شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
الرسالة... تطفّل سيّئ على الفنون

الرسالة... تطفّل سيّئ على الفنون

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والتنوّع

الثلاثاء 21 مايو 202411:52 ص

ثمة أفكار كثيرة تستمد قيمتها من كونها مكرّرة وليس بسبب صحتها، فاستخدامها الشديد قد جعل العقل يستقبلها كحقيقة، بينما عند التدقيق بالدلالة التي تعطيه الجملة، فهي لا تمنح أي معنى، أو في أفضل الأحوال، ستعكس مفهوماً مختلاً وغير مكتمل، فلو سألت شخصاً يتغنّى بها: ما معنى الفنّ رسالة؟ لن تحصل على أي تفسير، لأن كل تعريف من الممكن سماعه سيسقط عند أبسط حجاج، فهذا التاريخ المتراكم من الجمال والإبداع والعبقرية، لا يمكن اعتسافه لصالح الرسالة لأنه فن، فن فحسب.

يبدو أن عبارة "الفن رسالة" قد صعدت من وعي يحتقر الفن، وبالرغم من قساوة هذا الاتهام إلا أنه، وبكل تأكيد، لا يمكن أن يطلق هذه العبارة شخص يجد في الفن قيمة بحد ذاته، لأن إرفاق مفردة "الرسالة" يبدو بمثابة محاولة لإعطاء أهمية ما لشيء بلا قيمة، ويظهر بشكل أو بآخر، وكأن الفن لا يكفي، لذا، من المخجل تكرار هذا الكلام من قبل رواد الفنون، لأن هذه العبارة يجب أن تبقى خاصة بالطرف المناهض، والذين يقع في الغالب ضمن تيارات منغلقة، يعتقدوا بأنهم أوصياء على الآخرين، ومسؤوليتهم تحسين المجتمع الفاسد بالضرورة، وبالتالي يجب أن يكون كل شيء، بما فيه الفنون، وسيلة لتحقيق هذه الغاية؛ غاية إرشاد كل ضال، حسب وجهة نظرهم.

لتصل الفنون إلى هذا المستوى من التطور واكتساب مساحة واسعة في حياة الناس، مرّت بالكثير من الصراعات الوجودية مع تيارات - دينية وغير دينية - حاولت، ولازالت تحاول، القضاء عليها، أو إلى الحد من انتشارها، ومحاصرة الحرية المفتوحة فيها، أو تحجيم أهميتها على الأقل، لأن تلك الفئات تجد في انتشار شيء ما غير أفكارهم، أمراً باعثاً على القلق، فهم لا يريدون لأي خطاب أن يصل إلى المجتمع، سوى ما بحوزتهم، ومع ذلك، بقي هذا النزاع الدائم محسوماً لصالح الفن كقيمة ثابتة، وينتشر أكثر أمام الاعتداءات المتعدّدة، إلا أنه لا يستبعد خسارته لأسباب ذاتية، خلفها مقدمو أطياف تلك الفنون، فيما لو تم الانصياع إلى حملات تضمين الرسالة في أعمالهم.

عبارة "الفن رسالة" صعدت من وعي يحتقر الفن، وبالرغم من قساوة هذا الاتهام إلا أنه، وبكل تأكيد، لا يمكن أن يطلق هذه العبارة شخص يجد في الفن قيمة بحد ذاته، لأن إرفاق مفردة "الرسالة" يبدو بمثابة محاولة لإعطاء أهمية ما لشيء بلا قيمة

القول بأن الرسالة وسيلة قد تدمّر الفنون، أمر لا يوجد فيه أي مبالغة، ولا ينتج عن حساسية زائدة إزاء الخطاب التوجيهي الآتي من عقلية رجعية، بل، لخطر ذلك على مستقبل الإبداع، فالأعمال الفنية العبقرية، بكل تأكيد، لا يمكن أن تولد إلا من تفكير واسع الأفق، بينما حصر العقل بوجوب قول أمر محدّد مسبقاً، سيعمل على تخفيض، وإلى درجة كبيرة، المستوى الإبداعي للفنون، وسيخضعه لاستعباد من نوع ما، بسبب تغير مساره؛ من فن يحاكي الحياة ويتصل بإحساس الإنسان، إلى خطاب إرشادي، يتطفّل على المساحة السلوكية للأفراد والمجتمع، دون أدنى احترام للمتابع، لينتج سؤال: من أين حصل صانع العمل على هذا الحق، والذي بموجبه، يقول للآخر ما هو الجيد من السيء؟

في الحياة الأولى، وقبل هذا التراكم الكبير، وُجِد الفنّ فحسب، ولم يكن حتى اسمه هكذا، لكن في نشأته البدائية، والتي لا يعرف أحد تاريخ تلك النواة ولا من ساهم بها، لم يفكر أحد في رسالة ما، بل لم تكن هناك رغبة في إيصال أي فكرة، فقط شخص وجد شيئاً في أعماقه، وأراد التعبير عنه، وفيما بعد سعت الفنون، بقصد أو بغير قصد، لإضافة البهجة إلى المجتمع، والبهجة قيمة بحد ذاتها، لذا فإن حشر هذا الأمر المتمثّل بالرسالة لم يحدث إلا في فترة متأخرة من وجود هذه الجمال، كما ويعتبر تطفلاً سيئاً في حق الفنون، وطعناً في كيان هذا السياق المهم، والذي أعجب به الأفراد هكذا دون أي إضافة.

فكرة الرسالة في الأعمال الإبداعية قد تحيل الفنون المعتمدة على اتساع الخيال، إلى ما يشبه الدروس الدينية القائمة على إسداء التوصيات، بينما تبقى قيمة الأعمال الفنية - من أعظمها حتى أبسطها - في ما قدّمته وتقدّمه من جمال، وليس بالكيفية التي أرشدتنا، فالذهاب لمشاهدة شيء أو الاطلاع عليه، يقع خلفه دافع آخر، وهو الحصول على إحساس ما من الصعب تسميته، وليس لكي نتلقى نصائح معينة، سواء أخلاقية أو اجتماعية أو وطنية. أيضاً، وجوب الرسالة فكرة آتية من ذهنية الوعظ، والتي يجب أن تكون قد انقرضت، لأن هؤلاء خطر على المجتمع، والمقصود بهؤلاء كل من يدعي حراسة الفضيلة ويشعر بأن مهمته تغير أخلاق الآخرين وزراعة القيم الفاضلة.

يرتفع خطر الرسالة عند وضعها كمعيار للحكم والتقييم، والحقيقة أن هذه جريمة بحد ذاتها، لأنه، وفي هذه الحالة، سيتم استبعاد نسبة كبيرة من الأعمال بلا مراعاة لقيمتها العظيمة، وستتحوّل الموسيقى التي تسحرنا إلى هراء، وذلك التشويق التي تشدنا إليه الدراما مجرد تفاهة، وكذلك المطالعات الأدبية والفنون التشكيلية، سنقلع عنها لأن أغلبها لم تعرفنا على الخير وتدلنا عليه، وستقف ضد ذهولك على الحوارات الآسرة في مشاهد الأفلام، قاتلاً الدهشة الفطرية فيك، بالإضافة إلى أن زراعة مفهوم الرسالة قد يدمر النفس السوية في الأساس، لأنه عندما يعجب الفرد بقصيدة لمحمود درويش، أو جملة لنيتشه، أو لوحة لفان جوخ، أو مسلسل لحاتم علي، أو حتى مبنى لزها حديد، يعجبه لأنه لامس شيئاً غير مفهوم في داخله، وبقي انجذابه إليه بلا تفسيرات، وليس لأنه دلّه على صواب ما.

إذا كانت الرسالة مهمّة لهذه الدرجة، لماذا يعجب الناس بمهارة لاعب كرة قدم، أو بخفّة لاعب سيرك، أو بعبقرية ما يقوم به شخص يعمل في فن التوازن، أو حتى بمتزلج، وباقي الفنون؟

يختلف التقييم البشري للأعمال الإبداعية، فكل شخص ينظر للعمل بطريقته الخاصة، إلا أن هناك أعمالاً فنية معينة تلقى إجماعاً عالمياً لعبقرتيها، ونادراً ما تجد شخصاً يقلل منها، هذه الأعمال - أياً كانت فئتها الفنية - لو تم أخذها وتحليلها بشكل دقيق، لوجدنا أن تفوقها لم يكن بسبب الهداية التي تمنحه للمشاهد، أو الموعظة الناتجة عن انتصار الخير فيها، بل لأسباب مختلفة تماماً عن هذا، يقع على رأس تلك الأسباب، مستوى ذكاء الاشتغال، والجمال الذي يسكن أعماق ذلك العمل، وقدرته على بعث الإحساس بالدهشة والذهول، إلى الحد الذي يصرخ المطالع بسؤال يبقى عالقاً في الهواء حتى الأبد، لا يجد له إجابة، سؤال: كيف فعلها؟

إن ما يحُسن الإنسان ويلهمه قد يكون مشهداً بسيطاً وعابراً، صعد من فنان لا يبالي بشيء، ويحصل عليه الشخص بطريقة غريبة، لا هو انتظره، ولا الذي قدمه كان يقصده غالباً، بينما مشاهدة حلقات مصنوعة لأجل تهذيب الفرد لا تبعث سوى على النفور، أيضاً، الأشياء الخالدة تحدث لأنها تستحق، وليس لأن صانعها تعمّد ذلك، أو لأن فيها شرحاً لطريقة الحياة الجيدة.

"إن ما يبقى من مدينةٍ هو النظرة المنفصلة التي كان قد ألقاها عليها شاعرٌ نصفُ ثمل"، وفي التحليل النفسي يقال إن كل الأشياء العظيمة تتدفّق من اللاوعي، وفيما بعد، يأتي تنقيحها الواعي، بينما عندما يريد الشخص شيئاً محدداً، فإنه سيعجز عن تقديم أي عظمة، لأن الرسالة تعمّد مبالغ به، بطريقة تقضي على أي إبداع.

إذا كانت الرسالة مهمّة لهذه الدرجة، لماذا يعجب الناس بمهارة لاعب كرة قدم، أو بخفّة لاعب سيرك، أو بعبقرية ما يقوم به شخص يعمل في فن التوازن، أو حتى بمتزلج، وباقي الفنون؟ كيف يعجب بهؤلاء ويدفع أموالاً للذهاب لمشاهدتهم والاستمتاع بهم، بالرغم أنه أغلبها عروض ممتعة، ولا تقدم أي توعية؟

هذا يثبت بأن لزوم رسالة ما في كل ممارسة غير مهم، وإلا فإن هذه الفنون من المفترض أن تكوم قد انقرضت، وليست في ازدهار دائم، كما هو الحال.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard