يستمر التصعيد في الشرق الأوسط، ويتزايد الحديث في الساعات الأخيرة عن تشكيل تحالف خليجي وانخراطه في المواجهة العسكرية المباشرة ضد إيران التي لا تتوقف عن استهداف الأراضي الخليجية والعربية منذ 28 شباط/ فبراير المنقضي، رداً على الضربات الأمريكية الإسرائيلية الموجعة منذ ذلك اليوم والتي أدّت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من أبرز القادة العسكريين في طهران.
اللافت أنه لا يمكن التنبؤ بتوقيت انتهاء العملية التي أطلقت عليها واشنطن اسم "الغضب الملحمي"، ووصفها وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، بأنها "العملية الجوية الأكثر فتكاً وتعقيداً ودقّة في التاريخ"، وأطلقت عليها تل أبيب ''زئير الأسد''، ووصفها الجيش الإسرائيلي بـ"أكبر عملية جوية في تاريخ سلاح الجو".
ولا شك في أن دول الخليج هي الطرف الأكثر عرضة لما يُعرف بـ"الأضرار الجانبية" في هذا الصراع الذي بدأ ثلاثياً واستحال مناطقياً حتى شمل ما لا يقل عن 12 دولة حتى الآن. ومن جملة الأضرار التي يعدّدها محللون ومراقبون للضربات الإيرانية على دول الخليج: تعطيل الملاحة البحرية، وزعزعة ثقة المستثمرين، وتدمير البنية التحتية للطاقة، وتهديد أمن الخليج الذي يُترجم أي خلل فيه فوراً في صورة خسائر اقتصادية قد لا تعوّضها طفرات أسعار النفط المؤقتة.
السؤالان الملحّان هنا: ما هي الخسائر التي قد يتكبّدها الخليج جراء طول أمد هذا الصراع؟ وهل تدفعه هذه الخسائر إلى المخاطرة بدخول مواجهة مباشرة ضد إيران؟ وهو ما يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عنه.
زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم. لكن طول أمد الحرب الحالية أو تحوّلها إلى ما يشبه "حرب استنزاف" يهدّد دول الخليج بتبعات كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي والجيوسياسي
فشل إستراتيجية التأمين الخليجية
غالباً ما نظرت دول الخليج إلى استضافة القواعد والقوات الأمريكية، أو شراء الأسلحة الأمريكية، على أنها أفضل وسيلة للحماية من أي هجوم.
وبالتزامن، سعت دول مثل السعودية والإمارات إلى تحسين علاقاتها مع إيران، التي لطالما اعتبرتها عدواً تاريخياً بفعل الخلافات العرقية والدينية والصراع على النفوذ الإقليمي وتضارب المصالح وتباين التحالفات. كما دعمت دول الخليج الحل الدبلوماسي للملف النووي الإيراني.
ومع توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، أكدت هذه الدول أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن غارات جوية على إيران، ربما ظناً منها أن ذلك قد يساعدها في تفادي أي انخراط في الصراع الذي لم ترغب يوماً أن تكون طرفاً فيه، وأن يحافظ لها على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الأطراف كافة .
لكن ما حدث خلال عامي 2025 و2026، بتوجيه ضربات مباشرة لأراضٍ خليجية، يكشف أن خطط "التأمين" التي انتهجتها دول الخليج لم تكن صائبة أو على أقل تقدير كافية لتمتعها بخيار "الحياد" الذي غالباً ما فضّلته.
ضرر ممتد الأثر
التبعات الأمنية والعسكرية من أبرز ما يهدّد دول الخليج في هذه الأزمة. فعلى الرغم من امتلاك هذه الدول جيوشاً مجهّزة جيداً وتحظى بإنفاق مرتفع، إلا أن قدراتها في الرد على هكذا هجوم ما تزال غير واضحة. ويهدّد هذا الصراع في حال استمر فترة طويلة بأن يصبح الخليج في مرمى النيران في أي صراع مستقبلي، لا سيما وأن المنطقة مشحونة ولا تتوقف الصراعات فيها، وموقع الخليج القريب من إيران يزيد مخاوف كهذه.
كما أن استنزاف الدفاعات الجوية لدول الخليج من النتائج المحتملة لطول أمد الصراع، بما فيها أنظمة باتريوت وثاد، ويعني هذا بالضرورة ارتفاع تكاليف الصيانة والمشتريات العسكرية بشكل غير مسبوق قد يرهق ميزانيات هذه الدول.
تعزيز إيران هجماتها ضد دول الخليج عبر شن هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية للمياه والكهرباء هناك لزعزعة الاستقرار الداخلي ليس مستبعداً أيضاً في حال تحوّل الصراع إلى ما يشبه حرب استنزاف إذا لم تُسعف القدرات العسكرية الإيرانية البلاد لمواصلة ما أطلقت عليه "الوعد الصادق 4".
فضلاً عن التبعات الأمنية والعسكرية، ثمّة فاتورة جيوسياسية ودبلوماسية لهذا الصراع الدائر وقد تتفاقم في حال استمراره وقتاً طويلاً، وفي مقدمتها احتمال انهيار بعض التفاهمات الإقليمية، بما في ذلك اتفاقات خفض التصعيد وأبرزها الاتفاق السعودي - الإيراني برعاية الصين. هذا لا يهدّد دول الخليج فقط وإنما المنطقة ككل بالعودة إلى مربع "الحروب بالوكالة" في اليمن والعراق.
وقد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تتناقض كلياً مع مبدأ الحياد العسكري الذي لطالما تبنته، بل وبنت من خلاله صورتها كوسيط سلام، كما في حالة قطر والإمارات والسعودية وعُمان، إذ قد تجد نفسها تحت ضغط أمريكي هائل لفتح أجوائها أو تقديم تسهيلات عسكرية لضرب إيران من أراضيها، فينتهي بها المطاف في مواجهة مباشرة مع "الانتقام الإيراني" وتستمر دائرة انعدام الأمن.
الأضرار الاقتصادية ليست أقل وطأة. فالأيام القليلة الماضية كشفت كيف تأثرت الملاحة والتجارة العالميتين وأسواق النفط والبورصات بالصراع في الشرق. غير أن الوضع يبقى في الخليج كارثياً إذ تُسهم التطورات الأخيرة في اهتزاز نموذج "الاستقرار الجاذب" الذي لطالما اعتمدت عليه دول الخليج لبناء سمعتها كملاذ آمن لجذب الاستثمارات والسياحة. طول أمد هذا الصراع قد يؤدي إلى انهيار هذه الفكرة كلياً.
بفعل إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن وكذلك أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج، وفي حال طال الصراع، قد تتوقّف بعض شركات الملاحة تماماً عن دخول المنطقة.
بحسب مستشار الطاقة في شركة "هوك إنرجي"، خالد العوضي، فإن دولاً خليجية عدّة لديها بدائل لشحن شحنات النفط، فالإمارات على سبيل المثال تمتلك موانئ بديلة على بحر عمان والسعودية على البحر الأحمر، ولكن الأمر يتعلّق بمحدودية الشحنات التي يمكن أن تمر عبر هذه البدائل والتي قد تبلغ 8 ملايين برميل مقارنةً بـ21 مليون برميل تُصدّر يومياً الآن.
فضلاً عمّا سبق، هروب رؤوس الأموال من دول الخليج مطروح بقوة حيث قد يدفع الوضع الأمني والعسكري المضطرب المستثمرين الأجانب والشركات العالمية إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي والرياض - بعد عقود من العمل لجذبها- إلى مناطق أكثر أماناً، مما يعطل خطط تنويع الاقتصاد في هذه الدول عبر "رؤية 2030" في السعودية وما شابه.
بحسب مجلة التايم الأمريكية، زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم، منبهةً إلى أن هذا الأمن حجر الزاوية في علاقة العديد من دول الخليج مع الولايات المتحدة.
وفي حين أن الضربات الإيرانية على القواعد والأهداف الأمريكية في دول الخليج لم تكن مستبعدة مع تصاعد الأمور، إلا أن المفاجئ هو استهداف مدن ومطارات ومنتجعات سياحية وبنية تحتية نفطية ومقار بعثات دبلوماسية في دول عدة، بحسب الخبير في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) في البحرين، حسن الحسن، الذي لفت، في حديثه إلى "دويتشه فيله"، إلى أن خطورة هذه الضربات تأتي من أن "دول الخليج أقرب بكثير إلى إيران، وليست محصنة تحصيناً قوياً مثل إسرائيل"، مما يهدّد بخسائر كبيرة.
وبرأي الحسن، "الضرر الطويل الأمد الذي لحق بعلاقات إيران مع جيرانها الخليجيين قد وقع بالفعل، لا سيما إذا استمر النظام الإيراني الحالي بشكل أو بآخر". حتى بعد انتهاء الصراع، يرجّح الحسن أن قادة الخليج لن يسعوا إلى تحسين العلاقات مع إيران، وإنما إلى تعزيز الردع لبلدانهم في المقابل.
"الضرر الطويل الأمد الذي لحق بعلاقات إيران مع جيرانها الخليجيين قد وقع بالفعل"... لكن ما الذي قد يدفع دول الخليج إلى المغامرة بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ضد إيران؟ أو كيف سيكون شكل العلاقات الإيرانية - الخليجية؟
هل ينخرط الخليج في ردّ عسكري مباشر؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، فاستمرار الضربات الإيرانية، وتحديداً على أهداف مدنية واقتصادية ودبلوماسية، يضع دول الخليج أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما الرد والمخاطرة بحرب أوسع وربما أطول أمداً أو مواصلة سياسة الصبر والاكتفاء بالدفاع عن النفس، وهذا الأخير قد يبدو خياراً مناسباً أو آمناً أكثر لكنه يهدّد بتقويض أمن دول الخليج واستقرارها الاقتصادي بل هيبتها على الصعيد الإقليمي والعالمي.
في غضون ذلك، يستبعد حسن الحسن أن تنخرط دول الخليج بشكل مباشر في الصراع العسكري ضد إيران، معدّداً خياراتها البديلة، في حال استمر التصعيد وتوجيه إيران الضربات لأراضيها، في السماح للولايات المتحدة بوصول أوسع إلى أراضيها أو مجالها الجوي واستخدامهما في استهداف إيران، أو شن ضربات محدودة ضد إيران، مشدّداً على أنه ما لم تقع خسائر بشرية فادحة أو أضرار واسعة النطاق في منظومة إنتاج وتصدير النفط سيظل الرد الخليجي المباشر على إيران "مستبعداً في هذه المرحلة".
ورغم أن إيران لوّحت سابقاً باستهداف منشآت أمريكية في الخليج في حال اندلاع حرب، فإن وتيرة التصعيد ونطاقه "فاقت التوقعات" بتعدّي الهجمات المنشآت العسكرية لتشمل مواقع مدنية، في تحوّل لافت في الأسلوب العملياتي، بما يزيد من احتمالات توسع المواجهة، أو لجوء الدول المتضررة للرد بشكل محسوب أو تصعيدي، وفق ما يراه مركز الخليج للأبحاث.
ويوضح المركز أنه منذ انخرطت أذرع إيران في الصراع، لا سيما الميليشيات في العراق، تراوحت سيناريوهات هذه الميليشيات تجاه دول الخليج "بين الاستفزاز التكتيكي والاستخدام الرمزي للطائرات المسيرة بهدف إرباك الساحات ورفع كلفة الصراع الأمريكي - الإيراني، إلى محاولات توسيع رقعة الاشتباك".
ويستخلص أن إجراءات دول الخليج حيال هذه التهديدات تعكس تغيراً في ميزان الإستراتيجية الدفاعية لها، من تفضيل الصبر الإستراتيجي إلى توسيع تنسيق مشترك في الدفاع الجوي، كما ظهر في البيان المشترك الذي أصدرته قطر والسعودية والبحرين والكويت والإمارات والأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية، والذي ندّد بالهجمات العشوائية، مؤكداً على الحق في الدفاع عن النفس والتزام الأمن الإقليمي.
"هذا التنسيق يدلل على تحوّل من فهم التهديد كعمل معزول إلى إدراك أن استهداف العمق الخليجي، حتى عبر أدوات غير نظامية، يمثل خطاً أحمر قد يبرّر تحركاً دفاعياً موحداً"، يقول المركز.
أما المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية بجامعة "كينغز كوليدج" لندن، أندرياس كريغ، فيرجّح أن تركز دول الخليج في المرحلة المقبلة على تحسين وضعها الدفاعي عبر "تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية القواعد والبنية التحتية الحيوية، وتشديد الأمن الداخلي، وتفعيل خطط استمرارية العمل".
خريطة طريق للتعافي
أما عن إستراتيجيات "التعافي"، فتقترح الغارديان أن المواجهة الحالية تفرض على دول الخليج التوجه نحو الاستقلالية الإستراتيجية وتنويع التحالفات لا سيّما الأمنية والدفاعية في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة وتصاعد الأخطار من إسرائيل وإيران معاً. وهو ما كان الخليج قد بدأه بالفعل قبل اندلاع هذا الصراع.
إعادة النظر في الإستراتيجيات الجيوسياسية والأمنية، بل والسياسات الاقتصادية، وتنويع التحالفات لا سيّما الأمنية والدفاعية في ظل تراجع الثقة في الولايات المتحدة، هي أولويات "التعافي" لدول الخليج على المدى القريب لكن توحيد الصف الخليجي داخلياً في مواجهة المخاطر الأمنية يظل أهم العناوين
من جهته، يعتقد الناشط الحقوقي والسياسي الكويتي، أنور الرشيد، أن هذه الحرب "كشفت بما لا يدع مجالاً للشك بأن تبني مشروع إقامة أنبوب نفطي ينقل الغاز والنفط الخليجي للعالم عبر بحر العرب والأحمر من كل دول الخليج للعالم، له أهمية كبرى ليس لدول الخليج فقط، وإنما للعالم أجمع" حتى لا تكون دول الخليج "رهينة ممر ضيق يتحكم به الآخرون يخنقونها هي والعالم وقتما تختلف المصالح".
وبوجه عام، تتصاعد الأصوات التي تدعو إلى حماية سلاسل الإمداد وبناء الاحتياطيات إستراتيجية وطنية، وإعادة تقييم سياسات إدارة التوريد "في الوقت المناسب" للحد من صدمات الانقطاع المفاجئ لسلاسل الإمداد الأمر الذي تكرّر في السنوات الأخيرة.
في الوقت نفسه، يلفت مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، إلى أن دول الخليج تحتاج إلى إعادة النظر ليس فقط في إستراتيجياتها الجيوسياسية والأمنية، بل أيضاً في سياستها الاقتصادية. ويجب أن يشمل ذلك إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية العالمية، والتعاون الاقتصادي الإقليمي، والاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وتعزيز القدرة على الصمود.
وعلى المدى القريب، تحتاج دول الخليج إلى تجاوز الخلافات الداخلية، وبذل جهد منسق للحد من آثار أي هجوم عسكري محتمل على الصناعات المحلية، والمخزونات الإستراتيجية، والخدمات اللوجستية داخل دول المجلس، وفق المصدر نفسه كدرسين رئيسيين مستفادين من حرب الـ12 يوماً، نتيجة عدم الموثوقية في الشركاء من خارج الخليج، وصعوبة تجاهل احتمال نشوب حرب أخرى.
ويرى المجلس أن هذين الدرسين يفرضان اتخاذ تدابير لتعزيز المرونة الاقتصادية الإقليمية، بما في ذلك بناء القدرات الصناعية المحلية في القطاعات الحيوية كالغذاء والدفاع، وزيادة تنويع شبكة إمداد المواد والمكونات الأساسية، وتوسيع البنية التحتية اللوجستية الإقليمية مع توفير أنظمة احتياطية مناسبة في حالة الحرب، وبناء مخزونات وطنية قادرة على حماية المنطقة من انقطاعات الإمداد واسعة النطاق.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
