للمرة الأولى، أتمنّى ألا ينتهي العالم. من قبل، حين كنت أعيش مع أهلي أو زوجي، كنت أرى الموت راحةً وتحرّراً، حرفيّاً. أما الآن، وأنا أعيش بمفردي، فأتمنّى أن تنتهي الحرب ولا أرى "النيزك الذي سيدمّر الأرض" أبداً. هل ضبطت نفسك وأنت تتمنى نهاية العالم بينما تسمع أخبار الحرب؟
لو الإجابة نعم، فانظر إلى الساكن بجوارك، فربما يكون هو السبب.
الأمر لا يخصّ فقط العلاقات السامّة، أو الأسر المسيئة، بل يتعلق بأنّ من يعيشون وسط عائلة يمكن تصنيفها كـ"بيئة آمنة"، وفقاً لمعطيات مجتمعنا، قد يتعرّضون أيضاً لانتهاكات الخصوصية والحقوق.
ولكن في هذه الحالة، وفي هذا المقال الذي تقرأونه الآن، سأتحدّث عن الأسر المسيئة والزيجات السامّة، تلك هي المنطقة التي لدّي الخبرة الكاملة فيها.
المشهد كالتالي: تخيّل نفسك تقف في "شقة" فارغة، هي مسكنك الآن، خاوية من الأثاث مثل خواء روحك من الأفكار التي قد تؤسِّس بها هذه المساحة الشخصية الأولى لك في حياتك، بينما أنت خالٍ من الأفعال والمهام اليومية التي ستفعلها.
في تلك اللحظة، اكتشفت المعضلة، فطوال حياتي كنت على دراية تامة بكل ما لا أريده، ولكن لم أعلم على وجه التحديد شيئاً واحداً أريده. لم يكن لديّ الوقت ولا المساحة لأسأل نفسي هذا السؤال تحت وطأة رغبة ملحّة من أمي وزوجي في أن يكونا مركز الاهتمام طوال الوقت
القوانين التي وضعها لك أهلك في بداية الأمر، ثم شريكك في المرحلة التالية؛ أمٌ متحكِّمة وزوج نرجسي ومجموعة من برمجيات اللاوعي عما تفعله في النوم والأكل والخروج من المنزل وحتى الطريقة التي تنفّذ بها عملك؛ كان لهم فيها -لن أقول آراء- بل تعليمات.
حتى عمر الثلاثين عاماً، كنت في بيت أمي تُملي عليّ ما أفعله، وتولّى زوجي المهمة من بعدها. في بيت أمي لم تكن لي مساحة شخصية واحدة مغلقة، وتكرّر الأمر خلال زواجي. والآن، أقف وأنظر إلى كل هذه المساحة من الاحتمالات. شعرت بالخوف، والرعب، والرغبة في الهروب من هذه الحرية إلى أيّ شخص يخبرني بما عليّ أن أفعله الآن، حتى قال لي صديق: "اسألي نفسك إنتي عايزة إيه؟".
في تلك اللحظة، اكتشفت المعضلة. فطوال حياتي في مسكن أهلي وزوجي، كنت أسأل نفسي: "أنا مش عايزة إيه؟". ثم اكتشفت أنني على دراية تامة بكل ما لا أريده في الحياة، ولكن لا أعلم على وجه التحديد شيئاً واحداً أريده. لم يكن لديّ الوقت ولا المساحة لأسأل نفسي هذا السؤال تحت وطأة رغبتهما -أمي وزوجي- الملحّة في أن يكونا مركز الاهتمام طوال الوقت.
الاستقلالية ومساكنة الذات
الاستقلال في المسكن لا يتعلّق فقط بالخصوصية في المساحة الشخصية، ولكنه فرصة رائعة للتعرّف إلى نفسك. والآن، وقد صار عمري 40 عاماً، أقف في هذا المشهد الذي وصفته لكم، وعليّ أن أعرف نفسي وأعرف ماذا تريد.
الأمر كان مخيفاً حين بدأته قبل عام ونصف العام، لكن الآن، أقولها لكم بصدق: للمرة الأولى في حياتي أشعر بالحياة.
لم يحدث ذلك بسهولة. في البداية، خضت معارك أسريةً، وعانيت من نظرة المجتمع، والأعباء المادية والمسؤوليات التي تقع على عاتقي وحدي لإدارة منزل، وليالي الوحدة، ونهارات الانهيار النفسي. كلها لم تكن تحديات سهلةً ولكن المقابل المعنوي لها لا يقدَّر بثمن.
لن أكثر عليكم بتفاصيل زواجي، ولكن سأقول لكم إنني عانيت لسنوات طويلة من مشكلات في الهضم، لأنني كنت أتعرّض لإساءات نفسية إذا أغلقت باب دورة المياه بشكل محكَم، ما يعني اتهامي بأنني ربما أفعل شيئاً مشيناً وراء الباب، طالما أغلقته بهذا الإحكام.
نفسياً، لم أكن أعلم أنّ هذا أثَّر على جهازي الهضمي، ولم أعلم هذا في وقته، ولم أدركه إلا بعد عام كامل من استقلالي في منزل يخصّني وحدي. وهنا، أدركت أمراً أهم: الأسوأ من تعرّض الإنسان للإساءة هو عدم إدراكه أنّ ما يحدث له يندرج تحت بند الإيذاء.
كل انتهاكات الخصوصية التي تعرّضت لها في حياتي من والدتي وأخي وزوجي، كنت أعلم أن لها أضرارها النفسية عليّ، ولكن الصدمة الحقيقية كانت في حجم هذا الضرر الذي اكتشفته بعد أن عشت وحدي لعامٍ ونصف.
كنت أعاني من الأرق لسنوات طويلة في حياتي. زرت الكثير من الأطباء النفسيين لهذا الغرض فقط. وفي تلك الليلة التي نمت فيها هنا، في منزلي الجديد وحدي، وللمرة الأولى، حتى وأنا خائفة ومضطربة ومتحمّسة، نمت في أفضل حال.
تلك كانت صدمةً بالنسبة لي. لم تكن أفكاري السلبية هي التي تمنعني من النوم، بل كان جسدي يشعر بأنّه تحت التهديد طوال الوقت، ولذلك لا يجد لنفسه أماناً للنوم إلا بالتدخّلات الكيميائية.
الطبيبة النفسية التي تناقشت معها في هذا الأمر، أخبرتني أنّ تواجدي في بيئة مؤذية نفسياً منذ صغري، خاصةً مع خوفي المستمر من أمي، حفّز إفراز كميات فائضة عن الحاجة من هرمون الكورتيزول في جسدي، وهو هرمون التوتر.
في بيت أهلي، كنت أشعر دائماً بالخوف في أثناء تواجد أمي، الخوف من أن تراني مسترخيةً على الأريكة، في حين تريدني أن أتحرّك أمامها وأقوم بأي مهام؛ وكأنك تحلّل "اللقمة" التي تأكلها في المنزل.
ثمّ مع الزوج، كنت أخاف من كل شيء حتى تحوّل صوت الأقدام القادم من "الطرقة" (أي المسافة الواصلة بين غرفة النوم وغرفة المعيشة)، إلى لحظات من الترقّب أحاول أن أستشعرها: هل يمشي بهدوء؟ هل سيمرّ هذا اليوم بسلام؟ أو أنّ خطوته ثقيلة مفعمة بالعدوانية وسيكون هذا اليوم يوماً سيئاً؟
منذ الطفولة، يكون جهازك العصبي مستشعراً لطاقات مَن يقف أمامك ونفسيته وقراءة لغة جسده كاملةً كجزء من منظومة الحماية لك كطفل من أيّ هجمة قادمة. كان هذا تماماً ما استشعرته في طفولتي خوفاً من أيّ هجمة من أمّ غاضبة، ولاحقاً في زواجي مع زوج يشعر بأزمة هوية. كلاهما كان يبحث عن تفريغ طاقة الغضب والتيه والألم النفسي لديه في أقرب ضحية، وكنت أنا هذه الضحية لسوء الحظ.
