شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
مذابح الأشجار في مصر... كيف يناضل مصريون للحفاظ على بيئتهم؟

مذابح الأشجار في مصر... كيف يناضل مصريون للحفاظ على بيئتهم؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

قبل عامين استيقظتُ على أصوات مرتفعة تقترب من نافذة غرفتي التي تقع في الطابق الثالث. نهضت فرأيت "عربية الحي" تقطع كل الأشجار التي كانت قبالة زجاج نافذتي، بمنتهى اللامبالاة. لم أجد تفسيراً، وكل ما عرفته أني لن أجلس مرة أخرى بالقرب من هذه النافذة، فاستمتع بالأشجار الخضراء تخفف من حرارة الشمس الحارقة لتصلني في شكل نسمات لطيفة.

لم أكن وحدي من عانى، إذ تتداول مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية منذ عام 2017 وحتى هذه الأيام، صوراً لقطع الأشجار في مناطق مصرية لطالما تميزت بالمساحات الخضراء، مثل شارع محمد علي وأشجار الكافور في محافظة الاسماعيلية، ثم حدائق مصر الجديدة، ومناطق أخرى مثل المهندسين، وشارع النيل في حي العجوزة والذي شهد مذبحة لأشجار الكافور التي يزيد عمرها عن مئتي عام وتعود جذورها إلى حقبة محمد علي.

يحرص مواطنون على نشر صور من شرفات منازلهم قبل قطع الأشجار وبعده لتوثيق المذابح المتتالية.

وفي ظل الانكار والتبرير يحرص مواطنون على نشر صور من شرفات منازلهم قبل قطع الأشجار وبعده لتوثيق هذه المذابح المتتالية، في ظل درجات حرارة غير مسبوقة تعيشها البلاد هذا العام.

فقدان آلاف الهكتارات

بحسب المرصد العالمي Global Forest Watch، فقدت مصر خلال 22 عاماً منذ 2001 وحتى 2023 نحو ألفي هكتار من الغطاء الشجري، أي ما يعادل 10 ملايين و 810 ألف متر مربع، نصف هذه المساحة تقريباً فقدتها في السنوات العشر الأخيرة. وتنوعت الأسباب بين الحرائق والتنمية العمرانية وأعمال التوسعات، والتصحر وتجريف التربة.

لا تشمل هذه الإحصائيات ما قُطع من أشجار منذ بداية هذا العام حتى كتابة هذه السطور، أي مع ذروة الأزمة وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ تنشر جمعيات ومبادرات أرقاماً مختلفة ومتفاوتة وتفوق المذكور أضعافاً، لم نستطع الجزم بأي منها، والسبب الأبرز غياب أي إشارة من المصادر الحكومية الرسمية عن عدد الأشجار التي قُطعت.

في السياق نفسه، تساءلت دراسة صادرة عن مؤسسة "مناخ للدراسات البيئية"، عن العدد التقريبي للأشجار والمسطحات الخضراء في مصر، في محاولة للوصول إلى تعداد تقريبي لما يقطع كل سنة، وتوصلت إلى عدم شفافية المصادر الرسمية في تقديم إحصاءات تخص إزالة الغطاء الشجري.

 مذابح الأشجار في مصر... كيف يناضل مصريون للحفاظ على بيئتهم؟من الصور التي ينشرها مواطنون مصريون على مواقع التواصل لتوثيق "مذابح" الأشجار

من الصور التي ينشرها مواطنون مصريون على مواقع التواصل لتوثيق "مذابح" الأشجار

واتخذت الدراسة منطقة مصر الجديدة كنموذج، وهي منطقة تعرضت "لمجازر" بيئية منذ عام 2019، وتوصلت باستخدام أدوات منها صور الأقمار الصناعية إلى وجود ما يقرب من 43806 شجرة في المنطقة عام 2018، وانخفض هذا العدد إلى 40507 في عام 2023.

لماذا تتخلى مصر عن أشجارها؟

كفل الدستور المصري في مادته 45 حماية وتنمية المساحات الخضراء وحفظ حق المواطن في التمتع بها، ونصت المادة 28 من قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 على حظر قطع أو إتلاف النباتات أو القيام بأعمال من شأنها تدمير موائلها الطبيعية، أو تغيير الخواص الطبيعية لها، وجاءت عقوبة هذه الجرائم الحبس أو غرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألفاً. وفي ظل تقدير القانون لفداحة الكوارث البيئية التي تنتج عن إزالة المساحات الخضراء، تنتهك هذه الأزمات حق البيئة والأجيال القادمة وحق المواطن في العيش والتمتع بمساحة خضراء، إذ يجد المواطنون أنفسهم محاطين بالكتل الخرسانية من كل جانب.

لا بد أن نعمل بشكل إيجابي بعيداً عن الانتقاد المتكرر والسلبي دون أخذ خطوات فعلية على أرض الواقع، ومبادرة "ازرع شجرة" أظهرت تكاتفاً وقبولاً من كل الناس الذين يسعون لتشجير الشوارع وتجميلها على نفقتهم الخاصة

لماذا تتقلص المساحات الخضراء؟ هذا السؤال الذي وجد إجابات متخبطة من المسؤولين في التبرير تارة والنفي تارة أخرى، فتتصدر أزمة الفقر المائي الصدارة، وتقول السلطات إنها ترى في المساحات الخضراء عبئاً مائياً، وفي هذا السياق أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الوزراء خلال افتتاح مشروعات استصلاح زراعي بمنطقة توشكى عام 2021، بعدم زراعة أي نباتات زينة، قائلاً: "ده أمر يا دكتور مصطفى، مفيش زراعة تاني لنباتات الزينة، طالما نقطة المياه اللي بنستخدمها صالحة لنباتات مثمرة تبقى نباتات مثمرة". هذا رغم وجود قيمة بيئية واقتصادية لنباتات الزينة إن استثمرت بالشكل الصحيح.

تشير تصريحات أخرى لمسؤولين في وزارة البيئة، إلى أن الأشجار المقطوعة "مسنّة ومعرضة للتسوس"، وأن الأمر يتم للحفاظ على السيارات والمنازل من خطر سقوطها، كما أشار مساعد وزيرة البيئة بشكل مباشر إلى أن "قطع الأشجار يأتي أحياناً نتيجة التقاطع بين خطط التنمية وأماكن وجود الأشجار في الشوارع والمحاور المرورية، مما يستلزم إزالتها". في الوقت ذاته تتكرر الإشارة لمبادرة 100 مليون شجرة والتي تستهدف زراعة الشجر المثمر في 9900 موقع داخل المحافظات المصرية، كدليل على اهتمام الدولة بالمساحات الخضراء والحفاظ على البيئة.

فيما تظهر إحصائيات لمرصد الغابات أن نسبة 33% من أسباب قطع الشجر تعود للتوسع أو التطوير العمراني وبناء الكباري والأكشاك واستحداث الطرق، ويشير الباحث إبراهيم عز الدين في ورقته التي تحمل عنوان "الزحف العمراني على الأراضي الزراعية ودوره في نشوء الجزر الحرارية الحضرية في مصر"، إلى أنه خلال السنوات الأخيرة أصبحت القاهرة خالية من معظم مساحاتها الخضراء، فقد دأبت الحكومة المصرية على عمليات قطع الأشجار لصالح زيادة المساحة الإسفلتية، إضافة إلى مشروع تبطين الترع الذي ارتكز على قطع آلاف الأشجار المزروعة على حواف الترع.

 مذابح الأشجار في مصر... كيف يناضل مصريون للحفاظ على بيئتهم؟من مبادرات زراعة الأشجار في مصر

من مبادرات زراعة الأشجار في مصر

ومن المهم الإشارة إلى أن عمليات التوسع العمراني على حساب المساحات الخضراء، ترمي بظلالها على أزمات وقضايا مخالفات البناء على الأراضي الزراعية بعد تجريف تربتها وتصحيرها من قبل الأفراد، وقد سجل الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء منذ 2011 حتى 2020 أكثر من مليوني حالة تعدي، على مساحة تبلغ نحو 90 ألف فدان، الأمر الذي واجهته الحكومة بقرارات الإزالة لعدد من المباني، وإصدار تشريعات تجرم التعدي مرة ثانية.

في ظل كل هذه الأسباب التي تتواتر حول أزمة قطع الأشجار، ينكر بعض المسؤولين من الأساس وجود أي عمليات إزالة، مثل بعض البيانات الخاصة بوزارة البيئة والصفحات الرسمية للمحافظات، والتي تردّ على صور قطع الأشجار بلقطات أخرى من وجود أشجار في مناطق بديلة.

إنقاذ الحدائق

في مواجهة هذه التأثيرات الخطيرة، تسعى مبادرات مجتمعية وفردية إلى نشر الوعي بين المواطنين بضرورة توثيق عمليات قطع الأشجار لمحاولة التصدي لها، وعلى الرغم أن هذه العمليات مستمرة إلا أن الناس تحاول التمسك باستمرار مناشدة الجهات بالتوقف الفوري، أو بالقيام بخطوات ايجابية لتعويض ما فُقد.

من هذه المبادرات مجموعة على فيسبوك بعنوان "أشجارك يا مصر"، تأسست عام 2019 وتضم أكثر من 39 ألف عضو، يشاركون بنشر صور تخص قطع الأشجار في مناطقهم السكنية، فضلاً عن مقارنة المناطق في أوقات زمنية مختلفة، وبحسب التعريف فإن المجموعة "هي دعوة للحفاظ على أشجار بلدنا ووقفة ضد المذابح المتكررة يومياً في الشوارع".

في هذا السياق يقول الكاتب المهتم بالتراث والبيئة ميشيل حنا، إن جهات ومناطق كثيرة لا يمكن حصرها أزيل غطاؤها الشجري، ومؤخراً تصدرت مصر الجديدة كمنطقة متضررة بشكل كبير وتحديداً الحدائق الوسطى، ويؤكد في حديثه لرصيف22: "كلها حدائق أزيلت باستثناء عدد قليل جداً، ومنها حدائق بنيت مكانها مقاهٍ مثل حديقة ألماظة، وحديقة ميدان بيروت، وحديقة نافورة روكسي".

 مذابح الأشجار في مصر... كيف يناضل مصريون للحفاظ على بيئتهم؟من مبادرات زراعة الأشجار في مصر

من مبادرات زراعة الأشجار في مصر

وتحاول مبادرة "تراث مصر الجديدة" إيقاف المذابح، وتقدم إحصاء لعدد الشجر المقطوع من مصر الجديدة، منها مثلاً ما قطع منذ 2019 وحتى كانون الثاني/ يناير 2020 بواقع 397 ألف متر مربع، ومن النماذج التي نجحت المبادرة في إنقاذها حديقة شارع نهرو، إذ وصلت معلومة بأن هناك مخططاً لإزالة الحديقة، فتجمع الأعضاء ورقّموا نحو 350 شجرة، وعلى كل منها وضعوا اسم شخصية مصرية، وهو الشارع الوحيد الذي أُنقذ تقريباً.

يضيف ميشيل: "واجه حي مدينة نصر كذلك نفس الكارثة، فقد تضررت أجزاء من حدائق عجيبة، والفردوس، وحديقة الطفل، والحديقة الدولية، ونسبة كبيرة من المساحات الخضراء في الشوارع"، ويشرح بأن الشجر هو ضمن التراث الطبيعي، وقطعه فيه تعدّ على خصوصيته كما يؤدي إلى كوارث بيئية، فقد قُطعت أشجار يصل عمرها إلى 100 سنة، ولا تمكن مقارنة فوائد الشجر المعمر بالشجيرات الصغيرة التي تُعاد زراعتها.

ويختم الكاتب: "بحسب قرارات الدولة فإنها تحاول زرع شجرات مثمرة في الشوارع، وهذا الشجر يحتاج لعناية فائقة من تقليم وأسمدة واهتمام مستمر، فضلاً عن عوادم السيارات التي تلوث ثمارها بشكل كبير. بحسب دراسات فإن أنسب نوع لشوارعنا هو شجر الفيكس لأنه دائم الخضرة والأوراق والظل ويروي ذاته وهو النوع نفسه الذي يتم قطعه".

"مقاومة" شعبية

ومن القاهرة إلى محافظة بورسعيد ظهرت مبادرة "ازرع شجرة"، ويقول الدكتور محمود فشارة المهتم بتراث بورسعيد وصاحب المبادرة: "هي تكرار لنفس الفكرة التي بدأت منذ أعوام، من خلال حسابي المهتم بالحديث عن التراث البورسعيدي، وتطوير الخطاب مع صديقي الأستاذ أحمد وفيق لنتحدث عن موضوع زراعة الأشجار في الشوارع".

يشرح فشارة الذي يعمل طبيباً بيطرياً لرصيف22: "المبادرة تطوعية بشكل كامل، وكل ما فعلته هو نشر فكرة إيجابية من خلال زرع الشجر، كي نحافظ على الشكل الجمالي من ناحية ونواجه تغير المناخ من ناحية، وتواصلنا مع أحد المشاتل لشراء شجر بسعر الجملة أو سعر مخفض نسبياً، ومن خلال مجموعة على فيسبوك باسم ‘ازرع شجرة- بورسعيد’، نتواصل مع سكان المدينة الذين يقبلون على شراء الشجر وزرعه أمام منازلهم".

تشير تصريحات لمسؤولين إلى أن الأشجار المقطوعة "مسنّة ومعرضة للتسوس"، وأن الأمر يتم للحفاظ على السيارات والمنازل من خطر سقوطها، كما أشار مساعد وزيرة البيئة إلى أن "قطع الأشجار يأتي نتيجة التقاطع بين خطط التنمية وأماكن وجود الأشجار في الشوارع"

ويضيف: "حاولنا التواصل مع رؤساء الأحياء في المدينة لضمان زراعة الشجر وعدم قطعه أو إزالته لأي سبب، لأن هناك شوارع أزيلت أشجارها لأسباب تخص توسيع الطرق، في الوقت نفسه شعرت أننا لا بد أن نعمل بشكل إيجابي بعيداً عن الانتقاد المتكرر والسلبي دون أخذ خطوات فعلية على أرض الواقع، والمبادرة أظهرت تكاتفاً وقبولاً من كل الناس الذين يسعون لتشجير الشوارع وتجميلها على نفقتهم الخاصة".

فيما يقول عصام الدين حسين وهو كاتب ومترجم ومهتم بقضية التراث، أنه لا بد من الضغط ومقاومة المظاهر السلبية من خلال كافة وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على التراث الطبيعي.

ويتحدث لرصيف22: "من خلال وجودي في بورسعيد لاحظت مقاومة من السكان بشكل كبير أدت إلى مظاهر إيجابية حقيقية، لكني أيضاً أتذكر مأساة حديقة فريال، وهي كانت نادياً للأجانب وأصبحت حديقة منذ نهاية الأربعينيات وفيها مشتل زهور كبير ومميز، وفي عام 2018 حاول محافظ بورسعيد إزالتها وتحويلها إلى مرآب للسيارات، لكنه تراجع بعد حملة ضغط شعبية واكتفى بقص ربع الحديقة وإزالة الشجر القديم، وراح مشتل الزهور ضحية لهذا التصرف".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard