لاريجاني أوّلهم… ما هو

لاريجاني أوّلهم… ما هو "التفويض" الذي منحته الحكومة الإسرائيلية للجيش والموساد؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 18 مارس 202611 دقيقة للقراءة

منذ عقود، تُفاخر طهران بأنّ قوتها لا تكمن في أفرادها، بل في "مؤسساتها" التي صُمّمت لتجتاز الأزمات، حتى فوق جثث القادة. لكن، حينما يسقط في ليلة واحدة صانع السياسات علي لاريجاني، وممسك خيوط الأمن الداخلي غلام رضا سليماني، وعين النظام إسماعيل خطيب، فالمشهد يتعدّى تحدّي سدّ الثغرات الإدارية.

قد نكون أمام مجرد تحديث إجباري للوجوه القيادية القديمة، وقد نكون أمام نجاح استخباراتي أمريكي-إسرائيلي في استنزاف "الذاكرة المؤسساتية" للنظام، بعدما أخذت الاغتيالات الإسرائيلية لقيادات النظام الإيراني يوم الثلاثاء 17 آذار/ مارس 2026، بعداً أوسع لتشمل رقماً كبيراً هو أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، الذي يوصف بأنه "ضمير النظام وحامل أسراره"، وأحد القدامى فيه وأبرز قياداته.

لم يُغتَل لاريجاني وحده، فقد تمّ اغتيال ابنه مرتضى لاريجاني أيضاً في الضربة نفسها، وقائد قوات الباسيج، غلام رضا سليماني، ونائبه معه، وأخيراً رئيس الاستخبارات الإيرانية، إسماعيل خطيب، الذي يُوصف بأنه مقرّب من المرشد الحالي مجتبى خامنئي.

مع هذه الأسماء الجديدة، بات النظام يعاني نقصاً قوياً، ليس في المناصب العسكرية والقيادية، فهذه كان المرشد علي خامنئي قبل اغتياله قد وضع خطةً كاملةً لها تتضمن من ينوب عمن في حال بدء الاغتيالات. كما أنّ طبيعة النظام وقوانينه التي تحكم المؤسسة السياسية والعسكرية تضمّ هيكلاً واضحاً لنظام الإنابة وملء الفراغ بشكل فوري.

النقص ليس في المناصب نفسها، لكن في "الخبرة" العسكرية والإستراتيجية وأحياناً القيادية المطلوبة لتولّي مناصب حساسةً في زمن الحرب، بعد أن استهدفت الاغتيالات معظم الصف الأول، وبدأت بالصف الثاني، أو على الأقل هذا ما تتأمله تل أبيب وواشنطن، وتروّجان له.

فهل هو صحيح؟ أو أنّ القيادات الحالية تم تجهيزها بالفعل لهذا السيناريو؟

قيادة جديدة "قليلة الخبرة" في إيران؟

في تحليل حديث لـ"هآرتس" الإسرائيلية، قالت الصحيفة إنّ "عمليات الاغتيال تركت في إيران قيادةً قليلة الخبرة، لكنها لن تشلّ النظام، فإلى جانب اغتيال علي لاريجاني وكبار قادة الباسيج، قُتل منذ الحرب السابقة أكثر من نصف أعضاء القيادة العليا. وعلى المدى الطويل، سيجد الخلفاء عديمو الخبرة صعوبةً في الصمود تحت ضغط الحرب. كما أنّ إطلاق الصواريخ من لبنان يدلّ على قدرة تنسيق عالية لدى حزب الله حتى في أثناء القتال".

لكن هذه الفرضية المبسّطة التي تطرحها الصحافة الإسرائيلية تلغي الذاكرة المؤسساتية المعروفة عن النظام الإيراني، ويعارضها بشدّة الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، حميد رضا عزيزي، إذ يقول في حديثة إلى CNN: "صُمّمت الجمهورية الإسلامية لتتجاوز فقدان الأفراد، ومع هذا من الصعب تعويض شخصيات بمثل هذه الخبرة المتنوعة"، في إشارة إلى لاريجاني.

يأتي اغتيال لاريجاني في بداية التفويض الذي منحته الحكومة الإسرائيلية للجيش والموساد بتنفيذ الاغتيالات دون الرجوع للمستوى السياسي، بالذات ضد كبار قادة إيران وحزب الله عند توافر معلومات استخباراتية عاجلة بهدف استغلال الفرص الفورية التي تتطلب تحرّكاً خلال دقائق معدودة

ويشير عزيزي إلى أنّ وفاته سيكون لها تأثير فوري محدود على سير الحرب، وأنّ إدارتها السياسية ستصبح أكثر تعقيداً، نظراً إلى إلمامه العميق بالخطاب السياسي الإيراني وعلاقاته الدولية.

على مدى ما يقارب خمسة عقود، شغل لاريجاني مناصب رئيسيةً في الحرس الثوري الإسلامي، والمؤسسة الأمنية، والإعلام الرسمي، والبرلمان. وبحسب عزيزي، "هذا المسار الوظيفي نادر نسبياً" في الجمهورية الإسلامية، فـ"المنصب الوحيد الذي كان ينقصه في سيرته الذاتية هو منصب الرئيس".

وبحسب "رويترز"، كان لاريجاني "واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً في الجمهورية الإسلامية وأحد صانعي سياستها الأمنية ومستشاراً مقرّباً من الزعيم الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي حتى مقتله".

النقص ليس في القيادات فحسب

بطبيعة الحال، أحدثت الاغتيالات المنهجية التي طالت أكثر من نصف القيادة العليا في طهران، بما في ذلك المرشد الأعلى، وكبار المساعدين، ورؤساء الأجهزة الأمنية، والعلماء النوويين، فراغاً هيكلياً عميقاً. ولعلّ الأثر الأكبر لهذه الضربات يتجلّى في افتقار الصفوف البديلة إلى الخبرة السياسية والعسكرية اللازمة لإدارة دولة تحت وطأة هجوم عسكري أمريكي وإسرائيلي مكثّف.

ولا تقتصر أزمة القيادة في حالة الإرباك التي تلت مقتل شخصيات محورية مثل علي لاريجاني، الذي يهدّد غيابه بتفكّك مراكز النفوذ، لكن أيضاً بسبب الغموض الذي يكتنف مصير مجتبى خامنئي (المرشح الأبرز لخلافة والده)، بعد أنباء عن إصابته واختفائه، مما يضعف قدرة النظام على اتخاذ قرارات متماسكة وطويلة الأمد في ظل استمرار الحرب، ويترك القرار السياسي في يد الحرس الثوري.

النقص الذي قد تعانيه إيران ليس في المناصب، فمؤسسة الحكم مصممة للاستمرار دون الاعتماد على الأفراد، لكن في الخبرة العسكرية والإستراتيجية عند من تم اغتيالهم من القيادات.

من جهة أخرى، هناك تقويض ممنهج ويومي للقدرات العسكرية والأمنية الإيرانية، إذ تركّز الغارات الجوية المستمرة على استهداف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومنظومات الدفاع الجوي، وهو تكتيك يهدف إلى تجريد إيران من أوراق قوتها الإستراتيجية، ما قد يعني أنّ قدرة طهران على الاستمرار في الحرب تتآكل عسكرياً بشكل متسارع، وستحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي وإعادة البناء، حتى لو تمكّن النظام من البقاء.

وفي الوقت الذي كانت فيه القيادة الإيرانية تراهن على الضغط العالمي على الإدارة الأمريكية نتيجة الخسائر الاقتصادية المهولة التي يتسبب فيها إغلاق مضيق هرمز، تبدو الأخيرة بقيادة دونالد ترامب، مصمّمةً على استغلال حالة الضعف الإيرانية لفرض حسم نهائي للمواجهة، متجاهلةً التداعيات الاقتصادية العالمية المحتملة كارتفاع أسعار النفط وتهديد سلاسل توريد الغذاء.

كيف ازدادت وتيرة الاغتيالات؟

منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، شملت الاغتيالات عدداً كبيراً من القيادات العليا، على رأسها المرشد الإيراني علي خامنئي، ومستشاره الأمني علي شمخاني. كما أسفرت الهجمات في اليوم ذاته عن مقتل قائد الحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس أركان القوات المسلحة عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده. وامتدت الاستهدافات لتشمل كبير أمناء الجيش الإيراني محمد شيرازي، ورئيس المخابرات العسكرية صالح أسدي، ورئيس مركز أبحاث الأسلحة النووية الإيراني حسين جبل عامليان، بالإضافة إلى نائب رئيس قسم الإمداد والبحوث الصناعية اللواء محسن دارباغي، ورئيس المخابرات العامة غلام رضا رضائيان، ورئيس قسم التخطيط والعمليات العسكرية اللواء بهرام حسيني مطلق.

وفي 3 آذار/ مارس الجاري، طالت الاغتيالات وزير الدفاع ماجد بن الرضا، وذلك بعد يوم واحد فقط من تعيينه. وفي غارة جوية أخرى في جنوب لبنان خلال اليوم نفسه، تم اغتيال أحد كبار قادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، رضا خزاعي.

أما في 8 آذار/ مارس، فقد أسفرت غارة جوية استهدفت فندقاً في العاصمة اللبنانية بيروت عن مقتل مسؤول مالي رفيع المستوى هو ماجد حسيني، ورئيس استخبارات فيلق لبنان علي رضا، ورئيس استخبارات فيلق فلسطين أحمد رسولي، وضابط المخابرات حسين أحمدلو. وتلى ذلك في الثاني عشر من الشهر نفسه اغتيال قائد العمليات في وحدة الصواريخ التابعة للحرس الثوري الإيراني داخل تنظيم حزب الله في بيروت، "أبو ذر محمدي".

مع التفويض الإسرائيلي للجيش والموساد، ومع شلل القيادة المركزية في طهران ونقل قرار الحرب إلى يد الحرس الثوري. تتجرد هذه الحرب من الضوابط السياسية، ما يزيد مخاطر التصعيد والأخطاء الإستراتيجية بما فيها استهداف المدنيين، ويضعف فرص المفاوضات مستقبلاً

وفي 17 من آذار/ مارس، تمّ اغتيال علي لاريجاني إثر هجوم على منزل آمن في طهران. كما شمل الاغتيال قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني مع عدد من كبار مساعديه. وفي اليوم التالي تم إعلان اغتيال رئيس الاستخبارات الإيرانية، إسماعيل خطيب، الذي يُوصف بأنه مقرّب من مجتبى خامنئي.

هذه الاغتيالات وغيرها من "أسماء الظلّ" كالقيادات التي لا تظهر في الإعلام، والمطّلعين على الملف النووي، زادت بوتيرة غير مسبوقة، وهناك سبب لهذا الأمر.

كشف تقرير لـ"يديعوت أحرنوت"، عن تحوّل غير مسبوق في التوجيهات العسكرية الإسرائيلية، حيث منح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الجيش إسرائيل كاتس "تفويضاً مفتوحاً للجيش والموساد لتنفيذ عمليات اغتيال ضد كبار قادة إيران وحزب الله". وبموجب هذا التوجيه، لم يعد المستوى الأمني بحاجة إلى انتظار مصادقة المستوى السياسي عند توافر معلومات استخباراتية عاجلة، وذلك بهدف استغلال الفرص الفورية التي تتطلب تحرّكاً خلال دقائق معدودة لتعميق إنجازات الحرب.

في الأيام الأولى من الحرب أواخر شباط/ فبراير الماضي، اتسمت إستراتيجية الاغتيالات بالمركزية الشديدة والرقابة السياسية الصارمة. فضرب أهداف بحجم المرشد الأعلى علي خامنئي، ووزير الدفاع، وقادة الحرس الثوري، كانت تطلب تخطيطاً مسبقاً طويلاً ومصادقةً مباشرةً ودقيقةً من أعلى المستويات السياسية في إسرائيل، كرئيس الوزراء ومجلس الحرب. في تلك المرحلة، كانت كل عملية تحمل مخاطر جيوسياسيةً هائلةً، وكان الهدف هو توجيه "ضربات إستراتيجية صادمة ومفصلية" تتطلب إجماعاً سياسياً وتنسيقاً دولياً، خاصةً مع الولايات المتحدة.

أما بعد التفويض الحالي المفتوح، فتظهر سمة اللامركزية والسرعة، والتي قد تأتي على حساب قصف أهداف مدنية، أو بمعنى آخر كل مسؤول إيراني صار هدفاً بغض النظر عن الكلفة السياسية! فمع دخول الحرب أسبوعها الثالث، ونجاح مرحلة "الصدمة الأولى"، تحوّلت الإستراتيجية الإسرائيلية إلى اللامركزية.

العسكر يقودون الحرب

بناءً على ما سبق، يبدو أنّ مسارات الحرب تشهد تغييراً جذرياً في آليات إدارة الصراع لدى كل من إسرائيل وإيران، حيث انتقل مركز الثقل في اتخاذ القرار من الأروقة السياسية إلى غرف العمليات العسكرية والاستخباراتية. وتُعرف هذه الظاهرة إستراتيجياً بانهيار سلسلة القيادة المركزية، وتحدث عندما يبلغ الصراع مستويات شديدة الحدة تجعل من البيروقراطية السياسية عائقاً مميتاً أمام الضرورات الميدانية الخاطفة، أو عندما يختفي أو يُقتل القادة.

على الجانب الإسرائيلي، اتخذ المستوى السياسي بالفعل قراره الإستراتيجي الشامل بتصفية الهيكل القيادي الإيراني، مما جعل العودة إلى رئيس الوزراء أو وزير الدفاع للمصادقة على كل عملية منفردة بمثابة هدر لفرص عملياتية لا تعوّض. فالقيادات الإيرانية المتبقية لم تعد تمارس مهامها من مقار رسمية ومكشوفة، بل باتت تتحرك بحذر شديد وتظهر وتختفي في غضون دقائق معدودة كأهداف شديدة الحساسية تجاه الوقت. ولهذا السبب، تم منح تفويض مفتوح للميدان والموساد للتحرك الفوري بمجرد توافر المعلومة الاستخباراتية، لتتحوّل الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى نظام هجومي يعتمد على الرصد والتنفيذ اللحظي بعيداً عن كوابح الحسابات السياسية الروتينية.

في المقابل، فرضت حملة الاغتيالات التي طالت رأس الهرم في طهران واقعاً تكتيكياً جديداً قادراً على شلّ النظام الإيراني الذي لطالما عُرف بمركزيته الشديدة وارتباطه المباشر بالمرشد. فقد أدرك من تبقّى من المسؤولين أنّ التواجد في دوائر صنع القرار التقليدية أو مجرد استخدام شبكات الاتصال المعتادة يعني الاستهداف الحتمي، مما اضطرهم إلى النزول إلى الملاجئ وتطبيق صمت إلكتروني ولاسلكي صارم. هذه العزلة الإجبارية جعلت دورة اتخاذ القرار المركزي بطيئةً جداً ومكلفةً، ولا تتناسب بأيّ شكل مع وتيرة الهجمات الإسرائيلية المتسارعة.

ولتجنّب حالة الشلل التام وانهيار المنظومة، اضطرت القيادة الإيرانية إلى نقل صلاحيات اتخاذ القرار إلى المستوى الميداني والاستخباراتي في الحرس الثوري بحسب "رويترز". وبناءً على هذا التفويض، أصبح قادة القواعد الصاروخية ورؤساء الوحدات الإقليمية يمتلكون حرية إدارة العمليات، وإطلاق الصواريخ، وتوجيه الردود التكتيكية دون الحاجة إلى انتظار أوامر صريحة من طهران. هذا التكتيك يهدف بالأساس إلى ضمان استمرار الآلة العسكرية الإيرانية في العمل وإدامة حالة الاشتباك، حتى لو تم عزل القيادة المركزية أو الإطاحة بها بالكامل.

يخلق هذا الانتقال المزدوج للقرار من أيدي السياسيين إلى العسكريين عند طرفَي الصراع بيئة حرب بالغة الخطورة وتفتقر إلى أيّ فرامل حقيقية. فالسياسيون بطبيعة عملهم يوازنون بين المكاسب العسكرية والتبعات الدبلوماسية، ويبحثون عن مخارج تفاوضية. أما عندما تتولى القيادات الميدانية والمخابراتية إدارة دفّة الصراع بالكامل، فيصبح المعيار الوحيد هو تدمير الخصم وتحقيق البقاء التكتيكي، مما يُغلق الباب أمام أي وساطات دولية ويضاعف من احتمالات ارتكاب أخطاء إستراتيجية قد تدفع الصراع نحو مستويات أشدّ تدميراً.





رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Donation image desktop Donation image mobile