المفارقة أنني حين تزوَّجت، شعرت أنني انتقلت إلى مكان أفضل، فحجم الإرهاب النفسي كان أقلّ من الذي تعرّضت له في بيت أمي، ولذلك شعرت بأنني اتجهت إلى طريق أفضل. لذلك فقط شعرت أنّ زواجي كان قراراً صحيحاً.
لكن الآن، بعد أن عشت بمفردي، أقول بكل ثقة: لو كنت قابلت زوجي السابق وأنا مستقلّة بمفردي في منزلي الحالي، لم أكن سأوافق على هذه الزيجة لأنني الآن أعيش دون ذرة إرهاب نفسي. فمعيار أنّ ما كانت تقدّمه تلك العلاقة في بدايتها من إرهاب نفسي هو أقل مما شعرت به مع أمي، جعل هذه الزيجة بمثابة خطوة إلى الأمام. ولكن الآن، إذا وافقت على زيجة فيها هذا الكم من الإرهاب النفسي فستكون خطوةً إلى الوراء.
ما حدث هو أنّ زوجي توفّي فجأةً، ولكن فكرة موته لم تمنعني من التفكير في أنّني كنت أعيش في علاقة مؤذية دون أن أدري أنها مؤذية، لأنني تربّيت في بيئة عوّدتني تحمّل الإساءة، وبعدها اختبرت مساحتي الشخصية وتعرّفت إلى نفسي لأوّل مرة في سن الأربعين
كنت أخاف من الوحدة. كنت أشعر بأنني إذا انفصلت عن زوجي وعشت بمفردي -لأنني لن أعود إلى بيت أمي مرةً أخرى- سأكون إنسانةً وحيدةً نادمةً على هذا الانفصال من دون "ظلّ رجل"، ولم أكن بالشجاعة الكافية كي آخذ هذه الخطوة.
ما حدث هو أنّ زوجي توفّي فجأةً، ولكن فكرة موته لم تمنعني من التفكير في أنّني كنت أعيش في علاقة مؤذية دون أن أدري أنّها مؤذية، لأنني تربّيت في بيئة عوّدتني تحمّل الإساءة.
ولذلك، دائماً ما أنصح صديقاتي اللواتي لم يتزوّجن بعد: قبل أن تتزوجي، حاولي أن تستقلّي ولو على الأقل سنةً أو سنتين، وتعرّفي واختبري الحياة الصحيّة التي تريدينها أنتِ بنفسكِ وليس من خلال أسرتكِ.
قد يكون الأمر مجرّد اختلاف في وجهات النظر. ربما ليس هناك شخص مسيء في عائلتكم، وربما احترام الخصوصية النفسية قبل المكانية يجب أن تختبره المرأة قبل أن تشارك فرداً آخر المسكن.
من وجهة نظري، الاستقلالية ليست لها علاقة بكونك تريد الزواج أو لا. الاستقلالية هي مرحلة أولى عليك أن تمرّ بها قبل أن تقرّر رغبتك في الزواج من عدمه. في كثير من الأحيان، نلجأ إلى الزواج للهروب من بيئة سامّة أو خوفاً من الوحدة، ظنّاً منّا أننا إذا جلسنا مع أنفسنا سنشعر بالرعب وكأننا نخشى أن نتعرّف إلى أنفسنا. لكنني بعد كل ما اختبرته أشجّع الجميع: لا تخَف من مساكنة ذاتك، فأنت لست الشخص الذي أخبرتك عائلتك المسيئة عنه. أنت شخص أفضل بكثير، وإذا عاشرت نفسك فستحبها ربما أكثر من الحب الذي استقبلته وسط أسرتك أو من شريكك الحميم.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
