شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
رسائل دونجوان ليبي حزين

رسائل دونجوان ليبي حزين

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز نحن والتنوّع

السبت 25 مايو 202411:30 ص



خلال الأشهر الأولى في أولى الحروب العالمية، سافر شابٌّ ليبي للدراسة في لندن. في 1916، راسل صديقة للعائلة، على الأرجح عجوز ممرّضة، وتلاها بعدة رسائل إلى زميلات في الدراسة وصديقات تعرف عليهن خارج المؤسسات التعليمية.

حين صادفتني رسالته الأولى، كنتُ متيقناً من زيفها، فالليبيّون وقتها شعبٌ مشتّت خارج للتو من الحكم التركي لينتقل إلى الوصاية الإيطالية قبل تحوّلها إلى الفاشية. مهما يكن من أمر، لم أصدق أن ثمة ليبيّ قادر على الخروج آنذاك للدراسة، لا سيما في قلب الإمبراطورية البريطانية.

وجدتُ باقي الرسائل وتحققتُ من أصالتها. وعدتُ حفيدته في مدينة شحات، مسقط رأسه، ألّا أبوح باسمه. الرسائل تبدأ من 1916 وتنتهي في 1983 قبل وفاته في 1987.

الرسائل عديدة، اخترتُ منها أربع.

لا أحد يعرف ما هي ليبيا، كما يبدو، باستثناء بعض الطلبة في قسم علم الحيوان، فهم عليمون بسلطعون ليبيا... مجاز

*****

شرق لندن، إنجلترا. 10 سبتمبر، 1916

عزيزتي ميلدرِد

أعتذر عن تأخّر رسالتي. لقد حوّلتني ضغوطات هذه الوظيفة إلى رجل بريطاني حتى العظم. ما زلتُ أعمل على تحسين إنجليزيتي، وما زلتُ أجاهد في فهم الناس، فعديد اللكنات واللهجات تحوم في هذه المنطقة. ما زاد الطين بلّة أن جاري فرنسي. غالباً ما يهديني الجرائد، لكنك تعرفين أني أكره الفرنسية ولا أفهمها. عبث أن أقبل هداياه وأنا الرافض دائماً للعبث.

كيف حال أمّي وهل ساءت أحوالها بعد؟

منذ أيام، زرتُ أوكسفورد مع السيد كاننغهام، إذ اقترح أن أزور الجامعة وأقابل الطلبة الأجانب في قسم الأدب الإنجليزي. قابلتُ بعض المهاجرين العرب من الشام ومصر. لم أتفاجأ، فالمصريّون في كل مكان. ما فاجأني هو لقاء الليبي الوحيد في أوكسفورد، وربما الوحيد في إنجلترا. لم يكن طالباً، بالطبع، لكنّي سأخبرك بقصته في وقتٍ لاحق.

لا أحد يعرف ما هي ليبيا، كما يبدو، باستثناء بعض الطلبة في قسم علم الحيوان، فهم عليمون بسلطعون ليبيا. الإنجليزيّون مهمومون بالحرب، وليست توسّعات الإمبراطورية الإيطالية – الحليفة – على رأس أولوياتهم. لكنهم لا يتفاجؤون حين أخبرهم عن عجوز مخبولة من لندن، صارت تعيش لسنوات في جبال برقة المهجورة. علمتُ أن ثمة الكثير من أمثالك في الهند.

لا أحد في مأمن يا ميلدرِد، سواء حضرت الحرب أم غابت. لستُ متأكداً من عدم وقوعنا، نحن الليبيين، في قبضة الإمبراطورية البريطانية، أو مما قد تجلبه هذه الحرب إلى بلدك. ولستُ متأكداً أننا سنثور جميعاً في وجه الإيطاليين الذين لا يبالي أحد بأفعالهم، كما يبدو. كما أني أجهل كيف سيعيش شعبيْنا بعد مئة سنة. ما أعلمه الآن أننا لسنا مختلفيْن تماماً. فقد جُبتُ لندن ورأيتُ أن العشاق لا يتبادلون القبلات في الشارع كما كنتُ أعتقد. في الواقع، الأمر أسهل لعشّاقنا في النجع. أرى أشباح العصر الفيكتوري في كل مكان... لم تفوّتي الكثير في بلدك يا ميلي.

ولكم أستثقل قدسية العائلة والوطن وأجد صعوبة في تفهّمها، إذ تودّع الزوجات وبعض الآباء والأمهات أولئك المجندين الشباب وهم يختفون في قطارات الحرب صوب الجبهة. لا أعتقد بأنهم يبغضون هذا الحال، ولا أشعر بأي تعاطف تجاههم.

لا أعتقد، يا ميلي، أن التغيّر الذي طرأ في الشهر الماضي أمر يجب عليّ أن أهابه أم أحتضنه، فما عدتُ أشعر بالامتنان. لا امتنان لأي أحد ساعدني في مغامرتي الغريبة هذه. لم يجب أن أكون ممتنّاً ولم لا؟ ما أعرفه أني سأستمر في فعل ما أحب، وهو ما صرتُ أثمّنه طيلة الشهر: تدريس اللغة العربية لذوي الوجوه القرنفلية ليست مهمة صعبة. لا أدري من أين جاء هذا الشغف، من إرادتي أو من محض مصادفة، كالمصادفة التي جمعت بيننا ومضت، لنعِش كما نعيش اليوم ونمتهن غرائب المهن في غرائب الأماكن.

تحياتي،

صديقك العزيز

*****

بنغازي، 30 أكتوبر، 1958

عزيزتي أيسي

كم أشتاق إلى داكار البهية، وكم أشتاق إلى رفقتك!

تهاجر نفسي بلا كلل، تمتد عبر الدرب الذي يفصل النائمين عن المعيلين. لم تسيّر الثقافة فهمي للخير، أو هكذا اعتقدتُ. وإذ أراسلك جاهلاً بمخزون الثنائيات الوافر (الطبيعة والتطبّع، تقبّل الصفحة البيضاء والتديّن) وما يقع بينها، فإني أقارب "الإنسان البسيط" في جهله الواعي بذاته.

والخلاص لا يتأتّى من ضرورة الخير. فكيف نتخلص من النبرة المواعظية إذا حضرت الضرورة؟ وهل النبرة المواعظية شريرة في حد ذاتها؟ هل نفكر أصلاً في هذا التجنّب المفتَرَض في نبرتها المواعظية؟ (استمناء تفلسفي سيتوقف هنا).

حريّ بي الآن أن أحترم ما كتبته: لم تسيّر الثقافة فهمي للخير، أي سأتجنّب التجريد وأتحدث قليلاً عن ذكريات وأحداث وبعض الانطباعات، مع أني لن أحصرهن في رسالة وحيدة.

تعرفين عمّي حسن. كنتُ صغيراً أؤلّهه وأقول في نفسي: "إنه يفهم الحياة جيداً". وقد آمنتُ بذلك لردود فعله الهادئة ولطرائقه الصامتة في رصد أفعالنا، نحن الأطفال. لكنني بدأتُ في مساءلة إيماني في كلّ مرة أقع فيها ضحية غضبه. من هناك بدأتُ في مساءلة الخير وطبائعه: من هم الأخيار ولم هم أخيار وكيف يصيرون أخياراً؟

وقد تأتّى الكرب الأعظم من مساءلتي للخير في نفسي. أجبَرتُ نفسي على ارتكاب العنف لأبرهن صلاح الخير، وأعتقد أن تلك التجارب استأصلت "الصخب والعنف" في باطني.

تعلمين أني نادراً ما أغضب وأبوح بما أشعر دون تثبيط، لكني مثبَّط دائماً. أعالج غضبي ولا أكتمه. هذا ما قرّبني إليك، إذ لم أشعر إطلاقاً بالغضب في صحبتك، عدا ما يسترعي معالجةً، وليس الغضب الانفجاري الذي يُذهِب العقل.

أنا وأنتِ من الأخيار لأننا نتعلّم ونكتشف. لا نطالب بمركز الكون لأننا أكواننا الخاصة.

آمل أن أراكِ قريباً. ما ذكّرني بالخير لقاؤنا الأول. أتذكر أنك أخبرتِني عن الجو "الدافئ" في الحفل. إلى ذلك الجو ننطلق.

إليك حبّي

صديقك من شمال إفريقيا

كم أستثقل قدسية العائلة والوطن وأجد صعوبة في تفهّمها، إذ تودّع الزوجات وبعض الآباء والأمهات أولئك المجندين الشباب وهم يختفون في قطارات الحرب صوب الجبهة... مجاز

*****

الغريقة، ليبيا، 13 سبتمبر، 1973

عزيزتي كتالينا،

سمعتُ الخبر للتو. استجابتي متأخرة يوميْن والله أعلم متى ستصلك الرسالة. ما زلتُ في القرية حيث مددتُ عطلتي الصيفية من الجامعة. كما تعلمين، تصلنا أخبار العالم متأخرة، لا سيما آخر أخبار الانقلابات العسكرية.

آسف جداً، كاتي. أعرف كم كنتِ تأملين في التغيير في سانتياغو، تحديداً. لا أتفضّل عليك قط بكلامي هذا، ففي جعبتي ما أقوله عن الدكتاتورية، وإني متيقن من تردّي وساخة الحال هنا.

لا يخبرنا الأخ القائد برأيه في المسألة التشيلية، ولا أعتقد بأنه ينوي إخبارنا في المستقبل. غير أننا لا نعلم تماماً ما يجول ويجوب في رأسه. في الحالتيْن، اِتناكت حيواتنا. أتحدث بصفتي مختبراً لما ستختبرينه، وسأحاول أن أعدِّك لتقاومي.

أقارب الثمانين وما زلتُ أهدر الوقت مع مراهقي العائلة في المزرعة. وإذا ما بدا في الأمر استسلام، فقد يبدو أيضاً منحى من مناحي المقاومة. ها أنا أربّت على ظهور الأبقار بالقرب من بوابة مزرعتنا. أقاربها بلا خوف كيلا تشعر بخطر لمستي الآدمية. تذكرني الأبقار أن "الحياة تستمر" وآمل أني أذكرها بوعيي بوعيها. وقد يبدو المشهد برمته سخيفاً لكِ وأنتِ خارجة للتو من صدمة السلب. يتناسى البعض أن القمع يسلب ما لا يُرَد.

يجب أن أعرف ما ستفعلين، يا كاتي. أستهاجرين؟ أستنضمين إلى حركة مقاومة ضعيفة؟ أم ستهدرين الوقت في "مزرعتك"؟

لطالما تحدثنا عن مدى معرفتنا وخبرتنا، ومع ذلك، ها نحن عالقان. إننا عاجزان وبلا أمل. وما العمل حين يصبح البديل الوحيد للموت كامناً في "الحياة من دون تجربة".

ربما أراسلكِ كناصح، كوني أحد مواطني الأمم المقموعة، ولكنني أيضاً صديق يستجدي السلوان. أحتاج إلى مقاومتك. ليس لمثاليات خاوية. ليس لحب الوطن. أحتاج أن تجاهدي النفس حتى نلتقي مجدداً ونستكشف هذه النكبات. أتتخيلين العالم بلا مقاومة عبثية؟

أحبك يا كاتي. ما يجمعنا أكبر من الانقلابات العسكرية كلها: إنها الصداقة! رجاءً، لا تدعينا نفقدها، وقاومي! قد لا نبات قادرين على تغيير واقعنا، وإنما نقدر على تغيير تاريخنا الراهن فنتقابل قريباً. لا يسعني السفر إلى تشيلي، بالطبع، لذا قد نخلق تسوية ما، بها نشارك حكاياتنا مع العالم، أو ما هو أفضل، أن نشارك حكاياتنا مع بعضنا بعضاً.

وافر حبّي

منذ اليوم الأول لانتقالي إلى هذه الخرابة، دأَبَت عشرات البرغشة على زيارة حوض الحمام، تقضي أياماً هناك وتموت. ربما صار حوض الاستحمام في الغرفة "كتفاً يزوره الموت ليبكي"... مجاز

*****

طرابلس، ليبيا، 17 نوفمبر، 1983

عزيزتي مونا

دعيني أولاً أفتتح حديثي، كالعادة، بالفظاظة وقلة الذوق.

عندما وصل سيدنا موسى إلى سيناء، رفع الرب وزره في مناحي الحياة كافةً، بدءاً بشق البحر إلى شق الوصايا. رُفِعَ الوزر عن اليسوع، أيضاً حين تيقن أن الشيطان مبالغ في أمره. في المقابل، صار نبيّنا محمد أكثرهم صلابة؛ أول الدبلوماسيين الحداثيين، فقد أُجبِر على التعامل مع المهربين ليصل بلاد الحبشة بعد الجهر بالدعوة – تبعاً لشقاء ثلاث سنوات من التكتم – ومن ثم، أجبِر على تلقي الردود العنصرية من الملوك والقياصرة. على أي حال، لم تنتابه أزمة روحية خلال رهبة الدعوة، من وحي جبريل إلى ثقل الإسراء والمعراج على النفس.

من هنا أحدثك عن ثقل النفس. نفسي مثقَلة يا مونا، من شدة التسويات التي أمارسها كل يوم. إنه الوجع المخدَّر الذي تحدث عنه روجر ووترز. لا أعتقد بأني سأجد شيئاً من جلَد نبيّنا محمد في نفسي. يبدو كلامي بليداً ووقحاً، لكنه على العكس تماماً.

وبصفتك زميلتي السابقة، أرى أن لي كامل الحق في أن أشكو إليك، إذ أرسل جعجعتي المهرَّبة هذه كما اعتدتِ أن تهديني أفلاماً مهرَّبة (وسأظل ممتنّاً لك).

إنها الثمانينيات المجهولة. تدلّ الثمانينيات في اللغة الإنجليزية إلى شيء آخر. صحيحٌ أنكم ما زلتم تكتشفونها، لكنها تختلف عن ثمانينيّاتنا. آمل أن تتذكري ثمانينيّاتنا كما تتذكرين ثمانينيّاتكم، في السرّاء والضرّاء. ولئن أقمت عاميْن فقط وسط البدو، فهو زمن كفيل أن يجاري تحولات الروك آند رول والاقتصاد والحرب، وهي جميعها من هندسة أمتكم الجبارة.

دعيني أحدثكِ الآن عن غرفتي في سكن الجامعة الداخلي.

منذ اليوم الأول لانتقالي إلى هذه الخرابة، دأَبَت عشرات البرغشات على زيارة حوض الحمام، تقضي أياماً هناك وتموت. ربما صار حوض الاستحمام في الغرفة "كتفاً يزوره الموت ليبكي"، كما قال لوركا. وبغض النظر عن الشعر والبكاء، أرى في المشهد هبة سماوية لطالب دراسات عليا لكي ينشر قصيدة "رمزية" عن حال السجناء السياسيين أو عن الجنود في تشاد.

هذه هي محطتي الأخيرة يا مونا. ما زلتُ أنعم بحب الذات والحكمة السبينوزية، وكلانا يعلم أن لا جدوى من تعرية النفس في رسالة واحدة، وهي العاجزة عن التعريف بأي إنسان في أي مكان. ستُهرَّب هذه الرسالة العاجزة إليكِ عبر إقاماتها المؤقتة، لعلها تنتهي بين يديْكِ.

وداعاً،

تلميذك القديم

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard