح في مفهوم السيادة من حيّزه الجغرافي المادي إلى فضائه السيبراني لا يقف عند حدود إعادة تعريف القوة فحسب، بل يمتد ليعرّي العصب الحيوي الذي يُغذي الاستقرار الدولي، إذ أبانت هذه المواجهة أن الاقتصاد العالمي بات هَشّاً أمام هذه الأبعاد الجديدة للحرب.
ونتيجة لذلك، يصبح مضيق هرمز نموذجاً تجريبياً للسيادة التعطيلية المشتركة، لا يقتصر درسه على هذا الممر وحده إذ يُلقي بظلاله على كل ممر مائي حيوي في العالم؛ فمضيق تايوان الذي يحمل نصف حركة الحاويات العالمية، وقناة السويس التي تربط آسيا بأوروبا، وممرات بحر الصين الجنوبي المتنازع عليها، كلها تشترك في ثغرة واحدة: اعتمادها على بنية تحتية رقمية للملاحة صُمِّمت لزمن السلم لا لزمن تُكذَّب فيه الإشارات.
وما أثبته مضيق هرمز أن هذا النمط لم يَعُد سيناريو افتراضياً، بل نموذج قابل للتصدير.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
