هل تدشّن السعودية وباكستان

هل تدشّن السعودية وباكستان "ناتو الشرق الأوسط"؟

سياسة نحن والحقوق الأساسية

الاثنين 16 مارس 20269 دقائق للقراءة

أثار اتفاق الدفاع الاستراتيجي الذي وقعته السعودية وباكستان فضول المجتمع الدولي، وتساؤلاته، وربما بعض تخوفات، حول القوة التي قد تنتج من تلاقي اثنتين من أكبر الدول في الشرق الأوسط اقتصادياً ونووياً وجغرافياً.

الاتفاق الذي وُقّع في 17 أيلول/سبتمبر 2025 في الرياض يشمل كثيراً من البنود، لكن البند الذي ينص على أن "أي اعتداء على أحد البلدين يُعد اعتداءً على الآخر". جعل الاتفاقية محل مقارنة مع اتفاقية الناتو، أو كما وصفتها بعض مراكز الدراسات بأنها بداية "ناتو الشرق الأوسط" أو "الناتو الإسلامي".

هل فقد الخليج ثقته بواشنطن... أم بترامب؟

فالاتفاقية وما تبعها من تصريحات لوزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، بأن القدرات النووية الباكستانية ستكون "متاحة" للمملكة، تمثل انعطافاً تاريخياً في عقيدة الدفاع السعودية، وانتقالاً مدروساً نحو "الخطة ب" بعد أن أثبتت واشنطن أنها حليف لا يمكن الوثوق ببوصلته إذا كانت إسرائيل على الجبهة الأخرى.

لذا، فلا يمكن أن نقول أن لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة في 12 من آذار/ مارس الحالي مجرد لقاء بروتوكولي لمناقشة العلاقات الثنائية؛ فقد يكون إعلاناً رسمياً عن ولادة خارطة أمنية جديدة، تضع حداً للارتهان المطلق للضمانات الأمنية الأمريكية، لا سيما مع الغضب الخليجي من واشنطن -أو من ترامب- من وضع دول مجلس التعاون في مرمى صواريخ الرد الإيرانية، دون استشارتهم في هذه الحرب أو تجهيزهم لها أو موافقتهم عليها. وفي قراءة أقل حدة، ربما يكون الخليج قد أدرك أن أمنه مرتبط بقرار الرئيس الأمريكي لا سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاهه.

لعل قصف الدوحة من قبل إسرائيل هي اللحظة التي أدركت فيها الرياض أن الحماية الأمريكية ليست "مظلة" بل هي "غربال" يمرر المصالح الإسرائيلية حتى لو كانت على حساب أمن أهم حلفاء واشنطن، لذا تم الاستعجال في توقيع اتفاق الدفاع المشترك مع إسلام آباد، بدلاً من توجيه الجهود نحو معاتبة واشنطن

لم يأتِ هذا التحرك السعودي-الباكستاني من فراغ، بل كان تحركاً طبيعياً في وجه "الخذلان" الذي شعر به مجلس التعاون الخليجي، ليس في الحرب الحالية، بل في التاسع من أيلول/ سبتمبر الماضي، حين قصفت إسرائيل قلب العاصمة القطرية الدوحة بذريعة استهداف قيادات حماس، حينها وقف العالم والخليج مذهولاً من صمت الدفاعات الأمريكية في قاعدة "العديد" التي لم تحرك ساكناً لاعتراض الصواريخ الإسرائيلية.

لعلها اللحظة التي أدركت فيها الرياض أن الحماية الأمريكية ليست "مظلة" بل هي "غربال" يمرر المصالح الإسرائيلية حتى لو كانت على حساب أمن أهم حلفاء واشنطن، لذا تم الاستعجال في توقيع الاتفاق مع إسلام آباد، بدلاً من توجيه الجهود نحو معاتبة واشنطن. فتنويع الخيارات الدفاعية السعودية -دون إغضاب الولايات المتحدة- هو رد فعل طبيعي على جعل من العواصم الخليجية "ساحة خلفية" لتصفية الحسابات.

الشرق أقرب

في دراسة نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في 19 أيلول/ سبتمبر 2025، يشير الكاتب سيمون هندرسون إلى أن "الاتفاق يهدف أساساً إلى تعزيز الردع الإقليمي وإرسال رسالة سياسية إلى الخصوم، لكنه قد يحمل أيضاً آثاراً أوسع تتعلق بانتشار التكنولوجيا النووية أو التعاون في برامج الطاقة النووية".

تكهّن بعض المراقبين بأن السعوديين قد يحصلون الآن على إمكانية الوصول إلى الترسانة النووية الباكستانية. وعندما سُئل مسؤول سعودي رفيع عمّا إذا كانت باكستان ستكون ملزمة بتوفير "مظلّة نووية" للمملكة، قال: "هذا اتفاق دفاعي شامل يشمل جميع الوسائل العسكرية." ومنذ عام 1998، أنتجت باكستان ما يُقدَّر بنحو 170 رأساً نووياً يمكن إطلاقها عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات أو الصواريخ المجنحة.

قد نكون بصدد حلف جديد مقابل الحلف المتشكل بين الهند وإسرائيل، فباكستان، بامتلاكها نحو 170 رأساً نووياً، تمنح الرياض "المظلة" التي طالما حرمتها منها واشنطن، وتخلق توازناً للرعب أمام إسرائيل.

وأيضاً: "طموحات الرياض النووية فقد أصبحت أكثر وضوحاً مع مرور السنوات. ففي عام 2018 قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مقابلة مع برنامج 60 Minutes: "السعودية لا تريد امتلاك قنبلة نووية، لكن من دون شك، إذا طورت إيران قنبلة نووية فسنحذو حذوها في أسرع وقت ممكن"، وفي عام 2022 قال وزير الخارجية السعودي خلال مؤتمر في دبي: "إذا حصلت إيران على سلاح نووي عامل، فكل الاحتمالات تصبح مفتوحة". لذا فقد تكون الحرب الحالية جواب الشرط على الـ "إذا السعودية".

الحلم السعودي النووي

تشير دراسة معهد واشنطن إلى أن السعودية دائماً ما امتلكت خططاً لإنشاء منشأة تخصيب تعتمد على أجهزة الطرد المركزي، كما أن المملكة ما زالت تقيّد وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض منشآتها. و"يقرّ مسؤولون غربيون مطّلعون أيضاً بأن المملكة كانت الزبون الرابع غير المعلن للعالم النووي الباكستاني الراحل عبد القدير خان، الذي باع معدات الطرد المركزي لإيران وليبيا وكوريا الشمالية.

ففي عام 1999 زار وزير الدفاع السعودي آنذاك الأمير سلطان، الشقيق الكامل للملك الحالي، منشأة التخصيب الرئيسية في باكستان في كاهوتا.وتعود المخاوف بشأن خطط السعودية النووية إلى وقت أبكر، تحديداً إلى عام 1988 عندما اشترت المملكة من الصين صواريخ دونغ فنغ-3 بعيدة المدى والقادرة على حمل رؤوس نووية. ولم يكتشف المسؤولون الأمريكيون هذه الصفقة إلا بعدما شوهدت الصواريخ محمولة على شاحنات أثناء نقلها إلى مواقع إطلاقها في الصحراء السعودية".

لكن القوة تأتي في أن الاتفاقية الدفاعية الجديدة دمجاً بين الفائض المالي السعودي والجيش الباكستاني العملاق المصنف في المرتبة 12 عالمياً. وحين يتحدث وزير الدفاع الباكستاني عن "ناتو إسلامي مصغر" واستخدام "كل القدرات" للدفاع عن البلدين، فإنه يشير علناً إلى الردع النووي.

هنا، قد نكون بصدد تشكل حلف جديد مقابل الحلف الذي يتشكل بين الهند وإسرائيل، فباكستان، بامتلاكها نحو 170 رأساً نووياً ومنصات باليستية متطورة، تمنح الرياض "المظلة" التي حرمتها منها واشنطن، وتخلق توازناً للرعب أمام إسرائيل التي ظنت لسنوات أنها الوحيدة التي تملك مفاتيح الردع النووي في المنطقة.

الاتفاقية لا تعني تخلي الخليج عن التحالف الأمريكي، بل تنويع مصادر الحماية في ظل بيئة إقليمية متقلبة. مع إمكانية الانتقال إلى إطار أوسع يضم دولاً خليجية ومصر وتركيا، ما قد يعني انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من التوازنات التي لا تحددها القوى الغربية وحدها بل تشارك فيها قوى آسيوية وإسلامية

لذا فهذا التحالف يضيق الخناق أيضاً على المحور "الهندي-الإسرائيلي" المتنامي؛ فبينما تعزز نيودلهي شراكتها مع تل أبيب، ترد إسلام آباد والرياض بربط جنوب آسيا بالخليج في شبكة دفاعية واحدة، فالسعودية لم تعد تكتفي بشراء السلاح، بل تسعى لتوطين صناعات المسيّرات والطائرات المقاتلة بالتعاون مع شريك أثبت وفاءه على مدى سبعة عقود، وهو ما تسعى إليه أيضاً في استثماراتها في شركات الدفاع في الاتحاد الأوروبي.

نقطة قوة أخرى... علاقة طهران بإسلام أباد

اللافت في هذا المشهد هو التحول الدراماتيكي في علاقات إسلام آباد وطهران. ولعل الزيارة التي وصفت بـ "التاريخية" للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكستان وتوقيع 12 اتفاقية أمنية واقتصادية، تعكس ذكاءً باكستانياً في إدارة التوازنات. فباكستان لطالما دافعت عن حق إيران في "الأنشطة النووية السلمية" وأدانت العدوان الإسرائيلي عليها، وهي اليوم تلعب الآن دور "الوسيط الموثوق" بين طهران وواشنطن، وبين طهران والرياض.

هذا التقارب الإيراني-الباكستاني يخدم السعودية استراتيجياً؛ فهو يحيد خطر الصدام المباشر مع إيران بقوة الوسيط، لذا، يرى البعض أن التنسيق السعودي الباكستاني بشأن "تداعيات التصعيد العسكري الجاري" هو إشارة إلى أن أمن المنطقة لم يعد "مشاعاً" للقرار الأمريكي.

وبحسب ورقة نشرها البيت الخليجي للدراسات، ترى الكاتبة وجدان بوعبدالله أن "الخيار السعودي” أو “الخطة ب” في السياسة الأمنية الإقليمية هي الالتفاف شرقاً.

تقول الكاتبة إن السعودية بدأت البحث عن بدائل أمنية خارج المظلة الأمريكية بعد تصاعد الشعور في الخليج بأن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد موثوقة بالكامل، وفي هذا السياق، جاءت الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وباكستان كخطوة استراتيجية تعزز الردع العسكري وتربط الخليج بجنوب آسيا في شبكة دفاعية مشتركة، بحيث يُعتبر أي اعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى. ويُنظر إلى هذه الخطوة كتحول مهم في معادلة الأمن الإقليمي، لأنها تُدخل قوة نووية مثل باكستان في معادلة أمن الخليج".

كما توضح الورقة أن هذا الخيار لا يعني بالضرورة التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة، بل تنويع مصادر الحماية الاستراتيجية في ظل بيئة إقليمية متقلبة. ويرى بعض المراقبين أن الاتفاق قد يتطور إلى إطار أوسع يضم دولاً خليجية ودولاً مثل مصر وتركيا. وبذلك تعكس الخطوة انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من التوازنات الأمنية التي لا تحددها القوى الغربية وحدها بل تشارك فيها قوى آسيوية وإسلامية.

بهذا المعنى، باتت الرسالة إلى واشنطن وتل أبيب واضحة: إذا كانت المظلة الأمريكية قد ثُقبت بقرار ترامب، فإن المظلة النووية الباكستانية المدعومة بالعمق الاستراتيجي والديني هي البديل الذي سيحمي الخليج.




رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

في زمن السرديات الجاهزة، نحن نروي الحقيقة…

استقلاليتنا هي ملك لجمهورنا. ساعدنا لنتخطى الظروف الصعبة ونحافظ على صوتنا حراً.

Website by WhiteBeard
Popup Image