لستُ بخير، هذه المدونة الأولى التي أكتبها ودموعي تسبق كلماتي، وربما هذا أوّل عيد لا أشعر أنه عيد، فأنا لا أجيد تمثيل دور القوي الذي لا ينكسر، ولا أعرف اصطناع الضحكات الباهتة، ولا أن أبتسم حين لا أشعر بذلك، ولا كيف أقول "أنا بخير" فقط لأنه يجب الرد هكذا. ما انكسر في داخلي لا يمكن تجميله أو ترميمه بالكلمات المنمّقة أو المجاملات الموسمية.
لستُ بخير، هكذا أردّ على كل من يقول لي: "كل عام وأنتِ بخير". لم أتخيّل أن تكون الكلمات ثقيلة إلى هذا الحد في وصف الحنين لقريتي. هذا العام لن أرى وردات الدار ولا ألمسها، ولا تلك الزاوية التي كنت أجلس فيها وأشرب قهوتي بصمت، وكأنني أتصالح مع نفسي هناك، وكأنني أملك العالم بما فيه.
في كل عام كنتُ ألتقط صورة الفنجان مع حديقة المنزل، كأنها إيذانٌ بقدوم العيد، أمّا هذا العام فسأراجع الصور القديمة على هاتفي، وأبكي على ظلّ شجرة أفتقدها وعلى ربيعٍ كنتُ أنتظر قدومه بشوق، لأعانق الورود والحبق التي تستعيد حياتها وتنشر عبقها وشذاها.
أعدك يا بيتي أنّ كل ركعة صلاة في هذا العيد ستحمل دعوةً لك، سأبقي المفتاح وأضمّه عندما أشتاقك، فهو ليس قطعة حديدية، إنّه الشعور بالأمان والحب واللمّة التي لا تُعوّض
هذا العيد الأول الذي يمرّ وأبوابنا موصدة، بعدما كانت تنتظر طرقات المحبين بفارغ الصبر وتُفتح منذ الصباح الباكر لاستقبالهم. وبدلاً من أن نستيقظ لنحضّر الملابس ونرتّب صواني الشوكولا بحماس، وعوضاً عن أن يسأل الأطفال عن ثيابهم وعن عيديّة جدهم وعن الزيارات، كبروا ألف عام بعام واحد، وصار عيدنا كأهلٍ أن نراهم بخير ويبتسمون، ونحن نسأل بغصّة: "بالنسبة لبكرا شو؟".
لا يكتمل العيد بدون وجه أمي وهي منهمكة في المطبخ وتعدّ التبولة والفراكة، لا أشعر به بدون ضحكتها التي لا تفارقها، وبدون رائحة "اللحم المشوي" التي تفوح من كل منزل. لا يكتمل العيد بدون والدي وهو يقف أمام "المنقل" محاطاً بأحفاده وضحكاتهم وضجيجهم. هذا العام لا رائحة للحب والدفء، نعم لستُ بخير، لا أشعر بالفرق إن بقيتُ صائمة أم حلّ العيد.
لكل منّا بيته الذي يعتبره الحضن الدافئ عندما يصدمه الخارج، بيتٌ يشهد على مراحل ضعفنا وقوتنا، بيتٌ يعرف أحزاننا وانكسارنا ويطبطب علينا. لبيوتنا قلب ينبض فرحاً بأفراحنا، وذاكرة تحفظ تفاصيلنا الصغيرة. نتمنّى لو كان بإمكاننا حمل بيوتنا وذكرياتنا بقلوبنا. كثيراً ما أفكر إذا ما كان منزلي يشعر بوحشة عندما تقترب أصوات الغارات، هل الزجاج يتألّم إذا انكسر، هل يلومني على البُعد؟ هل تنتظرني الزاوية التي اعتدت أن أسهر فيها؟ ألا يشتاق البيانو لأنامل ابنتي؟ ألا تسأل الألعاب عن أطفالي؟ ألا تفتقد ساحة المنزل أصواتهم؟
يا قريتي الحبيبة، اعذرينا لأننا لم نستقبل العيد كما يليقُ بك وبنا، نحنُ هنا جسداً وهناك روحاً، لأوّل مرة يحلُّ العيد وأنتِ لستِ وجهتنا، صدّقي أنّنا لا نحتاج ثياباً جديدة، بقدر حاجتنا إلى طريقٍ آمن يعيدنا إليك، وستبقى العودةُ هي "العيدية" والعيدُ مؤجلٌ حتى تضمّينا تحت جناحك
أشتاق لطقطقة المفتاح في الباب، لتلك اللحظة الصغيرة التي كانت تعلن أننا عُدنا، وأنّ كلّ شيء بخير. نعم بيتي عادي بعيون كثيرين لكنه عالمي وطمأنينتي وملجأي وحياتي بأكملها، وأثق أنّه سينتظرني، فالبيوت تسكننا كما نسكنها، تبكي على غياب أهلها.. إنّها خلاصة العمر، وتعب السنين، وسهر الليالي التي مرّت ونحن نبني فيه ونرسمُ أحلامنا بصمت.
أعدك يا بيتي أنّ كل ركعة صلاة في هذا العيد ستحمل دعوةً لك، سأبقي المفتاح وأضمّه عندما أشتاقك، فهو ليس قطعة حديدية، إنّه الشعور بالأمان والحب واللمّة التي لا تُعوّض.
وأنتِ يا قريتي الحبيبة "قليا"، حارسةُ الذكريات وشرفة البقاع على الجنوب، يؤلمنا هذا الصمت البعيد والمرّ، اطمئنّي لن تبقي وحيدةً على كتف النهر، نحملك في ثنايا الروح وطناً صغيراً وصلاتنا لك لا تنقطع، نجمع كلّ تفاصيلك في دعائنا. نعلمُ أنك تتنهدين كأمٍّ تفتقد أبناءها الذين غادروها على عجل بدون قبلة وداع على جبينها، تسألين عن البيوت التي كانت تضجّ بالحياة والمحبة والضحكات العالية الغالية رغم التعب، وكأنك هرمتِ فجأة وبقيت وحيدةً، تسألين "كيف لأمٍّ أن تتيتّم؟"، تفتقدين أصوات الأطفال وضجيجهم ومفرقعات العيد في زواريبك.
يا قريتي الحبيبة، اعذرينا لأننا لم نستقبل العيد كما يليقُ بك وبنا، نحنُ هنا جسداً وهناك روحاً، لأوّل مرة يحلُّ العيد وأنتِ لستِ وجهتنا، صدّقي أنّنا لا نحتاج ثياباً جديدة، بقدر حاجتنا إلى طريقٍ آمن يعيدنا إليك، وستبقى العودةُ هي "العيدية" والعيدُ مؤجلٌ حتى تضمّينا تحت جناحك وتسمعين أصوات أقفال الأبواب المغلقة وهي تفتح بسلام مرحّبةً بعودة الروح، وتعود السهرات والجلسات والأحاديث والقهقهات والفرحة والسلام لأهلك.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
