لم يعد العالم كما كان بعدما هدأت صافرات السفن والبواخر وناقلات النفط العملاقة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي التي تصل الشرق الغرب، فإغلاقه -الجزئي أو الكلي- أعلن بداية مرحلة تاريخية من إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للطاقة. وفي مقابل الهدوء على المضيق لم يهدأ ضجيج الأسواق العالمية.
إغلاق هذا المضيق، الذي كان يمر عبره يومياً أكثر من عشرين مليون برميل من النفط إلى العالم، لم يكن مجرد حادث عسكري عابر في سياق الحرب على إيران، بل كان الزلزال الذي حطم عقيدة "أمن الطاقة التقليدي" وأجبر القوى العظمى على الركض في سباق محموم نحو بدائل كانت حتى وقت قريب تُعتبر ثانوية أو بعيدة المنال.
ينما تتصاعد المخاوف الدولية من قصف المنشآت النفطية في جزيرة خارك الإيرانية، التي تمثل نقطة ضعف مشتركة لإيران والعالم، يحذّر خبراء من أن الاضطراب الذي شهدته أسواق النفط حتى الآن ليس سوى تمرين صغير مقارنة بما قد يحدث إذا تعرّضت الجزيرة لضربة. عندها سيجد العالم نفسه أمام معضلة كبرى: كيف يمكن تعويض خُمس استهلاك النفط العالمي في ظل بيئة دولية متوترة ومثقلة بالتضخم. من هنا بدأ العالم سباقاً محموماً في البحث عن بدائل مضيق هرمز في أسرع وقت ممكن.
خط شرق غرب
كشفت الأزمة الحالية أن الاعتماد على البحار والممرات المائية الضيقة كان "كعب أخيل" للاقتصاد العالمي، مما دفع دولاً مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى تفعيل "خطط الهروب الكبير" نحو اليابسة.
تشير التقارير المحدثة من "أرامكو" ووكالة الطاقة الدولية إلى أن خط الأنابيب السعودي (شرق - غرب) بات اليوم يمثل الرئة الوحيدة القادرة على ضخ سبعة ملايين برميل يومياً نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعيداً عن نيران الخليج، في حين تحول خط أنابيب "حبشان - الفجيرة" الإماراتي إلى ممر استراتيجي ينقل قرابة مليوني برميل مباشرة إلى مياه الخليج العربي.
حطّم إغلاق مضيق هرمز عقيدة أمن الطاقة التقليدية، وكشف عن هشاشة الاعتماد على الممرات المائية المحكومة بالسياسة، لذا تسرّع القوى العظمى في "الانزياح لليابسة"، أي تفعيل خطوط الأنابيب والسكك الحديدية القارية كبدائل استراتيجية ومستقرة للتصدير
هذا الخط الذي شيد في أوائل الثمانينيات عندما كانت الحرب العراقية–الإيرانية تهدد الملاحة في الخليج. كان دائما الخطة الاحتياطية في حال إغلاق مضيق هرمز، لكن هل يفي بالغرض؟
ونقلت الصحيفة عن أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، قوله إنه "رغم أننا واجهنا اضطرابات في الماضي، فإن ما يحدث الآن هو أكبر أزمة تتعرض لها صناعة النفط والغاز في المنطقة على الإطلاق".
ورغم هذه الجهود الجبارة، فإن التقارير تؤكد بمرارة أن هذه المسارات البرية، رغم كفاءتها، لا تستطيع تعويض أكثر من 40% من العجز الإجمالي، مما يترك فجوة هائلة في الأسواق دفعت بخام برنت لتجاوز عتبة 120 دولار، مع توقعات تشير إلى أن الرحلة نحو 150 دولاراً قد بدأت بالفعل.
روسيا هي الرابحة
في هذا المشهد الضبابي، يبرز "الدب الروسي" كأكبر الرابحين من نيران الحرب المشتعلة في إيران، حيث منحت إيران بإغلاقها للمضيق موسكو قوة تفاوضية لم تكن تحلم بها حتى في ذروة نفوذها السوفيتي. فالمفارقة الجيوسياسية الصارخة تكمن في أن الغاز والنفط الروسي، اللذين كانا تحت مقصلة العقوبات الغربية وبالذات الأمريكية، صارا اليوم "ضرورة أمنية" لضمان بقاء المصانع والبيوت في أوروبا وآسيا دافئة.
أما المشهد الذي يكرس "الكوميديا السوداء" في السياسة، فهي أن الاتحاد الأوروبي في 26 كانون الثاني/ يناير من العام الحالي، أي قبل شهر واحد من الحرب أعلنت الاتحاد الأوروبي بشكل نهائي، حظر استيراد الغاز الروسي بحلول أواخر عام 2027، ما يجعل تعهدها بقطع العلاقات مع ما كانت أكبر دولة موردة لها ملزماً قانوناً، وذلك بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات على الحرب الروسية الأوكرانية.
"الكوميديا السوداء" أيضاً ظهرت بقوة حين أدركت واشنطن، في لحظة براغماتية قاسية، أن الإصرار على محاصرة روسيا تزامناً مع إغلاق هرمز سيعني انهياراً كاملاً لسلاسل الإمداد العالمية؛ لذا جاء "الاستثناء" الأمريكي الممنوح للهند لاستيراد الغاز والنفط الروسي كإشارة واضحة على تراجع الأيديولوجيا أمام واقع الأرقام.
في طل الأزمة سرّعت الصين استراتيجية "الحزام والطريق" في شقها البري لتفادي خطر التوقف الصناعي، محولةً تحالفها مع روسيا إلى "طوق نجاة" وجودي.
بروز روسيا كمنقذ عالمي في معادلة الطاقة، أجبرت الأزمة واشنطن وأوروبا على ممارسة براغماتية مؤلمة تجاوزت العقوبات الأيديولوجية، مما منح الكرملين شرعية اقتصادية وقدرة تفاوضية غير مسبوقة أعادت إحياء مشروع القارة الأوراسية.
هذا التحول، عكس اعترافاً أمريكياً بأن روسيا أصبحت اليوم صمام الأمان الوحيد المتبقي لمنع حدوث كساد عالمي شامل، وهو ما منح الكرملين شرعية اقتصادية جديدة وقدرة على المناورة داخل الساحة الأوروبية التي بدأت تبحث سراً عن سبل لإعادة تفعيل خطوط الأنابيب البرية مع الشرق، فيما تذهب بعض التوقعات المتفائلة إلى أن زمن القارة الأوراسية السياسي قد بدأ بالفعل، وهي النبوءة أو الفرضية التي تقول إن الحضارة الروسية ليست "أوروبية" ولا "آسيوية"، وإنما تندرج تحت مفهوم الأوراسية، بينما أخذ البعض الفرضية لمكان أبعد وهو أن المجال الجغرافي الذي يضم أوروبا وروسيا هو مجال جيوسياسي موحد هو الأوراسي.
بدائل أخرى
بالتوازي مع الحراك الروسي، يبرز "الممر الأوسط"، وهو الطريق العابر لبحر قزوين كلاعب استراتيجي جديد يعيد رسم ملامح "السيادة الطاقوية" في أوراسيا. هذا المسار يربط ثروات كازاخستان وتركمانستان بقلب أوروبا عبر أذربيجان وجورجيا وصولاً إلى تركيا، لا يمثل مجرد ممر تجاري، بل هو محاولة عالمية جادة للإفلات من فكي كماشة مضيق هرمز من جهة، والاعتماد المطلق على المسارات الروسية من جهة أخرى. ومن خلال دمج حقول النفط في آسيا الوسطى مع خط أنابيب "باكو-تبليسي-جيهان" (BTC)، يحصل العالم على شريان بري-بحري مختلط يصب مباشرة في مياه البحر المتوسط، مما يخلق توازناً جيوسياسياً يمنح القارة الأوروبية هامشاً أوسع للمناورة بعيداً عن تقلبات الخليج العربي ونيران صراعاته المشتعلة.
أما على الصعيد الإقليمي، فتتجه الأنظار نحو "شريان النجاة العراقي المتمثل في مشروع أنبوب البصرة-العقبة، الذي تحول بفعل الأزمة من فكرة مؤجلة إلى ضرورة وجودية للدولة الأكثر انكشافاً أمام إغلاق هرمز.
هذا الأنبوب، الذي يشق طريقه من حقول الجنوب العراقي مروراً بالأراضي الأردنية ليصل إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر، كان يهدف إلى تحرير القرار العراقي من ارتهانه الجغرافي القاتل للمضيق، وبتحويل العقبة إلى منصة تصدير دولية، لا يؤمن العراق وصولاً مباشراً لأسواق أفريقيا وأوروبا فحسب، بل يفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً يربط المشرق العربي ببعضه عبر مصالح اقتصادية صلبة، قد تجعل من الأردن حلقة وصل حيوية في "عصر الأنابيب" الذي بدأ يسحب البساط من تحت أقدام الناقلات البحرية.
الصين تسرع في ممر "الحزام والطريق"
أما الصين، القوة الصناعية التي تستهلك النفط كما تتنفس الأوكسجين، فقد وجدت نفسها في قلب العاصفة، مما دفعها لتسريع استراتيجية "الحزام والطريق" في شقها البري بمعدلات غير مسبوقة. لكن بكين، التي استعدت لهذا السيناريو عبر تخزين احتياطيات استراتيجية تكفيها لثلاثة أشهر فقط، باتت الآن تعتمد بشكل كلي على شبكة الأنابيب العابرة لآسيا الوسطى وروسيا، مع تكثيف عمليات النقل عبر السكك الحديدية القارية.
ولعل ما يصفه "معهد تشاتام هاوس" في ورقته بـ"الانزياح نحو اليابسة"، هو في حقيقته مجرد إعادة تعريف للقوة؛ فالتحالف الصيني - الروسي في مجال الطاقة لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح طوق نجاة للصناعة الصينية التي تواجه خطر التوقف إذا ما استمر التوتر في بحر العرب. هذا المشهد أعاد لروسيا هيبتها كـ "خزان وقود العالم"، وجعل من القوة الروسية اليوم واقعاً لا يمكن تجاوزه حتى من قِبل أشد خصومها في حلف الناتو.
اليوم، تتمثل أهم بدائل هرمز في: "الممر الأوسط" الرابط بين آسيا الوسطى وأوروبا عبر تركيا، وأنبوب "البصرة-العقبة" الممتد من جنوب العراق للبحر الأحمر عبر الأردن، وخط "شرق-غرب" السعودي المنتهي في ينبع... فمن ينتصر في حرب الوقت مع الجغرافيا؟
في المقابل تشير تحليلات "معهد كارنيغي للسلام" إلى لعبة توازن خطرة تجري خلف الكواليس. إسرائيل، التي تسعى لتقويض التمدد الإيراني، تدرك تماماً أن تدمير كامل البنية التحتية النفطية الإيرانية قد يرتد وبالاً على حلفائها الغربيين عبر رفع الأسعار لمستويات لا يمكن تحملها، لكن غايتها من الحرب قد تجعلها تتجاوز الخطر العالمي لمصلحتها الفردية!
لذا، ثمة "ضبط نفس" مفروض على تل أبيب من قبل واشنطن، التي تخشى من تأثير الفراشة؛ فأي ضربة إضافية غير محسوبة قد تؤدي إلى سخط شعبي واسع في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع أسعار الغالون في محطات الوقود. وغضب دولي في الغرب. هذا التردد الاستراتيجي يعكس حقيقة أن القوة العسكرية لم تعد كافية لحسم الصراعات في عصر "الترابط الطاقوي"، وأن الولايات المتحدة، رغم إنتاجها الضخم للنفط الصخري، تظل رهينة للاستقرار السعري العالمي الذي بات اليوم في يد موسكو وطرق التجارة البديلة.
هل بدأ العالم الأوراسي؟
ومع كل ما سبق، لا يمكن إغفال "الأزمة المنسية" التي لفتت إليها مراكز الدراسات الدولية، وهي أزمة الأسمدة والغذاء لاتي ستنتج عن توقف صادرات الغاز من هرمز. فالغاز هو المادة الخام لإنتاج الأسمدة، وتوقف تدفقه يعني تهديداً مباشراً للأمن الغذائي العالمي، وبالذات في دول مثل الهند ومصر والبرازيل التي يعتمد عليها العالم في استيراد المواد الأساسية.
هذا البعد الإنساني والاقتصادي العميق جعل من البحث عن "بدائل هرمز" قضية حياة أو موت لمئات الملايين من البشر، وقضية وجودية لقوى عظمى تريد الحفاظ على ثقلها الوازن في المحافل الدولية وأمام شعوبها، حيث تظهر الأرقام أن أسعار المواد الغذائية الأساسية بدأت بالارتفاع بمجرد إغلاق المضيق، مما يضع الدول لا الحكومات أمام خيارات صعبة قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية.
لذا، ومن أجل تأمين استمرار تدفق الطاقة، يمكن فهم لماذا يتحدث العالم اليوم عن "الممر الشمالي" الروسي، وعن أنابيب الغاز العابرة للصحراء الإفريقية كحلول مستقبلية يجب البدء بها فوراً.
إغلاق مضيق هرمز أنهى للأبد أسطورة "الممرات المائية الآمنة" كركيزة وحيدة للتجارة الدولية. والعالم بطبيعة الحال كان يتجه نحو الممرات ويدخل عصر الأنابيب، والسكك الحديدية، حيث تصبح السيادة للدول التي تمتلك أراض شاسعة وممرات برية مستقرة.
لقد منحت هذه الحرب روسيا قوة استثنائية وجعلتها "الرجل الضروري" في معادلة الطاقة العالمية، وأجبرت القوى الغربية على ممارسة براغماتية مؤلمة تتجاوز صراعات القيم. لذا فالبدائل التي يتم تفعيلها اليوم من السعودية والإمارات، وصولاً إلى أوروبا والهند والاعتماد المتزايد على روسيا، والتحولات الجيوسياسية في الصين، كلها ترسم ملامح عالم جديد لا يعتمد على "مضيق" واحد، بل على شبكة معقدة من المسارات التي لا يستطيع أحد إغلاقها بقرار عسكري واحد. فالجرح الذي تركه إغلاق مضيق هرمز في جسد الاقتصاد العالمي قد غير مسار التاريخ بالفعل، وربما نحو القارة الأوراسية.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
