*ترجمت لما رباح هذا النصّ.
قُبيل طلوع الشمس، التفتت عبير سكيك إلى زوجها عَليّ القطّاع، وقالت إن اليوم هو يوم العثور على ابنهما. أومأ علي برأسه صامتاً، فناولته رزمة المنشورات. في كل منشور، يظهر حَسَن ابن الستة عشر عاماً بقميصه الأحمر، مبتسماً، ينظر نحو الكاميرا بلا توجّس. وفي أعلى الصفحة، طبعتْ عبير كلمة واحدة بلونِ قميصه: مناشدة.
راقبت عبير زوجَها وهو يستقل السيارة برفقة أصدقائه للانطلاق ثلاثين كيلومتراً جنوباً، من حي التفاح شرق مدينة غزة إلى مستشفى غزة الأوروبي في خان يونس؛ مدفوعين بأنباء عن إطلاق سراح مجموعة من المعتقلين هناك، وبينهم أطفال.
عند بوابة المستشفى، تزاحمت العائلات كتفاً بكتف، يلتحفون البطانيات اتقاءً للبرد، متشبثين بالصور وبطاقات الهوية التي يحملونها. وزّع عليّ المنشورات على أصدقائه، ومع وصول حافلات المفرَج عنهم، بدأوا يتسللون ببطء بين حشود المنتظرين.
بينما كان الشبّان المفرج عنهم يعودون إلى أحضان عائلاتهم، وقف علي مترقّباً نهاية كل عناق ليسأل: "هل رأيتم ابني؟". وواحداً تلو الآخر، هزّوا رؤوسهم نفياً. تفرّق الناس، ولم يعد عليّ إلى منزله إلا في الثانية فجراً. رأته عبير وهو يضع الصور فوق الطاولة، عيناه زائغتان، وكأنه دخل بيتاً غريباً غير بيته. مضت عشرة أشهر منذ كان ابنهما معهما آخر مرة.
قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وقبل أن تخلُص لجنة أممية ومجموعة من المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، كانت حياة عبير تدور في فلك حَسَن. يستيقظ في الموعد ذاته كل صباح، ويأكل الأطعمة نفسها وبالترتيب ذاته، ويحتاج أن يكون البيت موضّباً بطريقة محددة؛ الأرضية مغسولة، والطاولة تُمسَح عقب كل وجبة.
كانت القذائف أول ما أنهك حسَن ابن الـ16 عاماً المشخّص باضراب طيف التوحد. ومع كل انفجار، كان يضع يده المرتجفة على صدره ويهمس: "ماما، خفت. لمس قلبي". ثم جاء النزوح أربع مرات ليحطّمه. بعد عامين على اختفائه، لا يعلم والداه، علي وعبير، إن كان حياً أو ميتاً في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات عن الأسرى في السجون الإسرائيلية وإعادة جثامين الشهداء بلا هوية أو ملامح
حين كان عمره أحد عشر شهراً، لاحظ والداه أنه لا يستطيع الحبو أو الجلوس، ولا يناغي كما فعلت شقيقته في سنّه. وبعد سلسلة طويلة من التقييمات الطبية، شُخّص حسَن، في الخامسة من عمره، باضطراب طيف التوحد. تقول عبير إن إسرائيل رفضت طلب العائلة علاج حسَن خارج غزة، فأخذت عبير تتعلّم عن تقنيات العلاج وبناء الروتين السلوكي والتعامل مع الإرهاق الحسي بنفسها.
صمم عليّ وعبير روتين حسَن حول الأمان والتكرار والبهجة. كان يضحك حين يمازحه والده ويرشّه بالماء بالطريقة ذاتها التي يحبها، ولا يشبع من تقليب صفحات المجلات وتأمل صور قوائم الطعام في المطاعم، ويحب الجلوس على الوسائد الناعمة بجوار أمه. تقول عبير: "كنت أقول عندي أربع عيون، عينيّ وعينيه، بس عيوني عمرها ما نامت".
كانت القذائف أول ما أنهك حسَن. ومع كل انفجار، كان يضع يده المرتجفة على صدره ويهمس: "ماما، خفت. لمس قلبي". ثم جاء النزوح ليحطّمه؛ فصرخ في كل مرة من المرات الأربعة التي اضطروا فيها للإخلاء: "ليش بدك تطلعيني من دارنا؟ أنا بديش أطلع. أنا بدي تختي". حسَن، الذي لم يكن يطيق البقاء دون الاغتسال ولو لساعات قليلة، أمضى عشرة أيام كاملة دون أن يستحم مرّة واحدة. وفي أحد الأيام بينما كانوا يحتمون في منزل أحد الأقارب، لحق بأمّه وفي يده زجاجة ماء صغيرة، متوسلاً إليها أن يستحم.
بحلول نيسان/ أبريل 2024، أصبح كل شيء شحيحاً، واشتدّت المجاعة مع قطع إسرائيل لإمدادات الغذاء، حتى صار الماء النظيف عزيزاً. فقدت عبير نحو 18 كيلوغرام من وزنها. وقبل أيام من اختفاء حسَن، انفجر في وجه أمه غاضباً لقلّة ما تبقى من طعام؛ لم يكن سوى خليط جاف يسمونه خُبزاً، مصنوع من بذور كانت تُباع كأعلاف للحيوانات ورائحتها كريهة. لم يفهم حسن غياب الخبز، والأرز، والحليب، واللحم. حدّق فيما قُدّم إليه ثم دفعه جانباً وهو يصرخ: "شو بتطعموني؟". وفي لحظةٍ نفد فيها صبره وتجاوزت حدود احتماله، قلب الطاولة وهرع خارجاً من المنزل.
تعمّق شعوره بالارتباك، حتى أمسك بدراجته ذات يوم ودفعها خارجاً. كان قد تعلم ركوبها قبل الحرب، وتمرّن في ذاك الزقاق تحت بنايتهم. ومع الوقت، صارت الدراجة جزءاً من يومياته واعتاد الجيران رؤيته يطوف في الطريق نفسه، ويتوقف في الأماكن ذاتها، يجوب الحي المألوف بأمان.
بعدما انطلق حسن بدراجته عصراً، توقعت عبير عودته في غضون دقائق كعادته. غير أنّ عشر دقائق مضت، ثم ثلاثين، ثم خفت النور مع اقتراب المساء. خرج عليّ للبحث عنه في الشوارع المجاورة، بينما بقيت عبير مع أطفالها الأربع الآخرين في المنزل، تتردد بين الباب والنافذة، تنصت لوقْع الخطوات في الخارج، وتهاتف الجيران والأقارب بحثاً عنه.
مع ساعات الليل، يحل الظلام سريعاً بلا كهرباء، وتُخلى الشوارع في ترقّب الغارات الليلية. أخبرها الجيران أنهم لم يروا حسن، ولم يتذكر أحدٌ مرور فتى على دراجة. عاد زوجها إلى المنزل، للحظة، ثم خرج ثانيةً يتتبع مسارات حسن: الزقاق الضيق بمحاذاة البناية، والشارع الخلفي الهادئ.
قبل الحرب، كان حسن يتحرك في شوارع غزة بلا تردد، كما لو أنّ خرائطها محفورة في رأسه، تقوده إلى بيوت الأقارب والدكاكين والمقاهي المألوفة والطرقات التي يحفظها. لكن الشوارع لم تعد كما كانت؛ أحياءٌ كاملة سُوّيت بالأرض، ومبانٍ انهارت لتسد الطرقات، وغزة مقسمة إلى شطرين، يفصل حاجز إسرائيلي عسكري في شارع الرشيد جنوبها عن شمالها.
تقول عبير كأن "الأرض انشقّت وبلعته".
ما تلا ذلك لم يكن تحقيقاً بقدر ما هو دوران في حلقة مفرغة، كالتي علقت فيها آلاف الأسر الغزيّة اليوم؛ حيث لا حقيقة يتكئون عليها حيال مصير المفقودين، ونادرًا ما تقدّم أي جهة رسمية إجابات حاسمة.
توزع مفقودو غزة بين من اختطفوا من بيوتهم أثناء المداهمات، ومن انقطعت آثارهم عند الحواجز أو نقاط المساعدات، أو من استخدموا كدروع بشرية، فيما تدّعي إسرائيل أنها ممارسات محظورة. اختفى البعض في معسكرات اعتقال إسرائيلية غير رسمية، لا تُعلن أي معلومة عمن هو حي أو ميت أو رهن الاحتجاز. وآخرون "تبخروا" فعلياً بحرارة القذائف، دون أن تبقى لهم جثة يمكن انتشالها. وهناك من دفنهم جيرانهم على عجل لحمايتهم من الكلاب الضالة، دون أي سجل يثبت ذلك. كثيرون لم يصلوا إلى ثلاجات الموتى، ولم تُسجَّل أسماؤهم في أي مستشفى؛ أسماؤهم لا تظهر في قوائم الضحايا، ولا في بيانات السجون ولا سجلات الوفيات.
ببساطة، لقد اختفوا.
هذه ليست نتيجة حتمية للحرب؛ ففي أغلب الصراعات الحديثة، تجد الجثامين مجهولة الهوية طريقها إلى ذويها في نهاية المطاف عبر أنظمة التعرّف والأدلة الجنائية. ورغم أن هذه عملية قد تمتد لسنوات وتظل منقوصة، إلا أنها تستند إلى منظومة عالمية تتيح الأدوات اللازمة عند الحاجة. أما غزة، فقد حُرمت بشكل منهجي، ولسنوات، من أبسط الأدوات الضرورية لتحديد هوية موتاها.
حين فرضت إسرائيل حصارها على غزة عام 2007، سارعت إلى إدراج تلك الأدوات على قائمة ما تسميه "المواد مزدوجة الاستخدام"، أي ما تزعم إمكانية توظيفه لأغراض عسكرية، وتشمل أجهزة فحص السموم والتحليل الجيني واختبار الحمض النووي، وحتى أجهزة مسح البصمات والماسحات البيومترية. كما يفتقر هذا الملف للشفافية، فرغم نشر قائمة رسمية بالمواد المحظورة، إلا أنها عرضة للتغييرات المستمرة، ولم تُحدَّث نسخها المؤرشفة منذ عام 2020. وفضلاً عن حظر مواد بعينها، تحظر إسرائيل فئات كاملة من المنتجات بعناوين فضفاضة، مثل "معدات الاتصالات".
واليوم، في زمنٍ يفيض بالموت، بات من المستحيل ربط مجهولي الهوية بذويهم عبر الحمض النووي. كما عطّلت الحكومة الإسرائيلية الآليات التي كانت تتيح للعائلات التعرف على أقاربهم المحتجزين، ومنعت اللجنةَ الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى، في انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف. وفي الوقت ذاته، تبسط إسرائيل سيطرتها على مناطق شاسعة من غزة وتمنع الفلسطينيين من الوصول إليها، وإلى عدد هائل من الجثامين التي ترقد تحت الأنقاض أو في مقابر جماعية. أمّا في المناطق التي تولّت السلطات الغزية دفن الضحايا فيها، كثيراً ما تُوارى الجثث الثرى قبل أخذ العينات البيولوجية اللازمة، وأحياناً دون أي سجّلات فعلية على الإطلاق.
وسط كل ذلك، ومع انهيار أنظمة التوثيق الرسمية، لا توجد مؤسسة واحدة يمكنها الجزم بعدد المفقودين في غزة. بينما تقدّر وزارة الصحة في القطاع عددهم بأكثر من 9,500 مفقود، تشير التقديرات الميدانية للمركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً إلى نحو 9,000 حالة. أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فتفيد بأنها تلقت قرابة 11,500 طلب للبحث عن مفقودين في غزة، لا يزال نصفها تقريباً عالقاً بلا إجابات. وتؤكد كل المؤسسات احتمال قصور أرقامها.
ففي كانون الثاني/ يناير، أجرى معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي (ISEP) في فلسطين استطلاعاً حصرياً حول أزمة المفقودين في قطاع غزة. وبناءً عليه، يقدّر المعهد عدد المفقودين بين 14,000 و15,000 شخص من إجمالي سكان القطاع، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة.
بالنسبة لذوي المفقودين، يتحول هذا المصير المعلّق إلى تجارب مضنية ومحفوفة بالمخاطر. رغم القصف اليومي، يشقّ علي وعبير طريقهما بين الأنقاض ومراكز الإيواء والمستشفيات، يبحثان عمّن رأى فتىً على دراجة.
تقول عبير: "نزلنا بوستات، تواصلنا مع شباب السوشال ميديا، بلغنا القنوات، طبعنا بوسترات"، وتتبّعا كل إشاعة وكل احتمال، بحثاً عن أي شاهد عيان، دون جدوى. تضيف عبير بمرارة: "ما لقينا له أثر في البلد كلها".
حتى بعد قرابة عامين على اختفاء حسن، لم تتلقَّ عبير أي إقرار رسمي بمصيره؛ لم يؤكَّد موته، ولم يُثبت أنه حي، ولم يُعترف رسمياً باحتجازه. لم يتبقَّ من حسن إلا ما يستطيعون لملمته من صورة هنا، وورقة قديمة هناك، وذكرى دراجة تتوارى نهاية الشارع. يظهر اسمه بين الحين والآخر في قنوات غير رسمية، ثم يختفي ثانية. لم تعد عبير تصف حالة من الحزن والحداد، بل حالة أشبه بعذاب البرزخ. تقول: "هاي الحالة بتشلّ عقلك، شلل".
بعد أيام من اختفاء حسن، ذهب والده عليّ للبحث عنه في مستشفى الشفاء. كانت العائلات تتزاحم عند المداخل، في انتظار دورهم للبحث عن أحبائهم.
غصّت الممرات بجثامين تلفّها البطانيات والأغطية البلاستيكية، ووُضعت بعض الجثامين في مبرِّدات المثلَّجات حين امتلأت ثلاجات الموتى عن آخرها. كان الهواء ثقيلاً يعبق برائحة المعقمات والأجساد المتحللة، والأرضية لزجة بالماء والدماء ورواسب عجزت عنها محاولات الشطف على عجل.
إسرائيل تحرّم غزة عن التعرّف على هويات أبنائها الضحايا، فتصل الجثامين في ظروفٍ تستعصي على التحليل العلمي؛ متفحمة لدرجة يتعذّر التعرّف عليها، أو أشلاء مسحوقة.
بكى بعض من جاؤوا بحثاً عن أحبائهم بين الجثامين، بينما تجمّد آخرون وهم ينظرون صامتين. لا خصوصية هناك، ولا نظام محدد، إنمّا وحده الإلحاح يحكم الموقف. فاقت المهمّة قدرة الطاقم الطبي، فأخذ الرجال يرفعون الأغطية بأنفسهم، لتنكشف أطراف وأجساد ووجوه احترقت أو تهشّمت إلى درجةٍ لم يبق فيها ما يُعرف. بحثت العائلات عن علامات فارقة؛ شامة، ندبة، أسنان، أو بقايا ملابس. وأحياناً، كان أحدهم يقاطع أقاربه ويسحبهم بعيداً كي لا يتفحصوا الأشلاء، فقد رأوا أكثر مما ينبغي.
تحرك عليّ في المكان دون أن يتوقف طويلاً؛ ينظر، يحاول استيعاب ما يراه، ثم يمضي. وحين عاد إلى المنزل، انهار للمرة الأولى منذ زواجه. تقول عبير: "يعني الجبل عليّ جبلين، خفت أعيط قدام أبوه، أبوه يروح بين ايديَّه، أفقد الولد وأفقد أبوه".
في مستشفى الشفاء، الذي انهار من بعده عليّ، يقضي خليل حمادة (53 عاماً) أيامه ويترأس قسم الطب الشرعي منذ عام 2022. حين تحدثتُ إليه أول مرة، كان يعيش في خيمة بعد تهجيره من منزله في حي الجلاء غرب مدينة غزة. قال لي في حديثنا في شباط/ فبراير الماضي: "قلبي بينهار كل يوم؛ الناس بتيجي عنا تدور على أحبابها. آلاف العائلات بدها شي واحد بس، تدفن أب أو أم أو أخ بكرامة، ويكون فيه مكان للعزاء.. وأنا مش قادر أساعدهم".
لطالما أجبرت الحروب المجتمعاتِ على ابتكار طرقٍ لتسمية ضحاياها، فوُلد علم الأدلة الجنائية نفسه من رحم الصراعات؛ إذ يعود أحد أقدم التطبيقات المسجلة لهذا العلم إلى عام 1776، حين تعرّف بول ريفير على جثمان جندي بفضل طقم أسنان اصطناعي كان قد صممه له. وفي الحروب التي تلت ذلك، ظل السؤال الجوهري "من هذا الشخص؟" المحرك لتطوير الأدلة الجنائية وعلومها، بدءاً من سجلات الأسنان وبصمات الأصابع، وصولاً إلى الحمض النووي والبيانات البيومترية.
غير أن إسرائيل حرمت غزة عن هذا التقدم التاريخي، فتصل الجثامين إلى حمادة في ظروفٍ تستعصي على التحليل العلمي؛ متفحمة لدرجة يتعذّر التعرّف عليها، أو كأشلاء سحقتها المباني، أو جثامين استُخرجت بعد أيام أو أسابيع من دفنها في مقابر مؤقتة وجماعية، بعد أن تبددت أي إمكانية للتعرف عليها بصرياً. ومع ذلك، لا يزال تحديد الهوية في غزة يعتمد في معظمه على العين المجردة.
يوضح حمادة أنه في أي نظامٍ فعال، وحين تخفق الوسائل البسيطة، تُعالَج العينات البيولوجية بأجهزة التحليل الجيني وبرامج المقارنة، ثم تتم مُطابقتها مع قاعدة بيانات تضم عينات مرجعية من العائلات، وسجلات البصمات والأسنان، والسجلات المدنية الوطنية، ما يعدّ الإجراء المعتمد حسب اللجنة الدولية لشؤون المفقودين. لكل صراع، من غواتيمالا إلى أوكرانيا وما بينهما، ظروفه الخاصة في استخدام تقنيات الأدلة الجنائية. مثلاً، لم تستأنف سوريا تحليل الحمض النووي لتحديد هويات الضحايا في حربها الأهلية إلا مؤخراً، بعد أن منعت العقوبات المفروضة عليها استيراد هذه التقنية سابقاً. أما إسرائيل، فمنعت وزارة الصحة في غزة من إنشاء مختبر جنائي على مدار عقود، مصنّفةً كل الأدوات اللازمة تقريباً ضمن خانة المواد المحظورة.
يقول حمادة إنّه القطاع الطبي في غزة ناشد المنظمات الحقوقية، مثل منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر، بغية توريد معدات الطب الشرعي، لكن إسرائيل لم تسمح بدخولها.
في كانون الثاني/ يناير 2024، وخلال هدنة قصيرة، تمكنت منظمة أهلية دولية من إدخال أخصائيّ في الطب الشرعي من جامعة أوسلو إلى غزة. درّب هذا الخبير عشرة أطباء فلسطينيين على تقنيات توثيق الوفيات الجماعية في حالات الطوارئ وأساليب الحفاظ على الأدلة في ظروف شُح الموارد. وفي نهاية البرنامج، وقع الاختيار على أربعة منهم لاستكمال التخصص، ليرتفع عدد الأطباء المدربين جنائياً في القطاع إلى سبعة. ومع ذلك، لا يزال هؤلاء يفتقرون إلى المختبرات؛ يقول حمادة: "لدينا كوادر بشرية، لكن محتاجين أجهزة. بنصور ونسجل كل شي بنقدر عليه، بس في أغلب الحالات، مش كفاية".
مع غياب المعدات اللازمة، يجري فريق حمادة فحصاً أوليّاً مبسطاً بعد الوفاة؛ صورة بكاميرا رقمية، واستمارة مكتوبة تتضمن رقم الحالة والتاريخ وتقدير العمر والطول إن أمكن، إلى جانب ملاحظات حول الإصابات الظاهرة والندوب وآثار العمليات الجراحية وملامح الأسنان والشعر، مع جرد للملابس والمقتنيات الشخصية. وخلال عملية الأرشفة التي تشمل ملفات ورقية وأخرى إلكترونية، يجمع الفريق عينات بيولوجية كالأسنان وشظايا العظام للحفاظ عليها، نظرًا لعدم توفر ثلاجات موتى كافية لاستيعاب الجثامين.
ورغم جهود حمادة وزملائه، يقدّر أن نسبة ضئيلة جداً من الجثامين مجهولة الهوية قد وُثقت رسمياً، فلا يتعدى عددها بضع المئات، وحتى هذه قد لا تُفضي إلى نتيجة في ظل الأوضاع الراهنة. يؤكد حمادة إن غزة لا تتوفر فيها قاعدة بيانات بيومترية أو ملفات توثق الأحماض النووية والبصمات وسجلات الأسنان فحتى إن توفرت الأجهزة والمعدات، لا مجال لمقارنة العينات بقواعد بيانات معتمدة.
خلال الحرب على غزة، استُحدث تدبيرٌ مؤقتٌ للدفن، إذ تُشرف لجنةٌ تضم ممثلين عن وزارة الصحة ووزارة الأوقاف والدفاع المدني الفلسطيني على دفن الرفات في قبور مرقمة، ومحددة المواقع وفق المعايير الدولية، وبمساعدة من مسؤولي اللجنة الدولية للصليب الأحمر. والغاية من ذلك أنه في حال تعرّف أحد مستقبلًا على أحد مقتنيات المتوفى، تستطيع الجهات المعنية تحديد مكان جثمانه. وإن سُمح لاحقاً بإدخال مواد اختبار الحمض النووي إلى القطاع، أمكن إجراء الفحوصات الجنائية اللازمة. يقول حمادة إنهم يحتفظون بكل السجلات، علّها تقود الناس لأحبائهم.
تؤكد المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مي الشيخ، أن القانون الدولي يضع محددات صريحة بشأن مسألة التعرف على الهوية، إذ يقع على عاتق إسرائيل الالتزام بالتدابير كافة للكشف عن مصير المفقودين، وموافاة ذويهم بالمعلومات المتاحة حول أماكن وجودهم. وترى الشيخ أن عرقلة إسرائيل لدخول المعدات والكوادر المتخصصة، وإخفاقها في انتشال الرفات وحفظها بكرامة، واستمرار حجز الجثامين وممارسة الإخفاء القسري، هو أمرٌ كان يمكن توقعه وتفاديه، لكنه أدى إلى عذاب آلاف العائلات الفلسطينية المحرومة قسرياً من حقها في معرفة مصير أحبائها ودفنهم وفق تقاليدها. وتخلص الشيخ إلى أن هذه الممارسات القاسية واللا إنسانية تتعارض صراحةً مع أحكام القانون الدولي.
ورداً على قائمة مفصلة من الأسئلة، صرّح الجيش الإسرائيلي بأنه "عمل ولا يزال يعمل وفقاً للقانون الدولي، آخذًا الاحتياطات الممكنة لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين والممتلكات المدنية"، وأحال مجلة "WIRED" إلى مصلحة السجون الإسرائيلية للتعليق على قضية المحتجزين، إلا أن مصلحة السجون لم تستجب لطلب التعليق.
وخلال تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2025، أعادت إسرائيل 315 جثماناً إلى غزة عقب وقف لإطلاق النار. وصلت هذه الجثامين رُفاتاً بلا أسماء أو وثائق. يقول حمادة إنّ الجثث تصل "مجردة من أي معلومات". ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، دُفن 182 من هذه الجثامين دون تحديد هويتها، بينما تم التعرّف على 91 جثماناً في نهاية المطاف، وذلك غالباً بسبب تمييز الأقارب لندبة، أو سِنّ، أو حتى تقاسيم يدٍ مألوفة.
وفي الشوارع أيضاً، أو بين أنقاض المباني المقصوفة، يتعرف الناجون على الأشلاء المتناثرة من خلال قطعة ملابس، أو خاتم، أو خصلة شعر.
هكذا أتذكر تجربتي في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023؛ حين قتلت غارة واحدة في حي الشجاعية أكثر من 70 شخصاً، معظمهم من عائلتي الممتدة. لم تبقَ أجسادٌ بل أشلاء متشظيّة محترقة مسحوقة، التحمت ببعضها حتى استعصى التعرف عليها. وضعنا الأشلاء مرتبةً في صفوف وسِرنا بينها ببطء، نتخذ قرارات ينبغي ألّا تحتّم على أي عائلة. وحين عجزنا عن تمييزها من شكلها، اعتمدنا على القرائن: مَن كان داخل المنزل؟ مَن اختفى منذ لحظة الانفجار؟ ومن مكث في هذه الغرفة أو تلك؟ وعندما لم يعد حتى ذلك كافياً، فرشنا بطانيات على الأرض وقررنا أن كلّاً منها ستمثل "عائلة". فإذا كانت هناك عائلة مفقودة من خمسة أفراد، نضع ما نخمن أنه أشلاء خمسة أشخاص فوق بطانية واحدة. وهو ما فعلته العائلات، الواحدة تلو أخرى، على امتداد غزة.
وفي حالات أخرى، يقع هذا العبء على من صادف وجوده هناك، أيّاً كان. يتذكر محمد شحدة الدريملي (34 عاماًّ) كيف احتمى مع عائلته وعشرات الآخرين لأيام، فيما اشتد القصف من حولهم. وفي الليلة السابعة من نزوحهم، كانت القنابل المضيئة في السماء، وحلقت الطائرات المسيرة فوقهم، وملأ الدخان الشوارع. سقطت قذيفة على مبناهم؛ وأصابت أخرى المنزل المجاور حيث تأوي عائلات نازحة. ومع آذان العشاء، سمعوا دويّ ضربة أعقبتها صرخات، ولم يكن بمقدور أحد الخروج. تحطمت النوافذ، وتطايرت الأبواب. يقول محمد: "ما توقعت يطلع علينا نهار".
عند الفجر، خرج الدريملي وعمه وأحد الجيران؛ ليجدوا المنزل المجاور منهاراً تماماً، وفي داخله أكثر من 15 شهيداً. نُقل الجرحى على عربة لتعذّر وصول سيارات الإسعاف، وبينما كان الدريملي يسير وسط الركام، رأى الأشلاء المتناثرة على الطريق.
يقول: "لقيت رِجِل شخص منفصلة عن الجسم، بعدين لقيت في مكان تاني راس".
لا فرق إنقاذ، ولا أقارب، ولا جهات رسمية. فقرر الرجال الثلاث دفن الأشلاء حتى لا تنهشها الكلاب. حفر الدريملي قرابة الساعة، وجمعوا أشلاء لثلاثِ جثث على الأقل. وبينما كانوا يعملون، كانت مسيّرة إسرائيلية تحلق فوقهم؛ فرفع جزءاً من "رِجْل" نحوها، ليُري المسيّرة ما يفعلونه، خوفاً من أن يتم إطلاق النار عليهم. غطى الرجال الثلاث الحفرة وفرّوا مع استئناف القصف. وحين عاد الدريملي بعد أيام، كانت الكلاب قد نبشت القبر، فدفن الأشلاء مرة أخرى. ولا يزال لا يعرف مَن كان أصحابها، حتى اليوم.
في المقابل، تبذل إسرائيل جهوداً حثيثة لتحديد هوية موتاها؛ ففي أواخر كانون الثاني/ يناير من هذا العام، نبشت القوات الإسرائيلية عشرات الجثامين لفلسطينيين من حي الشجاعية ونقلتها إلى مختبرات في إسرائيل، في محاولة للتعرف على رهينة إسرائيلي واحد، ران غفيلي، الذي قالت حماس إنها لم تتمكن من إعادته. بالنسبة لحمادة، كانت رؤية هذا المشهد تفوق الاحتمال: "هذا عالم قذر. عالم وقح"، فتتزاحم كلماته ويكمل: "يتباكى على جثة جندي واحد، بينما الآلاف منا، من ضمنهم جثث أطفال والنساء". يصمت محاولًا إنهاء فكرته، ثم يكتفي بتكرار: "الآلاف منا".
في 7 كانون الثاني/ يناير 2024، أُبلغ عن اختفاء شابة تبلغ من العمر 31 عاماً تدعى بيسان فضل فياض في دير البلح، بعد أن غادرت منزلها ولم تعُد. وفي اليوم التالي، تلقت عائلتها اتصالاً من مستشفى ناصر في غزة حول جثمان يعتقدون أنه لبيسان.
في المستشفى، عُرضت على العائلة ثلاثة أجزاء متفحمة. قال والدها للصحافيين: "أنا ما بقدر اتعرف عليها من دمار الجثة". وإلى جانب الأشلاء، سلمهم المستشفى هوية بيسان التالفة، وأخبروهم أنها عُثر عليها بجانب الرفات. دفنت العائلة الأشلاء وبدأت مراسم الحداد.
لكن بعد أكثر من عام، في 17 آب/ أغسطس 2025، نشر شقيقها محمد فياض على وسائل التواصل الاجتماعي أن العائلة تلقّت معلومات تفيد بأن بيسان لا تزال حية في السجون الإسرائيلية. أثار المنشور موجة من التغطية الإعلامية، وراحت العائلة تنتظر على أمل أن تراها مجدداً. أُعلن وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وأُطلق سراح مجموعة من الأسرى، ثم أخرى، لكن بيسان لم تكن بينهم. سرعان ما توقفت العائلة عن الحديث علناً عن قضيتها، خشية أن يلحق الاهتمام الإعلامي بها الأذى، إذا كانت لا تزال قيد الاحتجاز.
وفي 18 كانون الثاني/ يناير، نشر شقيقها عنان فياض هذه المرّة: "سنتان من عمركِ، 730 يوماً من عدّ الأيام، وانتظار خبر، والعيش بين صورتين: صورة الشهيدة التي بكيناها، وصورة الأسيرة التي ننتظرها… اللهم إنها كانت ميتة في يقيننا فأحييتها بأمرك، فتمّم علينا نعمتك وفكّ أسرها".
لا يمكن لعائلة بيسان التأكد يقيناً مما إذا كان الجثمان الذي دفنوه قبل عامين هو جثمان شقيقتهم بالفعل، كما لا يمكنهم الجزم بأن الصمت حيال اعتقالها يعني أي شيء. لطالما كان من الصعب الحصول على معلومات حول الأسرى الفلسطينيين المحتجزين لدى إسرائيل، ولكن منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، تحول نظام البحث عن الأسرى الغزيين إلى متاهة جنونية، لا تترك أمام العائلات سوى خيوط هنا وهناك، مما ينقله المفرج عنهم.
لعقود قبل الحرب على غزة، حافظت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إمكانية الوصول إلى الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. كما أدارت منظمة أهلية إسرائيلية تدعى هموكيد، مركز الدفاع عن الفرد، خطاً ساخناً لتتبع الأسرى المعتقلين بموجب ترتيبات مع الجيش الإسرائيلي، وعملت بشكل غير منتظم ولكن بنتائج متوقعة على الأقل؛ حيث استطاعت هموكيد تقديم الأسماء وتأكيد حالات الاعتقال وأماكن الاحتجاز. غير أن هذه الأنظمة انهارت تماماً في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، عندما أنكرت إسرائيل التزامها بتقديم أي معلومات عن معتقلي غزة، ومنعت الصليب الأحمر من زيارة الأسرى، وقيدت صلاحيات "هموكيد".
في الأشهر والسنوات التي تلت ذلك، اقتيد آلاف الفلسطينيين إلى الاحتجاز الإسرائيلي، وظل مصيرهم مجهولاً في أغلب الأحيان.
بينما لا يزال الصليب الأحمر ممنوعاً من الوصول إلى الأسرى، سُنّت آلية تتبع جديدة ومحدودة يمكن لـ"هموكيد" استخدامها في مايو 2024، بعد التماسات متكررة للمحكمة العليا. تتطلب هذه الآلية من العائلات إرسال توكيل موقع يفوض محامين أو منظمة حقوقية بتقديم طلب تتبع؛ وهي مهمة شاقة في ظل انقطاع الاتصالات، والنزوح، وصعوبة الوصول إلى الهاتف والإنترنت في غزة.
اختُصرت ردود السلطات الإسرائيلية على طلبات التتبع في صيغة مقتضبة: إما تأكيد الاعتقال أو التصريح بأنه "لا يوجد مؤشر" على الاعتقال، دون أية تفسيرات. ومنذ اعتماد النظام الجديد هذا، تتبعت "هموكيد" 4,985 فرداً؛ وأكدت إسرائيل الاعتقال في 3,353 حالة، ولم تصرّح بأي معلومة بشأن 1,632 حالة.
بين الحين والآخر، يعود البعض من غياهب المعتقلات الإسرائيلية السرية إلى الحياة فجأة. في إحدى الحالات، أواخر عام 2023، داهم جنود إسرائيليون منزلاً كان يأوي إليه إيهاب دياب (35 عاماً) مع عائلته. شاهدت العائلة دياب وهو يُكبل، ثم يُقتاد في مدرّعة عسكرية إسرائيلية. وبعد تسعة أشهر من اختفائه، اتصلت العائلة بمنظمة حقوقية إسرائيلية تدعى ﭽيشاه (مسلك)، فقدمت الأخيرة طلباً رسمياً للشرطة العسكرية الإسرائيلية للاستفسار عن مكان احتجاز دياب وترتيب زيارة محامٍ. وبعد أقل من ساعة، جاء رد الجيش: "لا يوجد مؤشر على توقيف أو اعتقال دياب"؛ "لا يوجد مؤشر" على الاختطاف الذي شهدته عائلة دياب بأم أعينها. مرت أشهر بعدها، والمزيد من الأوراق، والمزيد من المماطلة. ثم في 2 تموز/ يوليو 2025، أي بعد 19 شهراً من ليلة الاعتقال، قدمت الحكوم الإسرائيلية رداً في المحكمة. كتب قائد القيادة الجنوبية، المقدم الحاخام ديفيد حيموف، أن دياب "محتجز كجثة".
تحقق مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) من وفاة 89 فلسطينياً، بينهم 88 رجلاً وصبي واحد، كانوا رهن الاحتجاز منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وقدرت منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" عدد الوفيات بـ 94 حالة، مؤكدة أن هذا الرقم مرشح للزيادة. بينما يشير OHCHR إلى أن السلطات الإسرائيلية أبلغت عن وفيات إضافية، إلا أنها لم تقدم تفاصيل كافية تتيح إجراء عملية تحقق مستقلة. كما وثق خمس حالات على الأقل توفي فيها فلسطينيون أثناء احتجازهم وبعد وقت قصير من إصابتهم برصاص القوات الإسرائيلية، في حين صرح الجيش الإسرائيلي بأن الشرطة العسكرية تفتح تحقيقاً في كل حالة وفاة بين المعتقلين.
كانت عبير تدرك بالفعل، منذ اختفاء ابنها، أن القوات الإسرائيلية اعتقلت آلاف الغزيين، بمن فيهم الأطفال. وفي مراكز الإيواء ومنازل الأقارب، سمعت قصصاً تشبه قصة دياب، وسمعت شائعات عن أطفال اختُطفوا ثم أُطلق سراحهم بعد أشهر؛ وكانوا أطفالاً في سنّ حسن ابنها.
بعد أكثر من عام على اختفائها، تلقّت عائلة بيسان معلومات عن أنها لا تزال حية في السجون الإسرائيلية، فآثرت الصمت خشية أن يلحق الاهتمام الإعلامي بقضيتها الأذى بها. المؤلم أنه لا يمكن لعائلة بيسان التأكد يقيناً مما إذا كان الجثمان الذي دفنوه قبل عامين هو جثمان شقيقتهم بالفعل، كما لا يمكنهم الجزم بأن الصمت حيال اعتقالها قد يعني أي شىء
استغرق الأمر قرابة عام بعد اختفاء حسن ليصلها أول خيط. تلقت عائلة عبير اتصالاً من أحد الوجهاء المحليين ينبئهم بتردد اسم حسن ضمن الأشخاص الذين يُعتقد أنهم أحياء في مراكز الاحتجاز. لكن ذلك الخيط لم يؤت أي نتيجة.
لم تهمل عبير أي معلومة تصلها؛ أرسلت إلى عشرات المكاتب والمنظمات التفاصيل ذاتها: اسم حسن الكامل، تاريخ ميلاده، رقم هويته، الحي الذي شوهد فيه آخر مرة، ويوم اختفائه. كانت الردود التي تلقتها قصيرة وفارغة. جاءت الشائعات من المعارف؛ قال أحدهم إنه معتقل، وقال آخر إنه مات، وآخر إنه تحت الركام، أو في الجنوب. تقول عبير: "بيحكولك انسيه، اعتبريه استشهد".
لاح الأمل مجدداً عبر القنوات غير الرسمية ذاتها. في آذار/ مارس 2025، أخبرت إحدى القريبات العائلة أنها سمعت بوجود قاصرين مصابين بالتوحد رهن الاحتجاز الإسرائيلي، وأن حسَن كان بينهم، حيّاً يُرزق. سجلت قريبتها اللحظة التي اتصل فيها صهر عبير حاملاً الخبر؛ في الفيديو، تظهر عبير وهي تطبخ عندما أجابت على الهاتف. علا صوتها فوق أزيز الموقد: "شو فيه؟ شو فيه؟ إلك اللي بدك إيّاه، بس تلعبش في أعصابي"، تقول ذلك وهي تمسك بالمِلقط في يدها وكأنها تجمدت مكانها. وفجأة، انهارت عبير على أرضية المطبخ: "يا الله، يا الله، يا الله"، تصرخ وتبكي، حتى هرعت قريبتها لاحتضانها.

اتصلت عبير بالصليب الأحمر ومنظمات حقوقية لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم تأكيد الخبر، لكن لم يكن لدى أي جهة منهم سجلّ يخص حسن.
لا تحرم حالة اللايقين هذه عبير من راحة البال فحسب، بل تظلّ حياتها معلّقة، دون وثائق لتعمل المؤسسات على قضيتها. هي والكثيرين غيرها؛ من أيتام فقدوا ذويهم، وزوجات بلا أزواج، وآباء يرعون أطفالاً بلا أمهات. فبموجب نظام وزارة الصحة في غزة، لا يمكن تسجيل الوفاة دون جثمان، إلا إذا شهد شاهدان على رؤية الجثة أو الدفن؛ وهي قاعدة تفترض وجود مستشفيات فعّالة وسجلات وتوثيق.
وفي محاولة للخروج من المأزق في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اقترح المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة السماح بإصدار شهادات وفاة للذين مضى على فقدانهم أكثر من ستة أشهر بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حتى بدون جثة محددة الهوية. كان الهدف مساعدة الآلاف على حلّ تعقيدات الميراث والوصاية والوصول إلى المساعدات. لكن المحكمة العليا الشرعية في رام الله رفضت المقترح فوراً، مؤكدة أنه بموجب القانون، لا يمكن إصدار إعلان وفاة إلا بعد أربع سنوات من الاختفاء. مثل هذا التضارب كان سيعني أن الشخص ذاته قد يُدرج كمتوفٍّ في نظام وحيٍّ في نظام آخر.
توقفت الحياة لدى عبير وعلي في مكانهما. ففي العاميْن التاليين لاختفاء ابنهما، انقلب العالم رأساً على عقب؛ قُصفت معظم المباني في المنطقة، ونزح كل من يعرفانه تقريباً. توسل إليهما الأقارب لمغادرة شمال غزة، لكن عبير وعلي لم يغادرا؛ وبقيا في المنزل المقصوف، لأنه المكان الوحيد الذي قد يعرف حسن طريق العودة إليه. حتى قبل اختفاء حسن، قاوم علي وعبير الانتقال إلى الجنوب عندما بدأ الأقارب بالإخلاء، لأن الأماكن الجديدة كانت توتر حسن وتكسر الرتابة والإيقاع الذي يريحه. لم يريدا دفعه بعيداً عن الشوارع التي يألفها.
تقول عبير، مستذكرةً اجتياح الحيّ بالدبابات الإسرائيلية والروبوتات المفخخة: "شفنا الموت مرات، بدل المرّة". لكن ذلك لم يثنها عن قرارها: "انت بدك تطلعني من البلد، جيب لي ابني. هات لي ابني بين ايديَّ، وساعتها بطلع".
في ظل تهجير السكان وتدمير البنية التحتية، يكاد يستحيل الحصول على أرقام دقيقة لمفقودي غزة. تعاون "مختبر فلسطين للصحافة" مع "معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي" في فلسطين لإجراء استطلاع ميداني حصري توصّل إلى أن عدد الغزيين الذين فُقدوا في مرحلة ما قد يصل إلى 51,000 شخص، فيما لا يزال 14,000 إلى 15,000 شخص في عداد المفقودين حتى الآن
في بعض الليالي، ما يحرم عبير من النوم تخيلُ ما قد يفعله الاعتقال بحسن. تقول: "ما بتحمل.. ابني ولا مرة انضرب. إذا الجنود بيعذبوه، كيف بدي أعيش؟ بتخيله بنضرب وبفقد السيطرة، ما بتخيل حدا يرفع إيده عليه". وفي ليالٍ أخرى، يوقظها التفكير في احتمال موته. قبل بضعة أسابيع، عُثر على جثمان في شارع الرشيد؛ اتصل أحد الجيران بعَليّ وطلب منه المجيء لمعاينته. ذهب عليّ، لكن الجثمان لرجل مسنّ ملتَحٍ؛ لم يكن حسَن.
أُنهك عليّ من هذه الدوامة، لكن عبير تقول إنه قد يكون أكثر واقعية منها على أيّة حال: "دايماً بيحكيلي إنه حتى لو وصلنا خبر، بدهم بس يلعبوا بأعصابنا". وتعلم أنه مُحِقّ: "كل ما نفكر إنه فيه أخبار، بيماطلوا بيخلونا نستنى بدون جواب. كأنهم بدهم يحرقوا أعصابنا".
خلق هذا الضغط شرخاً بينهما؛ تتفاعل عبير فوراً وتتبع كل خيط، حتى وإن كان ذلك بلا جدوى. أما عليّ فيتردد، يطلب التفاصيل قبل أن يسمح لأحد بوصف جثة. تعتقد عبير أن زوجها توقف عن التصديق بأن ابنهما حي؛ واصفةً إياه بالأكثر "واقعية"، فقال مرّة: "عمرهم ما خلوا حدا يرجع من هناك". ومع ذلك، يبحث عليّ رغم كل شيء؛ محبطاً سلفاً، يشحذ همّته بنفسه. حتى إنه يمشي إلى حافة ما يسمى بـ"الخط الأصفر" الإسرائيلي العازل، حيث يحذره الناس من أنه قد يُقتل إذا تقدم خطوة أخرى. عندما يخبر عليّ عبير بفشل إحدى محاولاته، تشعر بأنها فقدت جزءاً من نفسها، وعندما تطلب منه انتظار التأكيد، لا يرى في ذلك سوى إطالة لأمد الألم. إنهما يتفاوضان حول مقدار الأمل الذي لا تزال عائلتهما قادرة على تحمله.
في 19 كانون الثاني/ يناير 2026، أُطلق سراح ثمانية معتقلين إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح؛ كان أحدهم طفلاً يبلغ من العمر 16 عاماً. وجد عليّ وعبير اسم عائلة الصبي على وسائل التواصل الاجتماعي، وركض عليّ مباشرة إلى العائلة، ليسأل الفتى المفرج عنه عما إذا كان قد رأى حسن. أراه صورة حسن، وككل مرة، لم يخرج بشيء؛ خيط آخر أمسى سراباً.
تقول عبير: "بندور بين كوم عظم، ضبة وأسنان... يعني يادوب تشوف ملامح الوجه... بنلاقي فرده بوت (حذاء)، بنلاقي قشاط (حزام)؛ هي الي بندوّر عليه. كأنك بتدور في الهوا نفسه".
في اليوم الذي اختفى فيه حسن، كان يرتدي سترةً من بدلة رياضية، تقول عبير إنها لا تزال تحتفظ ببنطالها؛ الخيط الأخير الذي لا يزال يربطها بابنها في ذلك اليوم المشؤوم. قبل عامين، وبعد أيام قليلة من اختفاء ابنها، عثرت عبير على رسالة صوتية في هاتفها، كان حسن قد أرسلها لمعلمته في خان يونس. كانت المعلمة قد قضت سنوات في مساعدته على النطق والمهارات الاجتماعية. في الرسالة، يبدو صوته واهناً: "أنا جوعان، اعمليلي أكل". أرسل حسن التسجيل دون علم عبير، عندما سمع أن هناك طعاماً في الجنوب حيث تعيش المعلمة المقرّبة إليه. تعتقد الآن أن حسن غادر منزله للذهاب إلى المعلمة، طمعاً في وجبة طعام. لا تستطيع عبير سماع التسجيل، كما لا تستطيع حذفه.
*نُشرت هذه المادة باللغة الإنكليزية في Wired، وأنتجها مختبر فلسطين للصحافة، أحد مشاريع مؤسسة Just Vision.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
