شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
لماذا يكره النظام المصري الأشجار؟

لماذا يكره النظام المصري الأشجار؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والبيئة

الاثنين 24 يونيو 202401:36 م

نفذّت الدولة المصرية مؤخراً "مذابح" لا تُغتفر للأشجار والمساحات الخضراء. ورغم عدم وجود أي مبررات لقطع أشجار عمرها أكثر من مائة وخمسين عاماً، تحت زعم تطوير البنية التحتية للطرق والكباري، فإنّ ما يحدث ليس من قبيل المصادفة. أصبحت تلك الجرائم شيئاً اعتيادياً في ظل نظام يكره الانسان، وفي ظل نهم الحكومات المتعاقبة للأموال، ولو على حساب جودة حياة مواطنيها.

تحدث هذه المذابح للأشجار في دولة تُصنف الأكثر جفافاً على مستوى العالم، إذ تأتي في المرتبة الأولى وتسجل أدنى متوسط سنوي لهطول الأمطار في جميع البلدان بمقدار يبلغ 18 ميلليمتراً، ورغم أن الدستور المصري يحمي الأشجار ويُجرَّم قطعها وفقاً لمادتين هما 45 و46، حيث وضع المُشرِّع المصري سياجاً قانونياً لحماية الأشجار والمساحات الخضراء من أي عدوان من السلطة أو المواطن، بل ألزم الدستور الدولة بزيادة رقعة المساحات المزروعة بالأشجار، كضرورة لتحسين نوعية الحياة والصحة العامة. وكذلك ينص قانون البيئة على ضرورة إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي عند وجود ضرورة تستدعي قطع الأشجار أو إزالة الحدائق العامة.

النظام المصري لا يهتم لأي شيء قدر اهتمامه بجمع الأموال، وهو ما سيفضي إلى كارثة وشيكة.

تعلن الهيئة العامة للاستعلامات المصرية عبر موقعها الإلكتروني بأن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء يقدر بـ1.2 متر مربع، بينما أفادت دراسة نشرتها "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" عام 2022 بأن نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء لا يتجاوز 17 سنتيمتراً مربعاً، وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا يقل نصيب الفرد من المساحات الخضراء عن 9 أمتار.

فقدت مصر أكثر من 4 ملايين متر مربع من غطاء الأشجار خلال آخر عشر سنوات فقط. كذلك، جرّفت الحكومة نحو 10 آلاف متر مربع من حديقة الميريلاند في القاهرة، وأزالت أشجاراً يبلغ عمرها عدة قرون، من أجل إنشاء نصب تذكاري لإحياء ذكرى مشاريع بناء الطرق والجسور في القاهرة، وقد خسرت القاهرة وحدها ما يقارب من 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء المحدودة بين أعوام 2017 و2020، ويتجاوز تلوث الهواء فيها المعدلات العالمية بأكثر من 15 مرة، وفق منظمة الصحة العالمية.

وأدى ارتفاع درجات الحرارة في مصر أيضاً خلال الأسابيع الأخيرة إلى تصعيد غضب المصريين ضد "مجازر الأشجار"، فسجلت مدينة أسوان أعلى درجة حرارة في العالم بما يقارب 50 درجة مئوية في الظل يوم الجمعة 7 حزيران/ يونيو.

الوضع البيئي في مصر أصبح في غاية الحرج. تطوّر أغلب حكومات العالم الرشيدة استراتيجيات مختلفة للتكيف مع آثار التغير المناخي ومكافحة الاحتباس الحراري في محاولة لتحقيق التنمية المستدامة، وفي القلب من هذه الاستراتيجيات زيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وتكثيف زراعة الأشجار. بينما يبدو أن الحكومة المصرية لا تهتم بشيء إلا رغبتها المحمومة في مراكمة "الإنجازات" الخرسانية دون أي مراعاة لأي أبعاد بيئية أو اجتماعية أو صحية، حتى لو جاء هذا على حساب الأشجار والمساحات الخضراء غير المتوفرة بشكل كاف أصلاً.

أهمية المساحات الخضراء

لا تعد الأشجار مصدر رفاهية في ظل الزيادات القياسية لدرجات الحرارة في العقود الأخيرة، إذ تعتبر المساحات الخضراء حلاً بديهياً منخفض التكلفة وفعالاً في علاج مشاكل تلوث الهواء والضوضاء، وتوفير الظل في الشوارع وتبريدها، إذ تستطيع الأشجار المساهمة في تبريد الهواء وتخفيض درجات الحرارة من 2 إلى 8 درجات مئوية، ويساعد ذلك في تقليل استخدام مكيفات الهواء، وبالتالي خفض استهلاك الطاقة والكهرباء، بما يمكننا من خفض استهلاك وحرق الوقود اللازم لمحطات الطاقة، وهو ما يعني ترشيد استخدام مواردنا الطبيعية.

فقدت مصر أكثر من 4 ملايين متر مربع من غطاء الأشجار خلال آخر عشر سنوات فقط. وقد خسرت القاهرة وحدها ما يقارب من 911 ألف متر مربع من مساحاتها الخضراء المحدودة بين أعوام 2017 و2020، ويتجاوز تلوث الهواء فيها المعدلات العالمية بأكثر من 15 مرة

تُنقي الأشجار البيئة من الملوثات، فتمتص الغازات الملوثة من الجو مثل أول أوكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت وكذلك الأوزون. وتصَفِّي أوراق الأشجار الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء مثل عوادم السيارات والغبار عن طريق احتجاز الأوراق لتلك الجسيمات. تمتص الأشجار الناضجة 150 كيلوغراماً من غاز ثاني أكسيد ا لكربون سنوياً، ما يساعد على التخفيف من آثار تغير المناخ. كذلك تعمل الأشجار كمصدّ للعواصف الترابية حول المدن، كما أنها موطن للعديد من الفصائل الحية مثل الطيور، ومصدر للتنوع البيولوجي، ناهيك عن الأثر النفسي للمساحات الخضراء والأشجار.

الذكريات الخضراء

لطالما أتذكر طفولتي التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالحدائق والمساحات الخضراء، وكان والداي يعشقان الطبيعة بكل تنوعها وصفائها. سألت أصدقائي عن ذكرياتهم مع الأشجار والحدائق في مصر، فأجابتني صديقة تعيش في دولة أجنبية: "أصبحت أشعر بغُربة أكثر عند وجودي في مصر أثناء الإجازات. كل شيء أصبح مختلفاً. كل الأماكن المُحملة بذكرياتي، الحدائق، الطرق، البحر، أصبحت مختلفة، وتحولت إلى كتل خرسانية صماء بشعة بلا روح". وأخبرتني صديقة أخرى بأنها ما زالت تتذكر حديقة الخالدين وسط الإسكندرية، والتي أزيلت لافتتاح مجمع من المقاهي والمطاعم، في حين أنها كانت تعتبر من أقدم الحدائق ومنصة للثورات المتعاقبة في المدينة.

مبررات المسؤولين لقطع الأشجار بسبب احتمال سقوطها أو لحجب كاميرات الأمن أو إعاقة المشاريع القومية غير مقبولة، ووراءها شبهة فساد لاستغلال الشجر والتربح بتحويله إلى فحم وتصديره

وشاركني أحد الأصدقاء من مدينة بورسعيد عن إزالة الكثير من الأشجار من شوارع المدينة بغرض التوسعة، منها على سبيل المثال لا الحصر شارع الجمهورية المشيّد على الطراز الفرنسي بأشجاره الكثيفة الضخمة، والتي أزيلت بالكامل، كذلك حديقة فريال والتي اعتاد على اللعب فيها وتسلق أشجارها في صغره مع العائلة والأصدقاء، وكان فيها مشتل وأشجار من أيام عهد الملكية، لكن قطعت الكثير من أشجارها تحت زعم التطوير وتحويلها لحديقة للتصوير.

أما مدينة المنصورة، عاصمة محافظة الدقهلية، فلم تسلم أيضاً من أيدي التطوير. أخبرني أحد الأصدقاء عن إزالة الأشجار التاريخية المُعمِرة النادرة والنخيل في حديقة "هابي لاند"، التي تُعد آخر ما تبقى من متنزهات قصر الخديوي إسماعيل. واسترسل قائلاً إن إزالة الحديقة ليست الحادث الأول من نوعه، إذ سبقتها حدائق تراثية ومن بضع سنين هدمت حديقة الحيوان التاريخية، هذه الحدائق التي تمتلئ بالكثير من ذكرياته وطفولته تُدمر واحدة تلو الأخرى.

أما في مدينة نصر في القاهرة فحدث ولا حرج. إحدى الصديقات أخبرتني عن إزالة حديقتين في بداية ونهاية الشارع الذي تقطنه، كما أزيلت حديقة مطعم البرج بغرض انشاء محطة وقود، وبعدها مباشرة استقطع جزء من حديقة العاشر وأنشئت قاعة أفراح، لينتهي الأمر بإزالة باقي الحديقة لإنشاء محطة وقود أخرى. كذلك قطعت أشجار الجزيرة الوسطى للطريق قطعاً كاملاً، وأزيلت حديقة شركة عجيبة للبترول في نفس الحي واستقطعت أجزاء كبيرة من الحديقة الدولية أيضاً لصالح مبان تؤجر كمحال تجارية.

وأخبرني صديق آخر: "على ترعة بلدنا كان يوجد شجر كافور ضخم ومُعمر كنا نمشي ونستظل به، أزالوه في مشروع الدولة لتبطين الترع. دائماً ما كنت أقف تحت هذه الأشجار منبهراً بحجمها. هذا عدا عن أشجار الصفصاف التي لطالما ارتبطت معي بمناسبة شم النسيم، وهي شجرة جميلة المظهر أغصانها عبارة عن شرائط طويلة تُمكنك من عمل دائرة وتاج. حتى شجرات السنط التي انقرضت كان لها تاريخ معي، فكان لدى قريتي مشتل ومكان للتنزه في أوائل الثمانينيات. لكِ أن تتخيلي أن مجلس القرية كان يزرع الورد في نطاق أراضي القرية. الآن يزيلونها".

هل ما يحدث جريمة منظمة؟

ليس هناك أي مبرر لقطع الأشجار، ويجب عدم غض البصر عن تلك الجريمة، بل والسؤال عمن وراءها. وخصوصاً في ظل الإشارة إلى تورط بعض الجهات في الدولة في قطع الأشجار بطرق غير منظمة ومن دون مراعاة للتوازن البيئي، تحت ذريعة التوسع العمراني، وتطوير البنية التحتية للطرق والكباري.

أصبحت أشعر بغُربة أكثر عند وجودي في مصر أثناء الإجازات. كل شيء أصبح مختلفاً. كل الأماكن المُحملة بذكرياتي، الحدائق، الطرق، البحر، أصبحت مختلفة، وتحولت إلى كتل خرسانية صماء بشعة بلا روح

هناك شكوك متداولة أن ظاهرة قطع أشجار الشوارع والحدائق سببها شركة تحول الأشجار إلى فحم يجري تصديره للكيان الصهيوني بأسعار باهظة لتحقيق الثراء السريع. وتقدمت إحدى أعضاء البرلمان المصري بطلب إحاطة إلى رئيس المجلس، موجه لكل من رئيس الوزراء وزير التجارة والصناعة وزير التنمية المحلية وزير الصحة وزير الزراعة ووزيرة البيئة لوقف وحظر تصدير الفحم فوراً والتحقيق مع الشركات المصدرة عن مصدره، وما إذا كان المصدر هو أشجار الشوارع والحدائق العامة المملوكة للشعب.

يحدث كل هذا في ظل غياب تام لوزير الزراعة ووزيرة البيئة المصريين عن المشهد كله، إذ لم يتدخل أي منهما لمنع قطع الأشجار، رغم معرفتهما بأهمية وقيمة هذه الأشجار للمجتمع كله.

مبررات المسؤولين لقطع الأشجار بسبب احتمال سقوطها أو لحجب كاميرات الأمن أو إعاقة المشاريع القومية غير مقبولة، ووراءها شبهة فساد لاستغلال الشجر والتربح بتحويله إلى فحم وتصديره. ولكن المؤكد أن النظام المصري لا يهتم لأي شيء قدر اهتمامه بجمع الأموال، وهو ما سيفضي إلى كارثة وشيكة إذا استمر الحال على هذا المنوال.

كل شيء في مصر ليس بخير. إذا كان هذا هو التطوير، فارفعوا أيديكم عن بلدنا.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard