شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!

"مرحباً بالتي تجور علينا"… طرائف الهجاء المتبادل بين الشعراء العرب وزوجاتهم

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتاريخ

الجمعة 5 يوليو 202410:05 ص

يعجّ تراثنا العربي بالكثير من قصائد الهجاء بين الشّعراء وأندادهم. كانت القصائد الهجائية تتصدر حديث الشارع، وتصبح "الترند" الأوّل لِما تحظى به من متابعة جماهيرية. ولم يكن الهجاء متبادلاً بين الأفراد فحسب، بقدر ما كان بين القبائل، فالشاعر لم يكن يمثّل نفسه فقط، بل كان لسان القبيلة والناطق الرسمي باسمها، وتالياً كانت القبيلة تتموقع خلفه في مواجهة الشاعر الخصم وقبيلته، وذلك بسبب الحساسيات والتنافس والتعصب القبلي، كما في حال جرير والفرزدق اللذين اشتهرا في تراثنا الأدبي بهجائهما ضد بعضهما بعضاً.

بعض هجاء الشعراء كان فاحشاً لا يراعي القيم المجتمعية، بينما كان الكثير منه هجاءً تنافسياً بمثابة أمر عادي وطبيعي يحدث في كل الأزمان، وهو اليوم يأخذ شكل الانتقادات الحادة على صدر الصحف ويشتد أحياناً كثيرة إذ نرى التراشق الإعلامي على الشاشات، مثلما يجري بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة في حقل السياسة.

ولكن من غير العادي وغير الطبيعي أن يكون الهجاء بين الرجل وزوجته، أو حتى بين رجل وامرأة. ومن الطريف أنّ يتناقل النّاس هذا الهجاء وينشدوه في مجالسهم، ويورده الكُتّاب الثقات في كتبهم. ليس هذا فحسب، بل بلغ الأمر مبلغَ أن يتهاجى واحد من كبار العلماء مع زوجته في مجلس الخليفة، كما في قصة أبي الأسود الدؤلي وزوجته. كما أن هذا الأمر الفريد وقع للقادة والأمراء، كالحجاج وزوجته هند بنت المهلب، وهي من مليحات العرب، وقد تزوجت عبد الملك بن مروان، بعد طلاقها من الحجاج، وهي قصة شهيرة أذلّت بها هند الحجاجَ، واشترطت أن يقود هو ناقتَها (خطام) حافياً وهي في هودجها إلى قصر "أمير المؤمنين" الملك بن مروان حين زُفّت إليه.  

بعض هجاء الشعراء كان فاحشاً لا يراعي القيم المجتمعية، بينما كان الكثير منه هجاءً تنافسياً بمثابة أمر عادي وطبيعي يحدث في كل الأزمان، وهو اليوم يأخذ شكل الانتقادات الحادة على صدر الصحف 

وهناك الهجاء المتبادل بين الأمير روح بن زنباع، أمير فلسطين، وزوجته الشاعرة الخزرجية. وفي موضع مختلف، هناك الشّاعر الهمداني وزوجته وقد حملت أبياتهما لبعضهما رسائل مشفّرةً. وقد وجدت هذه القصص الفريدة في كتب تراثية مهمّة، منها "المحاسن والأضداد" للجاحظ، و"أخبار النساء" لابن قيم الجوزية، و"بلاغات النساء" لابن طفيل، و"شرح مقامات الحريري" للشريشي. تحفل هذه الكتب الأربعة بالمساجلات التي كانت تحصل بين كلّ من الرجال والنساء، وهي مساجلات لها رنّة ووقع موسيقي، يمكن عدّها انتقادات حادةً تعتمد على السجع، ظاهرها رنين الحرف المماثل وباطنها الحقد المتبادل.

زوجة أبي الأسود الدؤلي وهجاؤها له

تُعدّ حكاية طليقة أبي الأسود الدؤليّ، رأس علماء اللغة والنحو في زمنه، والتي هزمته فيها طليقته شرّ هزيمة بياناً وبرهاناً، من أجمل حكايات الطلاق على الإطلاق، وهي مذكورة في شرح مقامات الحريري لأبي العباس الشريشي (ت 916 للهجرة)، وكتاب "بلاغات النساء" لابن طفيل (ت 280 للهجرة). والحكاية تقول إن العالم النحوي الشهير أبا الأسود الدؤلي طلّق زوجته، فأتته وهو في مجلس أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، حيث وقفت شامخةً أمامه وشكت له حالها بعد مقدمة أدبية بليغة فيها دعاء ومدح للخليفة، وذكر لمناقبه ومحاسنه ومكارم أخلاقه، ثم تحدثت عن طلاقها من زوجها ظلماً، وكانت الصاعقة حين علم الخليفة بأن زوجها الذي طلّقها يجلس بجانبه.

فالتفت معاوية إليه وقال: "أحقّْ ما تقول هذه المرأة؟". فقال: "إنّها تقول من الحق بعضاً، وليس أحد يطيق عليها نقضاً". ثم أخبر الدؤلي معاوية بأنه لا يشكك في شرفها ولكنه كرِهَ خصالها، فطلب منه معاوية محاورتها والردّ على قولها. فقال أبو الأسود: "هي يا أمير المؤمنين كثيرة الصّخب، دائمة الذّرب (الشتائم)، مهينة للأهل، ومؤذية للبعل (الزوج)؛ إن ذكَر خيراً دفنته، وإن ذكر شرّاً أذاعته، تخبر بالباطل، وتطير مع الهازل، لا تنكل عن عتب، ولا يزال زوجها معها في تعب".

هنا اغتاظت طليقة الدؤلي، وأخبرته بأنها تربأ بنفسها من الردّ عليه احتراماً للخليفة، ولكيلا تعاب بأنها شتمت زوجها أمام الناس. ولكن معاوية ألحّ عليها بالإجابة، كما هو الحال في برنامج "الاتجاه المعاكس"!، فصبّ على النّار زيتاً. وبدورها استجابت السيدة لطلب الخليفة وردت  قائلةً: "يا أمير المؤمنين، ما علمته إلا سؤولاً جهولاً، ملحاً بخيلاً. ليثٌ حين يأمن، وثعلبٌ حين يخاف، شحيح حين يُضاف (عندما يأتيه ضيف)، ضيفه جائع وجاره ضائع؛ لا يحفظ جاراً، ولا يحمي ذماراً، ولا يدرك ثأراً. أكرمُ الناس عليه من أهانه،  وأهونهم عليه من أكرمه".

وكأن زوجة عالم اللغة هنا تفوقت عليه بقوة الكلمة والحجّة. وعندما نازعها في ابنٍ لهما، قالت المرأة: "أصلح الله الأمير، هذا ابني، بطني وعاؤُه، وحِجْري فناؤُه، وثديي سقاؤُه، أَكْلَؤُهُ إذا نام، وأحفظُهُ إذا قام". فقال الدؤليّ: "أصلحك الله، هذا ابني حملتُه قبل أن تحملَه، ووضعتُه قبل أن تضعَه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده"، فحاججته المرأة بقولها: "صدِّق، أصلحك الله، حملَه خفّاً، وحملتُه ثقلاً، ووضعَه شهوةً، ووضعتُه كرهاً".

بعد ذلك نصح معاوية صديقه بأن يساجلها بالشّعر عسى أن يتقدم عليها في سباق الحصول على الولد ويكسب بعض النقاط لصالحه، ولكنها هزمتْه هنا أيضاً وتفوقت عليه، واستمرّ نزيف النقاط عنده، فخسر ابنه وخسر معه هيبته وعنفوانه أمام الخليفة والملأ. يقول أبو الأسود:

"مرحبا بالّتي تجور علينا/ ثمّ أهلاً بالحامل المحمول

أغلقت بابها عليّ وقالت/ إن خير النّسا ذوات البعول

شغلت قلبها عليّ فراغاً/ هل سمعتم بفارغ مشغول؟".

وبدورها ردّت عليه منشدةً:

"ليس من قال بالصواب وبالحمق/ كمن حاد عن منار السبيلِ

كان ثديي سقاءه حين يضحي/ ثمّ حِجري فناؤه بالأصيلِ

لست أبغي بواحدي يا بن حربٍ/ بدلاً ما رأيته والجليلِ".

وهنا تدخل الخليفة والحَكم في هذه القضية، وأدلى بدلوه على شكل شعر، فأنشد:

"ليس من قد غذاه طفلاً صغيراً/ وسقاه من ثديه بالجدُولِ

هي أولى به وأقرب رحماً/ من أبيه وفي قضاء الرّسولِ".

وكان هذا هو القول الفصل، فقضى معاوية لصالح السيدة. ومن الغريب أن المصادر التاريخية لم تذكر اسم زوجة أبي الأسود أو طليقته.

الحسناء هند

في كتابه "المحاسن والأضداد"، هناك قصة طريفة بين الشّاعر عثمان الهمداني، من رجال القائد الكبير قتيبة بن مسلم، وزوجته الحسناء، وهي ابنة عمٍ له كانت تدعى هند، إذ يروي الجاحظ (ت 255 هـ)، أن عثمان خرج مع قائده إلى خراسان واستمر بُعده عن زوجته لسنوات طوال، وقد اشترى جاريةً جميلةً اسمها جمانة، وفرساً أسماه الورد، والورد هو اسم من أسماء الأسد، وكان راضياً بهما كونهما ينسيانه ذكر زوجته حيث تحدث عن عدم اكتراثه لها، وفي الوقت ذاته ليغيظها، فأنشد يقول:

"ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هندُ/ إذا بقيتْ عندي الجمانة والوردُ

شديد مناط المنكبين إذا جرى/ وبيضاء مثل الرّيم زيّنها العقدُ

فهذا لأيامِ الهياجِ وهذه/ لحاجةِ نفسي حين ينصرف الجندُ".

فبلغ ذلك زوجته، وبلغها تغنّيه بجاريته التي وقع بها، فانقبض قلبها الرقيق واشتعلت نيران الغيرة في صدرها، وأرادت استفزازه ودَفْعَه على العودة إليها على جناح السرعة وإثارة غيرته وحميته، وعرفت من أين تؤكل الكتف، فكتبت له على الوزن نفسه والقافية عينها:

"ألا أقره مني السلامَ وقل له/ عُنينا بفتيان غطارفة مُردِ

فهذا أمير المؤمنين أميرهم/ سبانا وأغناكم أراذلة الجندِ

إذا شاء منهم ناشئٌ مدّ كفه/ إلى كبدٍ ملساء أو كفَل نهدِ".

والغطارفة هم الشبان الوسيمون، والمُرد هم من لم تنبت لهم شوارب أو لحى بعد.

لم يكن الهجاء متبادلاً بين الأفراد فحسب، بقدر ما كان بين القبائل، فالشاعر لم يكن يمثّل نفسه فقط، بل كان لسان القبيلة والناطق الرسمي باسمها، وتالياً كانت القبيلة تتموقع خلفه في مواجهة الشاعر الخصم وقبيلته

ولما قرأ زوجها كتابها، أسرع به إلى قائده قتيبة لكي يقرأه، فقام قتيبة بلومه بشدة، وقال له حرفياً: "أبعدك الله، هكذا يفعل بالحرّة". ثم أذِن له بالانصراف والعودة إلى زوجته، وهنا كسبت الحسناء هند والتي كانت ملكة جمال زمانها، قد كسبت المعركة، وآلت الأمور لصالحها، وفعلت ما كانت تشاء من عودة زوجها بحنكة وذكاء ودهاء.

أمير فلسطين وزوجته

في الجزء التاسع من كتاب "الأغاني"، لأبي فرج الأصفهاني (ت 356 هـ)، وفي كتاب "أخبار النساء"، لابن قيم الجوزية (ت 751 هـ)، وُجدت مساجلات شعريةً طريفةً بين أمير فلسطين روح بن زنباع الجذامي، وهو من قبيلة جذام، وزوجته الشاعرة حميدة بنت النعمان بن بشير الخزرجي، وهي شاعرة دمشقية وأصلها من قبيلة الخزرج من المدينة المنورة. ولعل هذه المساجلات من أطرف وأحسن ما روي في هذا المجال من الشعر بين الأزواج، فمن يقرأها يشعر بأنّها من النقائض التي انتشرت في العصر الأموي.

كان أمير فلسطين غيوراً على زوجته، وكان يبالغ في غيرته، وقد ضربها ووبّخها ذات مساء، لأنها كانت تنظر من شرفتها إلى وفد من قبيلته جذام، فردت زوجته عليه قائلةً: "ويحك، وهل أرى إلا جذامياً، والله ما أحبّ منهم الحلال، فكيف الحرام؟"، وبدوره ردّ عليها زوجها بالشعر قائلاً:

"أثني عليكِ أنّ باعكِ ضيق/ وأن أصلك في جذامٍ ملتصق".

فردّت عليه بقسوة ودون رحمة:

"تكحّل عينيك عند العشي/ كأنك مومسةٌ زانية

وآيةُ ذلك بعد الخفوق/ تغلّف رأسكَ بالغالية".

والغالية هو نوع من العطر، مركّب من مسك وعنبر وعود ودهن.

وهناك أبيات شعر نادرة ومضحكة ذُكرت في كتب التراث الأدبي العربي، تزعم فيها هند أنها فرس عربي أصيل تزوّجها بغل، فإن أنجبت مهراً فهو منها وإن  أنجبت بغلاً فمن والده. ولكن في كتاب "إعلام الناس لما وقع للبرامكة من بني عباس"، للمؤلف محمد دياب الإتليدي (ت ق 12 هـ)، فإن الكاتب ينسب هذه الأبيات إلى هند طليقة الحجاج. تقول الأبيات:

"وما هند إلا مهرة عربية/ سليلة أفراس تحللها بغلُ

فإن ولدت فحلاً فلله درّها/ وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

‎من يكتب تاريخنا؟

من يسيطر على ماضيه، هو الذي يقود الحاضر ويشكّل المستقبل. لبرهةٍ زمنيّة تمتد كتثاؤبٍ طويل، لم نكن نكتب تاريخنا بأيدينا، بل تمّت كتابته على يد من تغلّب علينا. تاريخٌ مُشوّه، حيك على قياس الحكّام والسّلطة.

وهنا يأتي دور رصيف22، لعكس الضرر الجسيم الذي أُلحق بثقافاتنا وذاكرتنا الجماعية، واسترجاع حقّنا المشروع في كتابة مستقبلنا ومستقبل منطقتنا العربية جمعاء.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard