شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
عندما أنقذتني أم كلثوم من الوحدة في برج بابل

عندما أنقذتني أم كلثوم من الوحدة في برج بابل

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب نحن والتنوّع

الاثنين 8 يوليو 202411:35 ص

أجلس في أحد المطاعم المحلية في عمان في الأردن على طاولة ممتدة يتناثر حولها أشخاص من جنسيات متعددة، تشمل المصريات نصفهم، والنصف الآخر من كندا والولايات المتحدة وبالطبع الأردن نفسه. بدأ الجميع بتبادل أطراف الحديث من الشرق والغرب منتظرين الطعام.


وعلى الرغم من أن الكلمات صنعتي، إلا أنها هربت مني في تلك اللحظة. كنت وحيدةً في برج بابل، أشعر بأن كل كلمة أقولها تبدو كما لو أنها محاولة مني للتسويق لنفسي وإمكاناتي وأفكاري في جلسة تخلط بين العملية والحميمية. أخبرتني زميلات الرحلة في ذلك اليوم والأيام التالية عن أول انطباع لهنّ عنّي، قائلات إني أبدو شخصاً يصعب الحديث معه، وفي ذلك معهنّ كل حق، فصمتي يترك أبوابي مغلقةً في وجوه من حولي، وكلما حاولت عدم لفت الأنظار إليّ يزيد هذا الصمت من علامات التعجب حولي، وظللت في سجني الفردي هذا حتى أتى من بعيد صوت "الست" لينقذني.

تبولة بنكهة أم كلثوم

"ودارت الأيام... ومرّت الأيام... ما بين بعاد وخصام... وقابلته... نسيت إني خاصمته... ونسيت الليل اللي سهرته... وسامحت عذاب قلبي وحيرته... معرفش إزاي إزاي إزاي أنا كلمته... مقدرش على بعد حبيبي... أنا ليا مين، أنا ليا مين، إلا حبيبي".

لو سألتموني عن أجمل ما رأيت في عمان، لقلت لكم جبل القلعة؛ الإجابة التي قد تكون صادمةً للمستمعين الذين بالتأكيد لديهم معلومات عن روعة البترا أو منطقة البحر الميت أو عجلون والسلط وجرش

صدحت أم كلثوم في الخلفية عبر السماعات التي يغذيها أحد العاملين في المطعم الذي يقدّم الطواجن الأردنية التقليدية، باختياراته من أغانيها. اجتاحني شعور بـ"الونس" المفاجئ. كانت كما لو أنها تشدو لي أنا فقط. نظرت إليه وابتسمت وطلبت منه خفض صوت الأغنية قليلاً.

شاركتني الزميلة بجانبي اهتمامي، وبدأنا الحديث عن "الست" وتلك النظرية المنتشرة عن جمال صوتها القادم من بعيد، والذي كلما بعد واشتبك بالتشويش البسيط أصبح أكثر حميميةً وجمالاً. التقطتْ لنا زميلة أخرى صورةً ونحن غير منتبهتين. عندما نشرن تلك الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وضع أحدهم تعليقاً يقول إننا نبدو كما لو أننا نتذوق أم كلثوم.

كسرتْ أم كلثوم تعويذة صمتي. بثّت في داخلي الحيوية المفتقدة. لم أعد أخشى الظهور كما لو أني لافتة للأنظار، فمن يلفت الأنظار في حضور الست؟ اتسع نطاق الحديث وصديقتي بجواري، وقد لاحظت في الخلفية صوراً متعددةً لفنانين مصريين أشعرتني بالمزيد من "الونس" ربما حتى أكثر من زميلاتي، فمن صورة لأم كلثوم مع عبد الوهاب حكت عن العداء الطويل الذي أنهته أغنية "أنت عمري"، إلى أخرى، مروراً بحديث عن أجمل أغاني الست، وأسلوبها الخاص في تطويع أكثر الكلمات رقةً وخضوعاً لتصبغها بالقوة والهيمنة الأنثوية.


يسألني أحدهم: هل بالفعل استغلت أحمد رامي والقصبجي لدعم حياتها الفنية؟ فأحكي له عن سطوة الموهبة التي تجعل امرأةً عادية الجمال تبدو كآلهة الأولمب في زمنها والأزمان التالية، وفوق البشر وأغراضهم الأرضية مثل الحب والزواج والوصال، على الرغم من طول تغنّيها بهذه المعاني.

اشتقت إلى أم كلثوم في جلسة أخرى. هذه المرة في مطعم أعلى جبل القلعة، يطلّ على المسرح الروماني ويقدّم الأكلات الأردنية التقليدية بأيدي نساء محليات يقدّمنه ضمن إطار منظمة خيرية لمساندة المرأة.

تم العشاء. طقس بارد يميل إلى الدفء قليلاً. هذه المرة تَوَزّعنا على طاولات متفرقة تجعل من السهل اجتماع أصحاب الطباع الواحدة معاً. جلست مع صديقاتي الجديدات طليقة اللسان هذه المرة، أحكي لهنّ قصة حبي وزواجي، وأزماتي الأسرية، وكانت أطباق المقبلات تتوالى على مدار الجلسة التي امتدت لساعتين، وبعدها أتى المنسف والمسخن والمقلوبة. أكلنا حتى التخمة، ومع الشاي شعرت بأنني أفتقد أم كلثوم. هذه الجلسة لن تكتمل إلا بها. ومن دون أن أطلب، بدأتْ تشدو من بعيد وقد شغّلتها إدارة المطعم كما لو أنها تستبقينا حتى ساعات الصباح الأولى أو حتى تسكت أم كلثوم عن الكلام المباح.

المشي فوق جبل القلعة بصحبة عفاف راضي

"ابعد يا حب ابعد بقولك لأ... ولا عمري هغلط يوم وأقولك آه... لا أنا قد دمعة عين في ليلة فرقة... ولا قد رمشك والمخبي وراه... مهما تواعدني هقولك بكرة... ويجي بكرة أقولك بكرة... مهما تواعدني هقولك بكرة... ويجي بكرة وأقولك بكرة... يعني النهار ده بقولك لأ... وبكرة مش راح أقولك آه".

لو سألتموني عن أجمل ما رأيت في عمان، لقلت لكم جبل القلعة؛ الإجابة التي قد تكون صادمةً للمستمعين الذين بالتأكيد لديهم معلومات عن روعة البترا أو منطقة البحر الميت أو عجلون والسلط وجرش. لدي أنا أيضاً المعلومات ذاتها، والأمنيات نفسها بزيارة هذه الأماكن، ولكن كما قالت أم كلثوم: "وما نيل المطالب بالتمني"، إذ لم أستطع "أخذ الدنيا غلاباً"، لأني كنت مدعوةً إلى رحلة عمل، لم أستطع الفكاك من أسرها إلا في اليوم ما قبل الأخير ولساعات عدة اخترت قضاءها في أقرب مكان إلى الفندق وهو "جبل القلعة".


جبل القلعة أحد جبال مدينة عمّان السبعة، اتخذه العمانيون منذ القدم مقرّاً لحكم المدينة، وفي القرن السابع الميلادي بُني على قمته القصر الأموي، وعلى هذا الجبل خضتُ مغامرتي الوحيدة كسائحة في الأردن؛ اشتريت التذكرة وبدأت بالتجول بين الآثار المتناثرة في الجبل. تفرّقنا، فظللت أنا وصديقة جديدة واحدة، أمسك هاتفي المحمول بيدي، وأحاول التقاط بعض الصور لها ولي وللمكان، وفجأةً شعرت بأن هذه اللحظة المليئة بالسكينة تحتاج إلى صوت عذب،  ففتحت تطبيق الأغاني واخترت أغنيةً من مفضلاتي وهي "ابعدْ يا حب" لعفاف راضي، لتصبح شريكةً لنا في هذه البقعة الجميلة من الأرض.

وصلنا بهدوء إلى أطلال القلعة الأموية، لتجذب الموسيقى الخارجة من سروالي رجلَ الأمن الوحيد في المنطقة، والذي بدأ معنا الحديث عن الأغنية التي عرّفته على جنسيتنا، بالإضافة إلى لهجتنا بالطبع، وبعدها أخذنا في جولة أعادنا خلالها إلى العصر الأموي لنتخيل مكان حجرة نوم الملك، والحمامات المقامة بتكنولوجيا سابقة لعصرها، والإطلالة التي تملك حتى الآن السحرَ برغم المدنية المنتشرة حولها.

وداع أردني على أنغام خالد سليم

"الله على صوتك سمعني... اتكلم ثاني ومتّعني... رجّعني لحبك رجعني... نسّيني البعد والملامة... ولا أقولك بلاش الملامة... سيدي أنا حمد الله على السلامة".

اعتدت مثل الأطفال على القلق المصاحب لأي رحلة أو زيارة إلى مكان جديد، فعلى الرغم من تلقيني طوال طفولتي أنني لست بحاجة إلى آخرين عبر تنفيري من الغرباء حيناً، وحبسي في منزل على نوافذه قضبان حديدية في بلد خليجي من دون فرصة الاختلاط حتى في المدرسة من حين إلى آخر، إلا أني تحررت على مرّ السنوات وذقت حلاوة الوصال من خلال صدف صغيرة تقربني من بشر لا يمكن تخيل وجود نقاط مشتركة بيننا.

يسألني أحدهم: هل بالفعل استغلّت أم كلثوم، أحمد رامي والقصبجي لدعم حياتها الفنية؟ فأحكي له عن سطوة الموهبة التي تجعل امرأةً عادية الجمال تبدو كآلهة الأولمب في زمنها والأزمان التالية

تمثلتْ هوايتي في أثناء إقامتي أسبوعين متفرقين في الأردن، في الحديث مع سائقي التاكسي والسيارات المستأجرة. متعة خاصة تأتي من كسر الجليد بيني وبين شخص من بلد آخر وجنس آخر، تجمعنا اللغة مع الكثير من الاختلافات الثقافية والاجتماعية. يوم العودة في الصباح، ذهبت إلى السوق الشعبي بصحبة الصديقات في رحلة مكوكية لأشتري الثوب الأردني التقليدي الذي حلمت به طوال الليلة السابقة.

ركبنا التاكسي في هلع للوصول إلى الفندق وجمعِ أشيائنا قبل موعد الطائرة، وما أن نظر إليّ السائق حتى لاحظتُ قلقه من مظهري غير المعتاد في شوارع عمان، بشعر قصير مموج ساهمت الحرارة في جعله ينتشر في كل مكان حول وجهي، وملابسي التي لا توحي بجنس معيّن.

قالت لي صديقتي لاحقاً إنها استشعرت قلقه هذا مني، وخافت من هذا القلق. لكني لم أهلع، بل جلستُ هادئةً، ثم بدأت محادثةً معه حول السيارات وطبيعة الشوارع الأردنية المبنية فوق الجبال والغنية بالمرتفعات والمنخفضات وصعوبة القيادة عليها. عرف من لهجتي أني مصرية، وجاءت لحظة كسر الجليد السحرية، فتحدثنا مطولاً عن القيادة والسيارات، والفارق بين شارع "خاتم المرسلين" في مصر -والذي أعدّه أصعب مكان قُدت فيه سيارةً- والجبل الذي صعده بسيارته في إحدى الرحلات. حكى لي عن أصوله المصرية برغم ولادته في الأردن، الذي قدم والده إليه خلال حكم مؤسسه عبد الله الأول بن الحسين.

ومن سائق السيارات ذي الأصول المصرية إلى آخرَ عَملَ في مصر لسنوات، تبادلنا خلال رحلته الحديث عن الأغاني التي سمعها خلال عمله على سيارة النقل وتجربته مع مدن سيناء المختلفة، وحتى السائق الأخير للمطار الذي صعدنا سيارته ونحن لا نقوى على الكلام بعد طول العمل والتسوق، ولكنه استقبلنا بأغنية "بلاش الملامة" لخالد سليم، فتحولت النساء المرهقات السبع إلى مراهقات يعلو صوتهنّ مع كلمات الأغنية التي صاحبتْها النظرات الأخيرة على شوارع المدينة، ووعدنا أنفسنا برحلة مشيٍ وتسلق للجبال في المرة القادمة على نغمات أغانٍ مصرية كانت بطاقة هويتي وملاذي الآمن في البلاد التي ظننتها غريبةً.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard