إذا تأملنا دراما رمضان هذا العام، سنجد أن كثيراً من المسلسلات، على اختلاف حكاياتها ووجوهها وصناعها، تتقاطع عند ملامح بعينها، من أبرزها العودة إلى ملفات المحاكم واستلهام وقائع حقيقية شغلت الرأي العام المصري في أزمنة مختلفة؛ منها ما يستند إلى حادثة محددة ومنها ما يناقش قضايا عامة.
وسط هذا الزخم يبرز في الصدارة مسلسل "حكاية نرجس" (فكرة وإخراج سامح علاء، سيناريو عمار صبري)، ليس لأنه مستوحى من قصة حقيقية لافتة، مشبعة بعناصر الجذب الدرامي, من شخصية متلاعبة أثارت حكايتها اهتمام وسائل الإعلام، وأفعال إجرامية تمس الأطفال، تستدعي تدبر ملابساتها، ولكن لأن صُناع المسلسل التقطوا جوهر الحكاية وانشغلوا بصياغتها داخل بناء سردي متعدد الطبقات، يمضي بالعمل نحو مساحة أوسع لتأمل تعقيدات النفس البشرية، وتفكيك الدوافع التي قد تقود الإنسان إلى أفعاله الأكثر التباساً بعيداً عن ثنائية الخير والشر المطلقين.
نرجس... البطل الضد
في المشهد الافتتاحي، يراود نرجس (ريهام عبد الغفور) كابوس، حيث تحمم طفليها، وما إن تلتفت يختفيان، فتقف فزعة ومحاصرة في الحمام، تصرخ دون أن ينقذها أحد. هذا الكابوس، الذي يأتيها ليلة عودتها إلى بيت والديها إثر طلاقها، يضعنا بوضوح أمام مشكلة حرمانها من الأمومة، وإحساسها بالخنق داخل واقعها، وغياب تعاطف المحيطين مع معاناتها. لكنه يتحول أيضاً إلى نقطة انطلاق لسلسة كوابيس تتحقق على أرض الواقع، متمثلة في عمليات خطف للرضع ونسبهم إلى نفسها وزوجها الثاني عوني (حمزة العيلي)، وتورطها في شبكة إتجار بالبشر.
تنتمي نرجس إلى عالم أبطال الضد (Anti-Heroes)، فهي تفتقر إلى السمات الإيجابية للبطولة التقليدية، محملة بندبات شخصية ومرسومة بتناقضات عميقة. ترتكب أفعالاً صادمة ومؤذية، لكنها تنبع من ظروف قاسية، بصورة تدفع المشاهد إلى فهم دوافعها وربما التعاطف معها، رغم رفضه لجرائمها.
تتأرجح نرجس بين الخير والشر، محاولة أن تصنع لنفسها حياة بديلة، حتى لو كان ثمنها أن تسلب الآخرين ما لا يمكن تعويضه
تحيا نرجس في منطقة شعبية، امرأة لم تنجب، محرومة من أي امتياز يخفف وطأة هذه الخسارة، حتى عملها البسيط لا يمنحها شعوراً بالتحقق، ويمكن استبدالها بسهولة. أنوثتها تبدو موضع انتقاص دائم؛ كان يُفضل أن تولد ولداً ليكون سنداً للأسرة، بينما يفترس مرض الثعلبة جمالها، ويأتي عجزها عن الإنجاب ليزيد شعورها بالنقص داخل مجتمع يرى الأمومة الهدف الأسمى للمرأة والدور المقدس الذي لا يضاهيه شيء.
هذا الضغط المتجذر يتجاوز فرديتها، حيث تشير الكاتبة نفيسة الصباغ في مقالها المنشور ضمن كتاب "مُعضلة الأمومة"، إلى أن "الثقافة الموروثة هي التي ترسخ دوماً لاعتبار الأمومة غريزة أساسية لدى النساء…، وهي الثقافة نفسها التي ترسخ لكون المرأة التي لا يمكنها أو لا تريد أن تنجب أطفالاً ليست امرأة مكتملة ولا تتمتع بنفس القيمة والحقوق التي تتمتع بها باقي النساء ممن أنجبن".
في مواجهة هذا الوصم الاجتماعي، تحاول نرجس الفكاك من موقعها الهامشي على نحو متطرف، فتسلك مساراً يجعلها الوجه الأكثر قتامة لفكرة الأمومة ذاتها، وللصور التقليدية المرتبطة بالحرمان منها.
ضد العرف
في الفيلم الوثائقي "أم غايب" للمخرجة نادين صليب، تروي حنان حكاية اثني عشر عاماً من الانتظار؛ انتظار طفل لم يأتِ، وحياة مستهلكة بين عيادات الأطباء وعذابات الخرافات الشعبية التي تُعلق عليها آمال الإنجاب. تتحدث عن نساء ابتعدن عنها خشية الحسد والشؤم، وعن عزلة تتسع شيئاً فشيئاً، حتى يبدو الغائب في حياتها ليس فقط الرضيع الذي تُكنى باسمه، وإنما ذاتها أيضًا التي تنتظر لحظة الخلاص.
ومن بين ما ترويه، تتوقف عند جارة تشاركها المصير نفسه؛ امرأة لم تنجب مثلها، اعتادت أن تسمع صرخاتها حين تضربها حماتها، فتقول حنان بمرارة إنها ممتنة لأن من حولها يعاملونها بآدمية.

تلك النظرة التي تتبناها حنان لذاتها ولموقعها في العالم ليست استثناء، بل تكاد تكون الأكثر شيوعاً عن العرف السائد. غير أن نرجس، في حكايتها، ترفض أن تنصاع لهذا المنطق أو أن تنكسر تحته. حيث تخبرها أمها أن من تعاني مثل مشكلتها ينبغي أن تكون ممتنة لمجرد أن رجلًا يقبل بها وترضى بقسمتها. تقاوم نرجس بطريقتها الخاصة؛ مقاومة ليست إيجابية تتحدى عبرها كل ما هو غير إنساني، بل تقودها خلفيتها النفسية إلى الكذب والرغبة في الانتقام.
تتمتع نرجس بقوة ذات أبعاد مظلمة، حيث تصر على الانفصال بعدما تزوج زوجها عليها، لكنها تتعمد التشكيك في نسب المولود المنتظر. تدرك أنها غير مرحب بها في بيت والديها، فتبدأ في رمي شباكها على عوني؛ الرجل الذي لم يكن مناسباً في الماضي بسبب ساقه المبتورة، لكنه قد يكون الآن متلقياً مع ما تعتبره نقصاً فيها. تتلصص عليه من خلف ستارة، في استعارة بصرية عن علاقتهما وما ستخفيه عنه. فمن تلك اللحظة ستحجب حقائق أو تزيفها، محاولة أن تبدو كاملة في عيون الآخرين، وأن تنتزع لنفسها الحياة التي ترى أنها تستحقها.
ضد الأسطورة
يحفل التراث الشرقي والغربي بتمجيدات متكررة لمكانة الأمومة وتضحياتها، من بينها أسطورة إيزيس المصرية التي تظل واحدة من أبرز الصور الراسخة في وعينا الجمعي. ففي المخيال القديم، تجسد إيزيس نموذج الأم الحامية؛ التي جابت الأقطار بعد مقتل زوجها أوزوريس لتجمع أشلاءه المبعثرة، حتى أعادته للحياة وأنجبت منه ابنها حورس وكرست وجودها كله لرعايته.
تقف نرجس على النقيض من أسطورة الأم التي تقاتل العالم كله من أجل استعادة الحياة والأسرة. ففي سعيها نحو تحقيق حلم الأمومة تفكك أسر الآخرين، تخطف أطفالاً من أماكن متفرقة محاولة أن تبني بهم عائلة متخيلة، فيما هي في الحقيقة تقامر بذاتها والآخرين معاً، ساعية إلى ملء الفراغ الذي تركه الحرمان في حياتها.
لا تبدو نرجس محاطة بنموذج للأمومة يمكن أن تتطلع إليه، ومع ذلك تؤمن بأنها تستطيع أن تكون أماً جيدة. فقد عاشت طفولة قاسية في ظل أم زرعت الفرقة بين بناتها، وتزوجت من عوني الذي يحمل بدوره جرحًا مشابهاً لانحياز أمه لشقيقه ودعم قراراته. وحتى أختها الطيبة تبدو مستعدة لأن تحرم ابنتيها من أبيهما مقابل قدر من الأمان المادي.
وسط هذا العالم المربك، تخلق نرجس لنفسها يقيناً مشوهاً: أنها أم حنونة بطبعها، وأنها ستعوض الأطفال الذين تخطفهم عن غياب أمهاتهم الحقيقيات. تقنع نفسها بأن الطفل ربما يحتاج إليها أكثر مما تحتاج إليه هي، وأنها وحدها القادرة على رعايته ومنحه ما حُرم منه. وفي ظل هذا الهوس بالأمومة، تتأرجح نرجس باستمرار بين طرفي الخير والشر، محاولة أن تُبقي خطتها قائمة دون أن تنكشف. قد تتضرع أحياناً أو تمنح أماً مفجوعة بعض المال تعويضاً عن طفلها المخطوف، غير أن قدر التعاطف يتلاشى سريعاً إذا شعرت بالخطر، لتصبح على استعداد لارتكاب أبشع الجرائم حفاظاً على حياتها المختلقة.
ضد القصة الدينية
في جلسة حميمة مع شقيقتها، تستدعي نرجس ذكرى خالها "يوسف"، الذي مات وهي صغيرة. تقول إنه لو كان لديه طفل لعرف الناس بموته قبل أن "تطلع ريحة موته". تكشف جملتها عن الأثر الذي تركته تلك الواقعة في نفسها، فقد ظلت تلازمها مع شعور خفي بأنها قد تلقى مصيراً مماثلاً.
كلنا نَحنّ إلى ماضٍ يَقينا صقيعَ حاضرنا، لكن هذا الحنين قد يتحول إلى مطاردة لا تنتهي لما فقدناه، أو لما نظن أننا فقدناه
وحين تخطف طفلها الأول وتمنحه اسم "يوسف"، يبدو الأمر كأنه محاولة لإعادة كتابة الذكرى. تقول أمها إن يوسف كان رجلاً طيباً وكانت نرجس متعلقة به، وكأنه لمحة لطيفة في عائلة يغلب عليها الجفاء، أما الطفل الجديد فيصير بالنسبة لها تعويضاً عن الفقد ودرعاً يحميها من ضربات الزمن.
لكن الاسم يحمل أيضاً صدى القصة الدينية؛ فبعد واقعة التيه، تحمم نرجس الطفل وتروي له حكاية النبي يوسف؛ ذلك الذي ضاع من أبيه وهو صغير، حتى ابيضّت عينا الأب من شدة الحزن عليه. غير أن المفارقة هنا أن نرجس تقف في موقع الخصم، لأنها تصنع الفقد ذاته الذي تحكي عنه.
نرجس وعوالم أخرى
في تجربة سامح علاء الأولى في الدراما التليفزيونية، يُعد "حكاية نرجس" امتداداً طبيعياً لإنتاجه في الأفلام القصيرة. حيث يميل إلى التقاط حكايات مستلهمة من الواقع؛ قصص إما عرفها شخصياً أو لفتت انتباهه لما تنطوي عليه من صراعات إنسانية. في أعماله، تظهر الضغوط الاجتماعية كقوة حاضرة تضيق الخناق على الشخصيات، حتى تبدو وكأنها محاصرة ممن حولها.
في فيلم سامح علاء القصير "خمستاشر" يجد مراهقٌ نفسَه، فجأة، في موقع الكبار بعد حادث والديه، فيتولى رعاية أخيه الرضيع، ويصبح مضطراً للتعامل مع إجراءات دفن والده، كاتماً انكساره خلف قناع من الصلابة والثبات. أما في "ستاشر"، الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 2020، فيغامر مراهق آخر متحدياً القيود الاجتماعية المفروضة على علاقته بحبيبته، ليلقى نظرة على جثمانها. وفي "حكاية نرجس" تتجلى الضغوط ذاتها، وتؤثر على النهج الذي تتخذه الشخصية الرئيسية.
كما تتكرر في أعماله لعبة تبادل الأدوار وتقمص الهويات. في "خمستاشر" يتحول المراهق إلى أب وأم معاً لأخيه الصغير، يطعمه ويحممه ويرعاه. وفي "ستاشر" لا يجد المراهق سبيلاً لعبور الحواجز المفروضة إلا عبر التخفي وراء نقاب، متقمصاً هيئة امرأة. أما نرجس فتذهب أبعد من ذلك؛ إذ تتقمص دور الأم لِأطفال ليسوا لها، وتتنقل بين شخصيات مختلفة في رحلة خطفهم.
كذلك تبقى القاهرة حاضرة في صورته بأحيائها القديمة وبناياتها المتراصة وضوضائها الدائمة. في "خمستاشر" تلاحق أصوات الشوارع البطل كتذكير دائم بالفاجعة، وفي "ستاشر" يخوض مغامرة في شوارعها ومواصلاتها حتى بيت الحبيبة. أما في "حكاية نرجس" فتغوص الكاميرا أكثر في نسيج المدينة؛ تلتقط وجوه الناس وحرفهم اليومية في لقطات سريعة تمنح العمل مسحة توثيقية، تذكر بنهج مشابه ظهر في مسلسل "بدون ذكر أسماء" للمخرج تامر محسن.
لكن ما يميز أعمال سامح علاء في النهاية هو أنها تترك للمشاهد مساحة واسعة للتلقي. فلا تُملي عليه حكماً أخلاقياً، ولا تدفعه إلى مشاعر بعينها. ويبدو أن هذا ما التقى فيه مع الكاتب عمار صبري في "حكاية نرجس"، إذ قدما عالمًا يتيح تأمل شخصياته الرمادية وبيئتها القاسية من دون محاكمة مسبقة. في زمن تمتلئ فيه الدراما بخطابات جاهزة وأحكام سريعة، يصبح هذا النوع من الحكي الذي يثق بوعي المشاهد أمراً نادراً.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
