في كتابه "المثقفون العرب والتراث" يتبنى المفكر الراحل جورج طرابيشي التحليل النفسي لدراسة خطاب المثقفين العرب بعد هزيمة الدول العربية في حرب حزيران 1967 أمام إسرائيل. ويخلص الكاتب إلى أن الرضّة أو الكدمة (Trauma) التي أصابت الأنتلجنسيا العربية بعد الهزيمة أوجدت حالة من العصاب الجماعي التي تحاول غسل عار الهزيمة عبر التمسك بالتراث، وهو ما أطلق عليه طرابيشي "عقدة التثبيت على الماضي"؛ أي وجود حالة من النكوص والارتداد إلى الوراء عبر التنكر لمبادئ النهضة العربية في القرن التاسع عشر ولومها كحقبة من الاستلاب الثقافي والخضوع للهيمنة الغربية.
ولا شك أن هذه المقاربة باتت تصلح لتحليل خطاب حزب الله بعد هزيمة 2024 واغتيال زعيمه حسن نصر الله. فالعمل السياسي لا يمكن فهمه إلا في حال أخذنا الواقع النفسي للجماهير التي يعمد هذا الزعيم إلى مخاطبتها، لا سيما عندما تكون هذه العلاقة مشحونة عاطفياً وموجهة أيديولوجياً لتقديم تفسير شامل للوجود.
صدمة جمهور حزب الله
طرابيشي عالج هذه الإشكالية أيضاً عندما درس معاني هزيمة عبد الناصر وتداعياتها على من كان ينظر إليه بوصفه القائد التاريخي الذي يختصر في شخصه الكرامة الوطنية والفخر القومي.
وإذا كانت كلمة "Trauma" مشتقة من اليونانية وهي تعني الجرح، فالرضّة التي تشكلها الهزيمة هي أيضاً جرح نفسي، لكن خطورتها تكمن في ردة الفعل التي تطلقها. فبدل أن تكون هذه الصدمة فرصة من أجل التكيف مع الحقيقة والتصالح مع الواقع عبر مواجهته، قد تؤدي الرضّة إلى مفاعيل عكسية بالكامل عبر الهروب من الواقع وإلغاء التفكير النقدي "والاستعاضة عن الوقائع بالاستيهامات، وعن الأشياء بالألفاظ".
ضخامة هزيمة 1967 كانت نتيجة عدم توقعها... كذلك هزيمة حزب الله سنة 2024 كانت غير منتظرة بالكامل في مخيلة أتباعه نتيجة سنوات من التعبئة السياسية عن صراع ستكون نهايته قصف البوارج الأمريكية في البحر وزوال إسرائيل
ومن إيجابيات الصدمة أنها قد تدفع نحو التغيير؛ أي المبادرة والفعل، بينما الرضّة النفسية تنزع إلى التثبيت من أجل وقف النمو وتحطيم أي مرآة تظهر فيها الذات المهزومة على حقيقتها. من هنا ظاهرة الانتحار الجماعي القائمة على تدمير الوعي الذي يمرّ بأزمة عبر نفيه، لذلك يمكن القول إن "الوعي المدمر أو الملغى هو الشكل الرئيسي لتظاهر العصاب الجماعي".
فكما أن ضخامة هزيمة 1967 كانت نتيجة عدم توقعها لأنها كانت أيضاً مسبوقة بشعور عارم بالثقة بالذات، كذلك هزيمة حزب الله سنة 2024 كانت غير منتظرة بالكامل في مخيلة أتباعه نتيجة سنوات من التعبئة السياسية ومن خطاب رسم صورة ملحمية عن صراع ستكون نهايته احتلال الجليل وقصف البوارج الأمريكية في البحر وزوال إسرائيل.
وقد تم التعبير عن هذا الأمر في لبنان من خلال مفهوم "فائض القوة" الذي يتيح لحزب الله فرض مشيئته على الداخل وتعطيل عمل المؤسسات الدستورية عبر إخضاعها لمنطق أولوية السلاح وتسخير كل مصير المجتمع اللبناني للدفاع عنه.
وتظهر فداحة الرضّة في الانتفاخ النرجسي الذي عمل حزب الله على بثه بين أتباعه من خلال مقولة "يا أشرف الناس". فهذا التعبير يهدف إلى منح المتلقي شعوراً بالتفوق الأخلاقي على الآخرين، مما يسمح له بقمعهم ويبرر العنف بوجههم: فإن كنا أشرف الناس، فالخصم هو حكماً أحقر الناس، ما يبرر القضاء عليه. فادعاء احتكار الأخلاق أسلوب معهود في كل الأيديولوجيات القائمة على التمييز الحاد بين الصديق والعدو كونها تنطلق من رؤية ماهوية للسياسة قائمة على التمييز بين الخير المطلق والشر المطلق، وهي رؤية تشكل نقيضاً للعمل السياسي الذي لا يعرف المطلقات الأخلاقية بل المصالح المتبدلة. فهزيمة من يتصرف بتكبر أخلاقي هي أشد وقعاً وتداعياتها النفسية تحدث جرحاً نرجسياً يصعب علاجه.
عصر الهزائم قد ولّى؟!
ومثلما أن المواطن العربي لم يكن يتوقع غير النصر سنة 1967، كذلك بالنسبة لما اصطلح على تسميته "بيئة" حزب الله التي عاشت على وعود بالنصر الدائم على يد مجموعة مسلحة تضم مئة ألف مسلح وعشرات آلاف الصواريخ في مواجهة إسرائيل بوصفها كياناً مصطنعاً ومتداعياً هو "أوهن من بيت العنكبوت".
إذا كانت هزيمة 1967 قد أصابت خطاب المثقف العربي بحالة نكوصية، فإن هزيمة حزب الله تضعه في مأزق مضاعف كونه أطلق وعداً بالانتصار الدائم.
وما يفاقم من هول الهزيمة طبيعتها التامة. فقد روج حزب الله لسنوات طويلة أن "عصر الهزائم قد ولى" من باب الطعن على النظم العربية التي تبنت الخطاب القومي والاشتراكي والعلماني في ستينيات القرن الماضي. فالنصر لا يكون إلا نتيجة التوفيق الإلهي، بينما الخذلان هو المآل الحتمي لكل من يحيد عن الأيديولوجيا الدينية التي تروج لها أحزاب الإسلام السياسي، وفي طليعتها حزب الله طبعاً بوصفه امتداداً للثورة الإسلامية في إيران سنة 1979.
فالهزيمة تامة لأنها أصابت من حقق "انتصاراً إلهياً" سنة 2006، إذ لا يعقل أن تكون الهزيمة إلهية أيضاً لأن مؤدى ذلك انهيار كل المنظومة الأيديولوجية التي يقوم عليها حزب الله. وبما أن وحدها النظم "الضالة" تنهزم كانت الصدمة النفسية بحجم الهزيمة التي لحقت بأشرف الناس لأن "شدة السقوط تقاس بمدى التحليق" وفقاً لتعبير طرابيشي.
وإذا كانت هزيمة 1967 قد أصابت خطاب المثقف العربي بحالة نكوصية قائمة على الاحتماء بالتراث ورفض منتجات عصر الحداثة التي باتت تشكل خطراً على الهوية، أي من خلال التنكر لقيم النهضة والهروب إلى الماضي، فإن هزيمة حزب الله تضعه في مأزق مضاعف كونه يدعي تجسيد قيم هذا الماضي الذي أطلق وعداً بالانتصار الدائم. من هنا يمكن فهم ردة فعل هذا الحزب الذي شاع بين قياداته مثال غزوة حنين التي هزم فيها جيش المسلمين، إذ بات يتم ترداد الآية القرآنية التي نزلت حول هذه الواقعة: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ". فأمة حزب الله التي تضم عشرات آلاف المقاتلين مدعوة إلى التواضع بعد عقاب الله لها على تكبرها، فهذا الحزب الذي أراد محاربة الاستكبار العالمي بات هو نفسه وفقاً لهذا التحليل من المستكبرين.
وهكذا يتبين أن الرضّة لا تؤدي إلى التغيير بل إلى التثبيت، أي إلى إخضاع الواقع للأيديولوجيا بغية الاحتماء بها. لذلك يمكن القول إن مسيرة حزب الله، حزب المستضعفين في الأرض، انطلقت عبر خطاب يقارع الاستكبار، ومن ثم تحول هذا الخطاب بعد الانتصارات الإلهية إلى خطاب تكبر واستعلاء أخلاقي، كي ينتهي بعد هزيمة 2024 إلى خطاب مكابرة على الواقع وتعنت في رفض نتائج هذه الهزيمة.
ماهية الجرح النرجسي
ويمكن أيضاً تطبيق تحليل طرابيشي لهزيمة عبد الناصر على أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله. فهزيمة 1967 كانت قبل كل شيء هزيمة لعبد الناصر، هذا "الأب المعبود المؤمثل" الذي كان صوته على أذن الجماهير "بحد ذاته معبراً ساحراً عن المشاعر الجماعية وترجماناً لأعمق أصوات الأمة (...) ففي كل مهرجان خطابي كان ألوف المسحورين بذلك الصوت يتجردون عن فردياتهم وينسلخون من جلودهم لينصهروا في كتلة لدائنية واحدة تتشكل وتتموج في شبه مطاوعة أنثوية لنبرات ذلك الصوت ولإيقاع طلعاته ونزلاته".
صورة نصر الله في خطابه الأخير، الذي تلى موجة تفجيرات البيجر، كانت صورة المهزوم تماماً كعبد الناصر الذي مات في ظل استمرار تداعيات الهزيمة
فهزيمة الأب تجعل الأبناء في حيرة من أمرهم، وفي حالة عبد الناصر أدت إلى الانقلاب عليه عبر تعريته من صفته الأبوية وتصوير نظامه كمتمرد على التراث وعلى الماضي الذي عاد لينتقم من مفكري عصر النهضة الذين حاولوا التخلص منه. فعبد الناصر مات مهزوماً وصورته الباقية في الأذهان ليست تلك التي رسمها لنفسه في سنوات حكمه الطويلة، لكن صورته الأخيرة كقائد منكسر، مما يمنع الأبناء من الحداد عليه بشكل ناجح؛ أي أن يتمكنوا من وراثته كي يصبحوا بدورهم آباء مثله.
فالأب القوي والمنتصر لا يموت لأن وجوده يستمر في عقول أبنائه وفي تصرفاتهم التي تقوم بالنسج على منوال شرعيته. لكن موت الأب المهزوم هو في الحقيقة نهاية ليس فقط لوجوده الجسدي لكن أيضاً لفكرته، ما يعني أن الشعور بالذنب الناتج عن الهزيمة سيتم التعبير عنه من خلال الانتقام من الأب وتحطيم صورته البطولية ومن ثم البحث عن أب آخر يمكن التظلل في فيئه.
إن تهزم إسرائيل عبد الناصر أو أن تقتل حسن نصر الله يعني أن الجرح النرجسي يحتاج إلى الانتقام. وإذا كان هذا الانتقام قد تم بعد 1967 بانتشار الإسلام السياسي وعودة المكبوت الديني كي يتمدد في العالم العربي، فإن هزيمة حزب يتبنى أيديولوجية دينية ثورية كحزب الله تطرح تساؤلات حول طبيعة هذا الانتقام. فهل يعقل أن يتخذ هذا الانتقام شكلاً حداثياً عبر العودة إلى قيم النهضة بعد اكتشاف مظلوميتها، لا بل عبر تخطيها أيضاً لأن الوقوف على منجزات النهضة لا يكفي؟ أو أن هذا الانتقام سيقودنا إلى حالة نكوصية أعتى؟
قد يفسر البعض الحرب الجديدة التي بادر بها حزب الله في مطلع آذار 2026 بأنها محاولة لعكس نتائج هزيمة 2024 عبر استعادة أي بريق لانتصار ما يسمح بترميم صورة البطل المهشمة. لكن صورة نصر الله في خطابه الأخير، وهو الخطاب الذي تلى موجة تفجيرات البيجر، كانت صورة المهزوم تماماً كعبد الناصر الذي مات في ظل استمرار تداعيات الهزيمة. ربما تكون حرب 2026 التي يخوضها حزب الله محاولته الأخيرة للانتقام لصورة الأب المهزوم عبر ترميمها قدر الإمكان. فالحداد الذي يعيشه هذا الحزب سينتهي إما بعودة الأب أو دفنه النهائي.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
