شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
كيف يحيي الفلسطينيّون ذكراها؟… النكبة مستمرة والحلم ينتظر

كيف يحيي الفلسطينيّون ذكراها؟… النكبة مستمرة والحلم ينتظر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والتاريخ نحن والحقيقة

الأربعاء 15 مايو 202409:42 ص

ربّما لم يعد العالم في حاجة لأن يتتبع ما يحصل في فلسطين من سلب يوميّ للأرض والروح والذاكرة وحريّة الحركة وتقرير المصير، حتّى يقول إن نكبة الفلسطينيين ما زالت مستمرّة.

فحرب الإبادة على قطاع غزّة تمنح الذكرى الـ76 للنكبة أهمية ومعنى أكثر عمقاً، كأن غزّة هي الملح الذي يُضاف إلى جرح النكبة، أو كأنها الاستعادة المتضخمة أمامنا لنكبة عام 1948.

وتظلّ الفكرة الأساس، والمطلب الجوهريّ، عند إحياء النكبة هو عودة اللاجئين إلى بيوتهم، حتى لو كانت هذه البيوت مجرّد ذكرى أو صور تعيش في المخيلة.

لقد شرّدت العصابات الصهيونيّة عام النكبة، ما يربو عن 950 ألف فلسطيني من أصل نحو مليون و400 ألف، إلى الضفة الغربية وغزة والدول العربية المجاورة. وها هي اليوم تشرد، من أصل مليونين و300 ألف غزيّ، نحو مليون و900 من بيوتهم وتنسف معالم حياتهم المدنية والحضرية والمعرفية. فهل يشعر الفلسطينيون أنهم أمام نكبة جديدة؟ وكيف تؤثر حرب الإبادة في غزة على إحيائهم لذكرى نكبتهم الأم؟

ستكون غزة مركز ومحور الحدث لأنشطة وفعاليات ذكرى النكبة في كل مكان في العالم

العين على غزة

"ستكون غزة مركز ومحور الحدث لأنشطة وفعاليات ذكرى النكبة في كل مكان في العالم"، يقول الباحث في تاريخ يافا الحديث سامي أبو شحادة.

ويؤكد لرصيف22: "ما يجري حالياً هو جزء من هذه النكبة المستمرة. وعليه، فقد اتّفق على ربط حرب الإبادة الجارية بنكبة العام 1948، عبر محاضرات وأنشطة ومسيرات ومظاهرات ستتحدث عن حرب الإبادة ضد أهلنا في القطاع".

وخرجت أمس الثلاثاء 14 أيار/ مايو 2024، مسيرة العودة السنوية التي تنظمها لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين في الداخل الفلسطيني. هذا العام، عاد آلاف الفلسطينيين في هذه المسيرة إلى قريتي الهوشة والكساير المهجرتين.

ورفعوا شعارات تطالب بحق عودة الشعب الفلسطيني، وشعارات أخرى مطالبة بوقف حرب الإبادة على غزة.

مسيرة العودة إلى قريتي الهوشة والكساير (تصوير سماء واكيم)

من جهتها، فقد اختارت اللجنة الوطنيّة العليا لإحياء ذكرى النكبة في دائرة شؤون اللاجئين، التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، هذا العام شعار "رغم الإبادة باقون ورغم التهجير عائدون".

يقول محمد عليان، المنسق العام للجنة "إن الشعار يدلل على أن النكبة واللجوء مستمران منذ عام 1948، وأن الشعب الفلسطيني، رغم محاولات تصفيته، باق وعائد".

"الغزيون ضحايا النكبة. واليوم يعيش أبناؤهم وأحفادهم نكبة جديدة على يد القيادات الإسرائيلية"، يقول لرصيف22 مدير مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان في الناصرة، المحامي والناشط الحقوقي عمر خمايسي.

ويردف: "أعتقد أن ذلك سيدفع بالمزيد من المشاركين في أنشطة إحياء ذكرى النكبة، بحيث يتم تسليط الضوء على النكبة الجديدة التي تحدث في غزة والتي يشاهدها العالم بالبث المباشر".

هل نسي الصغار؟

تشعر الناشطة وطن ماضي (21 عاماً) من قرية عرابة بأن إحياء ذكرى النكبة هذه المرة يأتي مع مشاعر ثقيلة، تذكرنا مرة أخرى بأن السياسات التي تمارسها إسرائيل بحقنا تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. "نحيي كل عام ذكرى حدث مضى، واليوم نحن نعيش هذا الحدث"، تقول لرصيف22.

وتردف: "إن إحياء ذكرى النكبة واجب علينا. وخلال وجودي كطالبة وناشطة في جامعة إسرائيلية، نظرت إلى الحديث فيها ضرورة من أجل أن يعترف الآخر بهذا الغبن التاريخي"، تقول وطن.

مضيفةً: "صحيح أن ثمة مشاعر المشتركة تجمعنا، في هذه الذكرى، كفلسطينيين، كالحزن والقهر، إلا أنني أنظر إليها بعين الأمل. ها هي الأجيال الجديدة، وبعد 76 عاماً، لا تزال تتذكر وتحافظ على هذا الإرث التاريخي. نحن شعب مستمر ولا يسكت عن المظلومية التي تعرض لها".

كذلك يشعر محمد عبد ربه (63 عاماً) من القدس، بأن نكبة المقدسيين مستمرة. فهم يعيشون استهدافاً يومياً. "يتمثل في هدم المنازل والتطهير العرقي وإسقاط حق الإقامة عن المقدسيين واستهداف المسجد الأقصى بشكل يومي"، يقول لرصيف22.

ستطلق صافرة الإنذار من المساجد وتدق الأجراس من الكنائس مع إيقاف للحركة العامة لمدة 76 ثانية، بعدد سنوات النكبة

أما يسري الغول (43 عاماً) من شمال قطاع غزّة، فيقول: "لا يزال الاحتلال يمارس سياسة التطهير العرقي للإنسان الفلسطيني، محاولاً طمس الهوية الفلسطينية، عبر العديد من الوسائل كتدمير الهوية، وسرقة الآثار والتراث، وتهويد الفكر وكي الوعي".

ويضيف: "رغم كل ذلك، سنبقى صامدين متجذرين في أرضنا، ومستمرين في الدفاع عن حقوقنا. فحتى لو مات الكبار، لن ينسى الصغار".

كيف سيتذكرون نكبتهم؟

تنظم اليوم 15 أيار/ مايو 2024، اللجنة الوطنيّة العليا لإحياء ذكرى النكبة، فعاليات في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، ودول الشتات في العواصم الغربية.

وسيُعقد جزء منها أمام البرلمان الأوروبي ومجلس الأمن الدولي، رفضاً للتهجير حل بالفلسطينيين عام النكبة، وللحرب الحالية القائمة على تهجير الغزيين.

"كما سيتم إطلاق صافرة الإنذار من المساجد ودق الأجراس من الكنائس مع إيقاف للحركة العامة لمدة 76 ثانية، بعدد سنوات النكبة، حداداً على أرواح هداء شعبنا الفلسطيني وعلى نكبة عام1948"، يفيد عليان.

وكان دعا الباحث سامي أبو شحادة إلى عمل وحدوي في ذكرى النكبة بهدف إحداث تأثير أكبر. فبادر إلى تنظيم الائتلاف الفلسطيني لإحياء ذكرى النكبة، تحت شعار "76 عاماً من المقاومة والصمود… باقون وعائدون".

قربة الكساير المهجرة، وعلى التلة تظهر مستوطنة "جفعات تال هال" التي أنشئت على أرض القرية (تصوير مقبولة نصار)

ومن الأنشطة المركزية لهذا الائتلاف، حسب أبو شحادة، هي محاضرة إلكترونية يقدمها اليوم 15 أيار/ مايو 2024 المؤرخ، ابن غزة، سلمان أبو ستة، تحت عنوان: "لا بدّ من فلسطين ولو طال السفر".

سيتناول فيها أبو ستة النكبة والتهجير، وتطرح خلالها أفكار عملية حول قضية العودة وإمكانات تحقيقها، والتعاطي معها كمشروع وليس كحلم وحسب. وإمكانية تحقيق ذلك، والتعامل مع العودة كمشروع وليس كحلم.

"كما ستكون هناك خيمة نعرض فيها ما يجري من حرب إبادة بشعة بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة"، يضيف أبو شحادة.

وتحت عنوان أسبوع العودة، انطلقت جمعية الثقافة العربية في حيفا بمجموعة من الأنشطة لإحياء ذكرى النكبة.

يذكر معتصم زيدان، المسؤول الإعلامي في الجمعية، عدداً منها: "ندوة إلكترونية تحت عنوان "عودة الصوت الفلسطينيّ حول العالم: الحركات الطلّابيّة مقابل السلطة"، ومحاضرة بعنوان "ما بين ذهنية استدخال وذهنيّة الاقتدار والعودة، نستعرض فيها نتائج البحث حول مظاهر التكافل الاجتماعي والاقتدار والعمل من أجل القضية الفلسطينية".

نسترجع في مسيراتنا ذكريات اللاجئين في قريتهم، وطبيعة حياتهم فيها، ونذكّر بحق العودة، وبأننا كلما كبرنا يزداد إصرارنا على هذا الحق

كما تنظم الجمعية جولات "هذه بلادي"، وهي جولات تتبع مساراً سنوياً للقرى والمدن المهجرة في الداخل الفلسطيني، تستعرض آثار النكبة ومحاولات محو التاريخ واستبداله.

كذلك، ستُقدّم ورشة في تصوّر العودة بواسطة الذكاء الاصطناعي، من خلال إنتاج فيديو يحاكي تخيّل عودة اللاجئين من منافيهم.

يعود الفلسطينيّون ولو مجازاً

"من الأنشطة المركزية التي ساهمنا بها، كائتلاف، هي مسيرة العودة المركزية السنوية، والتي يعود فيها بالحد الأدنى 10 آلاف شخص من فلسطينيي الداخل، إلى إحدى القرى المهجرة. لنعيد الذاكرة قضية اللاجئين الذين يشكلون ما يقارب 25% من فلسطينيي الداخل"، يقول أبو شحادة.

وأوضحت لرصيف22 سلوى قبطي، عضو إدارة جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين التي تنظم المسيرة: "أن جماهير غفيرة شاركت في مسيرة هذا العام، التي خرجت أمس إلى قريتي الهوشة والكساير الواقعتين جنوب مدينة شفاعمرو في الجليل الغربي.

"نسترجع في مسيراتنا ذكريات اللاجئين في قريتهم، وطبيعة حياتهم فيها، ونذكّر بحق العودة، وبأننا كلما كبرنا يزداد إصرارنا على هذا الحق"، تؤكد قبطي.

مسيرة العودة إلى قريتي الهوشة والكاسير (تصوير سماء واكيم)

يقول لرصيف22 موسى الصغير (70 عاماً)، مهجر من قرية الهوشة: إن القريتين هدمتا تماماً بعد معركة كبيرة وقعت فيهما، كحال باقي القرى المهجرة.

ويردف: " كانت قرية الكساير قرية صغيرة جداً. ومن هجروا منها انتقلوا إلى شفاعمر. فيما كان عدد سكان قرية الهوشة أكثر بقليل (حوالى 300 نسمة)، لجأ جزء منهم إلى شفاعمرو والجزء الآخر إلى مخيم اليرموك في سوريا".

إسرائيل تمنع إحياء النكبة

يؤكد أبو شحاة أنّ الحرب على غزة زادت من أشكال التضييقات على المجتمع الفلسطيني في الداخل. إذ تحاول إسرائيل منع قيام إحياء ذكرى النكبة. "إلا أننا عازمون على إحيائها بجميع الأشكال".

"علماً بأن سياسة الإخراس ليس بجديدة. حيث يُلاحق، سنوياً، الطلاب الجامعيون الذين يحيون ذكرى النكبة في جامعات إسرائيل. ويتم سن القوانين التي تلاحق المؤسسات التي تخطط لإحيائها"، يقول أبو شحادة.

إن قانون النكبة الذي صدر عام 2012، ينص على أن أي مؤسسة تقوم بفعاليات لإحياء الذكرى في "يوم الاستقلال" الإسرائيلي، يتم سحب التمويل وتقليص الميزانيات التي تتلقاها من وزارة المال، بحسب المحامي عمر خمايسي

"ويأتي هذا القانون مقدمةً لقوانين عنصرية أخرى كقانون القومية الذي سنّ عام 2018، والذي يمس الهوية الفلسطينية، ويصنف الفلسطينيين بدرجة ثانية أو ثالثة في المجتمع، ويطمس اللغة العربية التي كانت تتمتع بصفتها الرسمية"، يقول خمايسي لرصيف22.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ألم يحن الوقت لتأديب الخدائع الكبرى؟

لا مكان للكلل أو الملل في رصيف22، إذ لا نتوانى البتّة في إسقاط القناع عن الأقاويل التّي يروّج لها أهل السّلطة وأنصارهم. معاً، يمكننا دحض الأكاذيب من دون خشية وخلق مجتمعٍ يتطلّع إلى الشفافيّة والوضوح كركيزةٍ لمبادئه وأفكاره. 

Website by WhiteBeard