شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
كيف نتعامل مع مشاعر الحزن حتى لا تقتلنا؟

كيف نتعامل مع مشاعر الحزن حتى لا تقتلنا؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والحريات الشخصية

الثلاثاء 4 يونيو 202412:53 م

قبل أيام، جمعني لقاء بصديقاتي المقربات تغيبت عنه إحدى الصديقات معللةً غيابها بأنها تعاني من مشاعر سلبية بسبب حزن شديد يجعلها تفتقد طاقة الاختلاط بأحد. وحين أخبرت صديقاتي بالأمر، استنكرن الأمر بشدة، وبدأت ملامح التعجب تبدو على وجوههنّ وذلك لاعتبارهنّ أن الإنسان حين يمرّ بفترات حزن يجب أن يقاوم ذلك الحزن من خلال التنزه، ومقابلة الأصدقاء، وبعض الأمور الأخرى التي تساعده على تخطي تلك المرحلة.

ودخلنا في جدل، إذ رأى البعض أنها ليست حالةً عامةً، وأن بعض الأشخاص يفضّلون عدم الضغط على أنفسهم حين تداهمهم حالة حزن أو مشاعر سلبية بشكل عام، واللافت أن الجلسة كانت تضمّ صديقتنا الطبيبة النفسية، فتحدثت عن أهمية احترام فترات الحزن، وأن الإنسان يجب عليه احترام مشاعره السلبية وإعطاؤها الوقت المناسب حتى يتعافى بصورة صحية.

تذكرت من حديثها لقاءً قديماً للنجمة دينا الشربيني، مع الإعلامي أنس بوخش، قالت خلاله إنها تعلمت احترام فترات حزنها، وتعلمت أن تأخذ الوقت الكافي حين يداهمها الحزن أو الاكتئاب حتى تتعافى بطريقة سليمة.

الحزن يؤدي إلى ألم جسدي

هناك أبحاث ودراسات علمية تؤكد أن الحزن حين يشتد يتسبب في الألم الجسدي، وفق ما يذكر بعض الأطباء، مستندين إلى دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية حول أعراض الاكتئاب الجسدية، والتي تكشف أنه بين 1،146 مريضاً ممن يحققون معايير تشخيص الاكتئاب، وهم موزعون على 14 دولةً، أبلغ 69% منهم عن أعراض جسدية تدل على إصابتهم بالاكتئاب كان أبرزها التعب وفقدان الطاقة.

"بعد وفاة طفلي الوحيد، دخلت في نوبة من الحزن الشديد استمرت لفترة طويلة، ولكنني كنت لا أتحمل ذلك الشعور بالحزن فكنت أستيقظ من النوم لأتناول المنوم وظللت على هذه الحالة لفترة طويلة حتى بدأت أفقد أشياء كثيرةً"

بدأت أفعل كل شيء يجعل ذهني مشتتاً

في حديثها إلى رصيف22، تقول راجية عبد الحميد (36 عاماً): "بعد وفاة طفلي الوحيد، دخلت في نوبة من الحزن الشديد استمرت لفترة طويلة، ولكنني كنت لا أتحمل ذلك الشعور بالحزن فكنت أستيقظ من النوم لأتناول المنوم وظللت على هذه الحالة لفترة طويلة حتى بدأت أفقد أشياء كثيرةً".

وتضيف عبد الحميد: "أما زوجي، فقد بدأ يعلن رفضه لاستسلامي لتلك الحالة، وبعد فترة وجيزة طلّقني. وقتها شعرت بأن الحياة انتهت وكاد الحزن أن يقتلني ولكن لأنني إنسانة عنيدة قررت أن أخرج من تلك الحالة بأقصى طاقتي، فبدأت أخرج مع أصدقائي، وأنخرط في علاقة حب، وأسافر، وأفعل كل شيء يجعل ذهني مشتتاً. وفجأةً من دون سابق إنذار، سقطت في بئر أعمق من الحزن وشخّص الأطباء الأمر بأنه حالة اكتئاب شديدة، وأخبرني طبيبي وقتها بأن السبب في تلك الحالة هو رفضي مشاعر الحزن، والآن تعلمت أن أحترم فترات الحزن حتى تمر بهدوء".

"بدأت أرفض مشاعر الحزن بسبب وفاة أمي، حتى دخلت في حالة إنكار غريبة وبدأ ينمو في داخلي شعور بأن أمي لم تُتوفَّ وأنها عائدة مرةً أخرى"

بدوره، يقول سامي الدغيدي (46 عاماً): "قبل فترة طويلة تعرضت لمشاعر حزن شديد جعلتني أفقد السيطرة على شهيتي، فكنت أتناول الطعام بشراهة دون أن أشعر بالشبع وعليه ازداد وزني بصورة كبيرة وهو ما جعلني أشعر بالحزن أكثر خاصةً أنني كنت شخصاً رياضياً. قررت أن أتخلص من مشاعر الحزن، وأن أتّبع حميةً غذائيةً، وبدأت أضغط على نفسي بشدة لممارسة الرياضة".

ويتابع: "ظللت على هذا المنوال لمدة أسبوع، ولكن بعدها حدثت لي انتكاسة وبدأت أتناول الطعام بشراهة أكثر، وحين توجهت إلى طبيب نفسي أخبرني بأنني أعاني مما يسمى بالجوع العاطفي، وهو ما يجعلني أشعر بالرغبة في تناول الطعام باستمرار، وبأن محاولتي للقضاء على مشاعر الحزن جاءت بنتيجة عكسية. بدأت أتابع جلسات نفسيةً مع الطبيب، وأنفّذ الإرشادات التي ينصحني بها، وبالفعل بعد فترة بدأت مشاعر الحزن بداخلي تهدأ ورغبتي في الطعام تقلّ".

بعد وفاة والدتها، أصيبت لمى (اسم مستعار)، بحالة اكتئاب شديدة، جعلتها تفقد الرغبة في ممارسة أي شيء: "حين وصل الأمر إلى عدم رغبتي في ممارسة عملي أيضاً، وقفت أمام تلك الحالة وكأنني أتحدّاها فبدأت أرفض مشاعر الحزن بسبب وفاة أمي، حتى دخلت في حالة إنكار غريبة وبدأ ينمو في داخلي شعور بأن أمي لم تُتوفَّ وأنها عائدة مرةً أخرى".

وتضيف هذه الشابة الثلاثينية لرصيف22: "ذات يوم وأنا أمارس عملي شعرت بألم شديد في قدمي وكأن أوتارها تتمزق، وحين ذهبت إلى طبيب عظام أخبرني بأنني أعاني من التهاب شديد في الأعصاب بسبب حالتي النفسية، وبدأت برحلة العلاج النفسي حتى أدركت أن تجاهلي مشاعر الحزن أثّر على جسدي بصورة واضحة".

مشاعر الحزن طبيعية ويجب تفريغها بشكل سليم

يقول هشام ماجد، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان، لرصيف22: "في البداية من الواجب معرفة أن الأعراض السلبية من مشاعر فقدان الطاقة، الشغف، عدم القدرة على إنجاز المهام وعدم القدرة على إنجاز الأمور اليومية إذا استمرت لمدة أسبوعين متواصلين يمكن تشخيصها بأنها حالة اكتئاب".

ويضيف: "من الخطأ معاندة المشاعر السلبية سواء الناتجة عن الحزن أو الاكتئاب لأن مشاعر الحزن هي مشاعر طبيعية ويجب تفريغها بشكل سليم كي يتمكن الإنسان من التغلب عليها".

ويشير ماجد إلى أن محاولة التغلب على مشاعر الحزن من خلال تناسيها إزاحة لهذه المشاعر أو إنكار لها: "هو ما يأتي بنتيجة عكسية تماماً، فحتى المصابون/ ات بالاكتئاب حين يأتون للعيادات لتلقي العلاج لا نلقي عليهم مهام شاقةً وفجائيةً، فلا نطلب منهم مثلاً مضاعفة ساعات عملهم أو التنزه والسفر، ولكن نطلب من الشخص أن ينجز أهدافاً بسيطةً، خطوةً خطوةً، حتى وإن كانت إعداد طعام يحبه وهو ما يسمى العلاج المعرفي السلوكي".

"من الخطأ معاندة المشاعر السلبية سواء الناتجة عن الحزن أو الاكتئاب لأن مشاعر الحزن هي مشاعر طبيعية ويجب تفريغها بشكل سليم كي يتمكن الإنسان من التغلب عليها"

ويشير إلى أن محاولة التخلص من مشاعر الحزن بعنف قد تؤدي إلى مخاطر أخرى كالأمراض العضوية: "صحة الجسد تتأثر بالحالة النفسية فأحياناً نجد الشخص الذي يعاني من حالة نفسية سيئة يعاني من آلام في أنحاء متعددة من جسده أو صداع نصفي حاد، لذا ننصح من يمرّ بحالة حزن أو اكتئاب أن يتقبل مشاعره ويتعامل معها بهدوء ولطف حتى تمر دون أن تتضاعف".

في النهاية يجب أن نعلم جميعاً أنه برغم صعوبة مشاعر الحزن إلا أنها مشاعر إنسانية طبيعية مثل مشاعر السعادة تماماً وعليه يجب أن تأخذ وقتها حتى تمر دون أن تترك آثاراً سلبيةً في أنفسنا وأجسادنا أيضاً.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard