كيف يمكن أن تعشق/يعشق أبناؤنا وبناتنا قصصاً كتبت قبل ألف عام؟

الجمعة 21 فبراير 202005:16 م

"كيف يمكن أن نتفاعل مع قصص كتبت قبل ألف عام؟ وكيف يمكن إعادة صياغة البنى الجمالية والأدائية في النصوص الأدبية بصرياً؟"

من هذين السؤالين، بدأ مشروع تحت عنوان "حياكة الكلام، اللهفة والصدفة والخيال" أصدرته المكتبة العربية في جامعة نيويورك أبو ظبي The Library of Arabic Literature وهو كتاب يعدّ الأول في سلسلة تستهدف فيها الناشئة، وتسعى لخلق فرصة  لتناول التراث بذائقة معاصرة وسياقات جديدة. 

يضم الكتاب قصصاً اختارها بلال الأرفه لي وإيناس خنسه، أستاذيّ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، من  نوع أدبي من العصور الوسطى يعرف بـ"الفرج بعد الشدة"،  وذلك بعد ورشة عمل تحمل العنوان ذاته مع الرسامة والمصممة جنى طرابلسي أجرتها الجامعة الأمريكية في بيروت ضمن مركز الفنون والآداب.

وقد قامت الفنانة جنى طرابلسي بتصوير الكتاب، كما اهتم بتحريره البروفيسور البريطاني فيليب كينيدي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك أبو ظبي.

عن الكتاب

مصدر القصص كتابان للقاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي (تـ. 384هـ/994م).

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة محاور معنونة تعنى بإضفاء ثيمة لموضوعات النصوص السبعة التي تندرج تحت كل منها للإيحاء بدلالاتها الأدبية وتسهيل استخلاص العبر المرادة منها في سياقها التراثي. وهي بذلك تعمل على إيضاح أجوائها البيئية والوشاية بفضائها الزمكاني إلى مخيلة القارئ خارج الحدود التقليدية التي تسلط الضوء على الشخصيات كأبطال للقصص. وهذا الغرض ينسجم مع ما تقدمه الرؤية للبصرية في الرسومات التي تتفاعل مع النصوص في تفسير صوري لمادة إبداعية كتبت قبل ألف عام لعين القارئ الناشئ اليوم. وفي تناقض، لعله متعمد، تأتي رسومات الكتاب غير مباشرة حيناً ومداعبة للخيال حيناً آخر لتعادل بلاغة الرواية وعبقرية اللغة وتجمع بين التوضيح البصري والإمتاع الحكائي.

الأسئلة الأخلاقية في المتخيل السردي

بعنوان "ترحال: الكشف والوعد والمنام" يقدم المحور الأول قصصاً لأسفار تقوم على المغامرة الفعلية بقدر ما تقع في مجال الرحلة المتخيلة للإضاءة على القيم التي سادت في ذلك العصر. فالجزاء من جنس العمل كما في قصة إبراهيم الخواص الصوفي الذي تمسك بالوفاء بنذره الغريب "ألا يأكل لحم فيل أبداً" ولو شارف على الموت جوعاً فنجا من انتقام الفيل الذي أهلك أصحابه.

"كيف يمكن أن نتفاعل مع قصص كتبت قبل ألف عام؟ وكيف يمكن إعادة صياغة البنى الجمالية والأدائية في النصوص الأدبية بصرياً؟"

ورؤى الرجل الصالح تصدق ولو كانت "مناماً مزوراً" كما في قصة عباد بن الحريش الذي استعاد أمواله بفضل حنكته وتوكله. وجزاء المعروف بآلاف من أمثاله كما حصل مع الرجل الذي "أصلح بين متخاصمين بدرهم" هو كل ما يملك فوهب الله له درة وجدها في بطن سمكة كسدت، باعها بمئة وعشرين ألف درهم. ولعلّ الهدف الأبرز من هذا المحور يتجلى بإظهار أهمية التراث العربي في إغناء وعي الناشئة حتى في ظل التداخل الحاصل بين التطور المتسارع للتكنولوجيا مع الفنون وتأثرهم به في وقتنا الحالي.

بين المجاز وعبثية القدر

يتناول المحور الثاني تحت عنوان "فضاءات متشابكة: الصوت والحجر والقدر" غنى التراث العربي بالمجاز ودوره المتشابك مع تفاصيل الحياة اليومية. وتظهر هذه الرمزية في معظم القصص التي يتضمنها المحور كقصة زواج امرئ القيس واختباره لذكاء وحكمة الجارية التي خطبها وقصة الشيخ الخياط الذي يرفع الآذان في غير وقته إذا عجز عن إنصاف شخص ما، أو حادثة الحجر المنتصب بين قريتين فإذا مال مالت أحوال الناس في القريتين حتى يعيده الرجال إلى انتصابه فتستوي الأمور مجدداً.

كذلك لا تقع بعيداً عن هذا التوصيف حكاية الرجل الذي سقط من أعلى جدار فسلم ولما أراد إخبار أهله عثر بعتبة الباب فوقع ميتاً، فهي كناية عن قوة القدر وسطوته. ولا يخلو المحور من النصوص التي تتغنى بفراسة العرب وسرعة بديهتهم ودقة ملاحظتهم كما حصل مع الأعراب الذين تنبأوا بموت قاضي القضاة بعد ثلاثة أيام ودفنه في داره لدى رؤيتهم للغراب وسماعهم لنعيبه.

حياكة الكلام، صنعة اللغة خلف قناع الخيال

يقدم المحور الثالث والأخير من الكتاب قصصاً عن الحيلة والخداع في سبيل المال أو الحب أو السلطة يسود معظمها قالب من الطرافة بعنوان "لقاءات وأقنعة وأدوار متغيرة". وعدا عن تناول أدب النوادر الذي يكرس السخرية كأداة أدبية في بعض القصص مثل "الأشتر وجيداء" أو العيار البغدادي الذي احتال على أهل مدينة حمص، يتناول المحور تقنية أدبية تعرف بالتجسيد، أي إضفاء صفات بشرية على غير البشر كما نرى في قصة الحية الناطقة التي استجارت برجل ثم أرادت أن تقتله.

وكما يشي عنوان المحور فإنه زاخر بالأقنعة والأدوار المتغيرة كما حصل بين الخليفة المأمون والكاتب في قصة "حائك الكلام"، أو في التخفي وتبادل الملابس والأدوار في قصة الأشتر وجيداء وحتى في التبادل الرمزي لأدوار الضعف والقوة في قصة الحية التي تحولت من الطريدة إلى المفترسة وقصة ملك الصين الذي أدب الرعب في صفوف جيش الاسكندر بعد أن هادنه وأسلم له. وتمثل هذه التقنيات الفنية ما يحمله النص التراثي من إمكانات إبداعية تربط الزمان والبيئة بعلاقة وثيقة في ذهن القارئ ضمن تقديم بصري حداثي وخارج عن المألوف يساهم في خلق ذائقة معاصرة للتراث.

يسعى مشروع المكتبة العربية في جامعة نيويورك أبو ظبي لإنشاء مكتبة كبرى تشكل مرجعاً قيماً للأدب العربي من العصر الجاهلي إلى عصر النهضة باللغتين العربية والإنكليزية

يجدر الذكر أن هذا الكتاب الذي افتتح سلسلة "المكتبة العربية" للناشئة يأتي كإضافة أخرى ضمن أعمال سابقة تولت المكتبة نشرها بموجب منحة مقدَّمة من معهد جامعة نيويورك أبو ظبي، وبالتعاون مع دار النشر التابعة لجامعة نيويورك. وذلك ضمن مشروعها الذي يهدف لإنشاء مكتبة كبرى تشكل مرجعاً قيماً للأدب العربي من العصر الجاهلي إلى عصر النهضة باللغتين العربية والإنكليزية سعياً منها إلى تعريف جمهور القراء بغناه وتنوعه.

وتعنى المكتبة بتقديم نماذج من مختلف مجالات العلوم والفنون كالفقه والفلسفة وكتب الأخبار والتاريخ والقصة والشعر كترجمة القرآن والحديث النبوي ومبادئ الصوفية عن كتاب الدمشقية عائشة الباعونية الذي ترجمه إيميل هومرين أستاذ الأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة روتشيستر؛ وكتاب مئة ليلة وليلة المتأثر بالسرد الشهرزادي والذي ترجمه بروس فادج، بروفيسور الأدب العربي في جامعة جينيف؛ وكتاب الطهي السوري روائح ونكهات Scents and Flavors A Syrian Cookbook، من القرن الثالث عشر والذي ترجمه المؤرخ تشارلز بيري؛ وكتاب رسالة الغفران لأبي العلاء المعري الذي ترجمه ضمن مجلدين كل من جورج شولر أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة بازل وغيرت فان غيلدر أستاذ اللغة العربية في جامعة أوكسفورد. إضافة إلى الكثير من الأعمال الأخرى، وقد سبق أن أشرنا لترجمة البروفيسور البريطاني جيمس مونتغمري لقصائد الحرب عند عنترة بن شداد War Songs by 'Antarah ibn Shaddad، والذي يعمل أستاذاً للغة العربية في جامعة كامبريدج ومحرراً تنفيذياُ للمكتبة العربية بالتعاون مع شوكت تراوة، بروفيسور الدراسات العربية والإسلامية في جامعة ييل.

كما يشترك باحثون آخرون من مختلف أنحاء العالم في تحرير إصدارات المكتبة وترجمتها ونشرها مطبوعة والكترونية لتكون متاحة للتحميل المجاني (رابط). 

في مداعبة للخيال، يعيد مشروع "حياكة الكلام" خلق نصوص التراث العربي لقراء اليوم، في سلسلة تفتح أدب العصر الوسيط على قيم جمالية معاصرة وأساليب قراءة إبداعية جديدة

ويشغر البروفيسور فيليب كينيدي، منصب المحرر العام للمكتبة وهو أستاذ الدراسات الشرق أوسطية والإسلامية والأدب المقارن في معهد نيويورك بأبو ظبي ونائب مدير المعهد للبرمجة العامة. ومن أبرز مؤلفاته كتاب قصائد النبيذ في الشعر العربي الكلاسيكي: أبو نواس والإرث الأدبي (Abu Nuwas: A Genius of Poetry  (2005، وكتاب Recognition. The Poetics of Narrative. Interdisciplinary Studies on Anagnorisis الذي فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن فئة الثقافة العربية بلغات أخرى. إضافة إلى دراسات عديدة قدمها حول الآداب العربية كأدب المقامات في بحثه المقامات الإبليسية للهمذاني.

أن نقرأ  التراث اليوم 

يختتم محررا حياكة الكلام بقولهما: "رغبتنا في أن نختار من المختارات الكلاسيكية، لها بعدان: الأول نابع من نزعة لمشاركة العوالم التي نعشقها في عملنا كأكاديميين، والثاني نابع من احترامنا لغنى التراث الأدبي العربي الذي نرجو أن يبقى في إطار وعينا الثقافي وجزءاً من هويتنا المعرفية،" ولعلّهما في هذه النزعة يشاركان الكثيرين منا، في عشق تراث غنيّ ينفتح على قراءات جديدة دون توقف. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard