شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
الفصائل العراقية في

الفصائل العراقية في "طوفان الأقصى"... براغماتية تفرضها العقوبات الأمريكية والمصالح الإيرانية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والتطرف

الثلاثاء 7 مايو 202404:45 م

تُجمع غالبية متابعي الشأن العراقي على أن حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وُلدت من رحم الفصائل العسكرية والسياسية المقرّبة من إيران. وعليه، تم عدّ السوداني مديراً تنفيذياً لدى تيار "المقاومة"، وعدّ حكومته حكومة خدمات لهذا التيار، ضمن نهج سياسي يراد به الاستقرار على المستويين الداخلي والخارجي. إلا أن هذا الاستقرار سرعان ما اصطدم بجبل الجليد يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، ما أحدث شرخاً حادّاً بين أطراف الإطار التنسيقي، الذي يرى فريق فيه أن العمل العسكري هو الأنجع، بينما يفضّل فريق آخر الطرق الدبلوماسية.

خلال الفترة الماضية التي تلت عملية "طوفان الأقصى"، استهدفت الفصائل العراقية، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، القواعد الأمريكية في العراق وسوريا والأردن، وتميزت عملياتها عن عمليات شركائها في محور الممانعة، بأنها أكثر تركيزاً كمّاً ونوعاً، ما وضع الإدارة الأمريكية في موقف ضعيف، والحكومة العراقية في موقف حرج، بينما ساد التخوّف عند الحكومة الإيرانية.

ردّت القوات الأمريكية على تلك العمليات بقصف بعض مواقع الفصائل الموالية لإيران في العراق وسوريا، واستهداف بعض أبرز القيادات الميدانية ذات الصلة بالعمليات الأخيرة على قواعدها، لا سيما عملية قصف القاعدة الأمريكية الواقعة على الحدود السورية الأردنية، والتي أدت إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وأوقعت عشرات المصابين.

"وحدة الساحات"

يقول الدكتور علي المعموري، وهو باحث أقدم في جامعة ديكن الأسترالية: "هناك خطوط إستراتيجية عريضة تجمع 'محور المقاومة'، محلياً وإقليمياً، على رأسها القضية الفلسطينية، لذا من الطبيعي مشاهدة موقف إستراتيجي موحّد تجاه بعض التحديات، كحرب غزة، وفي الوقت ذاته هناك سياسة تنوع أدوار تتّبعها هذه الجماعات، ما يعني عدم توقّع عملها بشكل واحد أوفي جبهة موحدة، إذ يوجد اختلاف في درجة الاندماج في المواجهة (كحال تباينها الداخلي في الساحة العراقية)، مع اختلاف في الأسلوب المتّبع، ويظهر هذا في تنوّع أساليب تصرفاتها تحت هدف إستراتيجي واحد".

"هناك خطوط إستراتيجية عريضة تجمع 'محور المقاومة'، محلياً وإقليمياً، على رأسها القضية الفلسطينية، لذا من الطبيعي مشاهدة موقف إستراتيجي موحّد تجاه بعض التحديات، كحرب غزة، وفي الوقت ذاته هناك سياسة تنوع أدوار تتّبعها هذه الجماعات، ما يعني عدم توقّع عملها بشكل واحد أوفي جبهة موحدة"

ولشرح الأمر، يخرج المعموري، خلال حديثه إلى رصيف22، من الجغرافيا العراقية، ويقدّم الأمثلة التالية: "هناك مثلاً 'حزب الله' اللبناني الذي اندمج في مواجهة عسكرية متدرجة حسب الظروف، وهناك الحوثيون الذين تصدّوا لإغلاق باب المندب أمام حركة التجارة الإسرائيلية، للضغط على الجانب الإسرائيلي. وبجوارهما، شنّت فصائل عراقية هجمات على قواعد أمريكية في العراق وسورية والأردن، لدفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو الضغط على إسرائيل لوقف حربها على غزة. أما الجانب الإيراني فقد تولّى إدارة عملية التواصل مع مختلف الجهات الإقليمية والدولية لإيقاف هذه الحرب أو التقليل من آثارها".

ما سبق تطبيق عملي لمصطلح "وحدة الساحات"، الذي تم إطلاقه عشية معركة "سيف القدس" التي أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في أيار/ مايو 2021. ويرى الصحافي الإسرائيلي يوني بن مناحيم، أن "مهاجمة إسرائيل بالصواريخ، خلال عيد الفصح من قطاع غزة وجنوب لبنان، ليست سوى مرحلة أولى في حرب استنزاف من جانب 'محور المقاومة' بقيادة إيران، عبر استخدام إستراتيجية 'وحدة الساحات'".

علاقة تبعية… لا "وحدة ساحات"

عندما أقدمت "حماس" على عملية "طوفان الأقصى" يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، لم تنسّق عمليتها مع قوى "المقاومة" الأخرى في فلسطين والمنطقة، بما فيها القيادة الإيرانية و"حزب الله"، بحسب تصريحات مسؤولي "حماس" والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، وأمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، التي أكدوا فيها جهلهم بموعد العملية وعدم صلتهم بها.

إلا أن الأستاذ المساعد في جامعة أريزونا، الدكتور سليم سوزه، ينفى ذلك في معرض حديثه إلى رصيف22، عن مفهوم "وحدة الساحات". يقول: "يوحي المفهوم بوجود ساحات مستقلة سياسياً تتفق في ما بينها على سياساتٍ معينة، فتتّحد بعد ذلك على قراراتٍ وأفعالٍ محددة. هذا لا ينطبق على الفصائل العراقية المسلحة، لأن هذه الفصائل ترجع في ولائها وأوامرها إلى 'ولاية الفقيه' الإيرانية في الأساس، بمعنى أنها تابعة لها وليست كيانات مستقلةً سياسياً تتفق مع السياسة الإيرانية في نقطة ما".

ويضيف سوزه مؤكداً رأيه: "تسكت هذه الفصائل عندما تأمرها إيران بالسكوت، وتصعّد عندما تطلب منها إيران التصعيد. مثل هذه الفصائل لا تملك زمام أمورها وإنما هي جندي أو عتلة في ماكينة 'ولاية الفقيه' الإيرانية. وعليه، لا وجود لساحة سياسية مستقلة هنا كي نستطيع أن نصف الأمر بأنه وحدة ساحات، بل تابع يطيع تعليمات قيادته فحسب. ولا وجود لساحات متعددة، وإنما ساحة واحدة فقط تسيطر عليها إيران وتحرّك فيها بيادقها المنتشرة في العراق وسورية ولبنان وغيرها".

يتفق مع هذا الرأي، الباحث المشارك في "المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية-أفايب"، مصطفى النعيمي، إذ يقول: "هنالك التزام بالمصالح الإستراتيجية الإيرانية، ومنها عدم التصعيد مع الولايات المتحدة، لا وحدة ساحات". ويصف النعيمي مشروع "وحدة الساحات" بأنه "مشروع ورقي لم يطبّق على الأرض بدليل ما يجري حالياً في ظل الحرب على غزة، إذ لا تزال قواعد اشتباك حزب الله وإسرائيل ضمن سقف المعقول، برغم رفع وتيرة الاستهداف من قبل الجانب الإسرائيلي، وانتقاله من تكتيك استهداف الشخصيات عبر المسيّرات الى استهدافها عبر المقاتلات، وهو متغيّر جديد قد يؤدي إلى قواعد اشتباك جديدة".

ويضيف النعيمي خلال حديثه إلى رصيف22: "بالرغم من امتلاك النظام السوري منظومات دفاع جوي يستطيع من خلالها التعامل مع الصواريخ أو حتى المقاتلات، إلا أنه لن يجرؤ على تفعيلها، نظراً إلى إدراكه أنه سيكون الهدف القادم، في حال تشغيلها، والرسائل التحذيرية للجانب الإيراني التي حملتها الضربة الإسرائيلية لمبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، شديدة اللهجة، ومفادها أنه في حال انخراطكم في أي معركة مع إسرائيل، ستعمل الأخيرة منفردةً ضد أي تحديات أو أخطار تنطلق من الأراضي السورية أو اللبنانية باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة".

"بالرغم من امتلاك النظام السوري منظومات دفاع جوي يستطيع من خلالها التعامل مع الصواريخ أو حتى المقاتلات، إلا أنه لن يجرؤ على تفعيلها، نظراً إلى إدراكه أنه سيكون الهدف القادم، في حال تشغيلها، والرسائل التحذيرية للجانب الإيراني التي حملتها الضربة الإسرائيلية لمبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، شديدة اللهجة"

للاقتصاد كلمته

بالنظر إلى البعد الإستراتيجي العسكري للرد الإيراني على تدمير قنصليتها في دمشق من قبل الجانب الإسرائيلي، يبدو واضحاً أن إيران لم تجازف بقطع خيط الود الرفيع أصلاً القائم بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية. وبناءً على ما تقدّم، يُرجع كثر التحرج والتخوّف من قبل الحكومتين الإيرانية والعراقية من عمليات قصف القواعد الأمريكية في سورية والعراق، إلى موقف يستند في أساسه وجذوره إلى الاقتصادَين الإيراني والعراقي المتدهورين.

فمع انهيار أسعار النفط عام 2020، نتيجة تداعيات جائحة كورونا، حيث قدّر المرصد الاقتصادي للعراق أن الناتج المحلي الإجمالي للعراق سوف ينكمش بنسبة 9.5% خلال عام 2020، ومع رفع سعر صرف الدولار الذي انعكس سلباً على القدرة الشرائية من خلال انخفاض قيمة الدينار مقابل الدولار، وفي ظلّ استيراد العراق ما يقارب 90 في المئة من احتياجاته من السلع والخدمات من الخارج، واستحواذ إيران نتيجة الجوار الجغرافي والعلاقات الواسعة بينها وبين العراق، على حصة الأسد من واردات العراق من السلع والخدمات، يصبح من الصعب تجاوز الأوضاع الاقتصادية القائمة في أي تحرّك أو تصعيد.

وتستحوذ طهران من خلال صادراتها على 17.5% من السوق العراقي، وتشترك مع قطاع الطاقة العراقي في 27 مشروعاً لتوليد الكهرباء بقيمة مليار و245 مليون دولار أمريكي، ووقّع وزير الكهرباء العراقي علي فاضل، مؤخراً مع شركة الغاز الوطنية الإيرانية، عقداً لتوريد الغاز بمعدل 50 مليون متر مكعب يومياً، لمدة 5 سنوات. ولكن الأهم بالنسبة لطهران هو الانخراط في قطاعات النقل في العراق، نظراً إلى دورها في تيسير حركة التجارة بين البلدين أو بتعبير أدق: تيسير حركة صادرات إيران غير النفطية في اتجاه العراق.

ومن المعلوم أنّ الشركات الإيرانية التي تعمل في الطاقة والسكن والسياحة وغيرها منتشرة خاصةً في المحافظات العراقية الجنوبية. والتجارة الخارجية بين البلدين تكاد تقتصر على الصادرات الإيرانية، ففي عام 2021 بلغت الصادرات الإيرانية غير النفطية للعراق 7،448 مليون دولار (وفق الإحصاءات الإيرانية)، في حين لا تتجاوز الصادرات العراقية إلى إيران 15 مليون دولار بعد أن شهدت ارتفاعاً كبيراً، مع العلم بأن ربع الصادرات الإيرانية الكلية تتجه إلى العراق، وهو ما يثير حفيظة الولايات المتحدة، التي تفرض عقوبات مشددةً على إيران وتحظر تزويدها بالدولار الأمريكي.

لاحقاً، مع تحسن أسعار النفط، في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا، بدأ التحسن يسري في عروق الدينار العراقي، وقدرته الشرائية.

ألا أن هذا التحسن اصطدم بعقوبات الخزانة الأمريكية خلال الأشهر الأولى لحكومة السوداني، كذلك كررت الخزانة الأمريكية عقوباتها عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة ودخول الفصائل العراقية على خط المواجهة. وحينها، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى سلسلة من العقوبات الاقتصادية المتنوعة، هددت بشلّ الاقتصاد العراقي بشكل خطر.

لعبة ممسوكة

نظراً إلى أن "المليشيات العراقية تحديداً جزء لا يتجزأ من القوى الممسكة بالسلطة في العراق، ولديها الآن مصالح واسعة فيه، فإن أي صدام بينها وبين أمريكا قد يربك هذه المصالح كلها، بل قد يضعفها أو يدمرها"، حسب الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية الدكتور حميد الكفائي، الذي يضيف خلال حديثه إلى رصيف22: "لو كان الخيار لهذه الميليشيات، لما استهدفت القواعد الأمريكية المنتشرة بين العراق وسوريا، خصوصاً أنها تعلم أن المعركة غير متكافئة. لكنها مأمورة ومضطرة إلى ذلك، بحكم ارتباطها الأيديولوجي بإيران". وبرأيه "لن تُحلّ هذه المشكلة إلا بأن تضطلع الحكومة العراقية بمسؤولياتها الملقاة على عاتقها وفق الدستور والقانون، وأن تضبط أجهزة الدولة الأمنية وتلجم كل من يتجاوز على القانون العراقي ويتجاهل أوامر السلطة الشرعية في الدولة العراقية".

"تداعيات عمل بعض الفصائل المسلحة العراقية في دعم المجهود الحربي في حرب غزة، سيدفع الولايات المتحدة وبنكها الفيدرالي وخزانتها، ولديهم الكثير من الأدوات، للضغط على الجانب العراقي بشقّيه السياسي والاقتصادي".

ووفقاً للأكاديمي والباحث في معهد نيولاينز الدكتور مصعب الألوسي: "يأتي استهداف الفصائل العراقية المسلحة للقوات الأمريكية، بحجة المقاومة وإخراج المحتل من العراق، في إطار ما يمكن تسميته بـ'إضفاء الشرعية على خروج هذه الفصائل عن القانون والعمل خارج نطاق الدولة'"، مشيراً خلال حديثه إلى رصيف22، إلى "توظيف هذه الفصائل لعملية طوفان الأقصى وما تبعها من حرب على غزة، لخدمتها، عبر استفادتها من التعاطف العربي والإسلامي مع الفلسطينيين، لإثبات وجودها وزيادة شرعيتها". ويختم الألوسي قائلاً: "برغم يقينها بالعجز عن إخراج القوات الأمريكية من العراق، تدرك هذه الفصائل أن زيادة وتيرة الهجمات إلى مستوى يدفع الولايات المتحدة لسحب قواتها من العراق، عواقبها الاقتصادية ستكون وخيمةً ليس على العراق فحسب، ولكن على إيران وحلفائها أيضاً الذين يستفيدون اقتصادياً من الأوضاع في العراق. لذا، عندما احتدّ التوتر بين الولايات المتحدة وهذه الفصائل، جاء إسماعيل قاآني وأملى عليها أوامر بوقف هذه الهجمات".

وبحسب الدكتور زياد الهاشمي فإن "تداعيات عمل بعض الفصائل المسلحة العراقية في دعم المجهود الحربي في حرب غزة، سيدفع الولايات المتحدة وبنكها الفيدرالي وخزانتها، ولديهم الكثير من الأدوات، للضغط على الجانب العراقي بشقّيه السياسي والاقتصادي. كما أن استمرار الحكومة العراقية في غضّ النظر عن العمليات المالية، وعدم القيام بمسؤوليتها، سيؤديان إلى معاودة الفدرالي والخزانة الأمريكية إلى إصدار حزمة جديدة من العقوبات بحق الكيانات والأشخاص المسؤولين وغيرهم من المساهمين في تدفق الدولار نحو تلك الدول والمنظمات التي تشملها الولايات المتحدة الأمريكية بعقوباتها الاقتصادية.

مع ذلك، يستبعد الهاشمي ذهاب الإدارة الأمريكية بعيداً إلى حد وضع العراق في خانة الدول المارقة والداعمة للإرهاب، على اعتبار أن العراق حليف دولي يحظى بثقة واحترام عاليين عند الكثير من الأطراف الدولية وتالياً لن يجمَّد حساب العراق في الفيدرالي الأمريكي الذي توضع فيه عائدات واردات بيع النفط.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

العدالة الاجتماعية ضرورةٌ ملحّة

بينما يحسب المتطرّفون أنّهم يحملون لواء العدالة، لكنّهم في الواقع، يتحدّون جوهرها، وهو أنّ لكلّ امرئٍ الحق في الشعور بأنّ رأيه وكيانه ووجوده أشياء مُقدَّرة، ولو اختلف مع الآخر.

في رصيف22، نسعى إلى نقل رؤيتنا، لنُظهر للعالم كيف بإمكان العدالة الاجتماعية والمساواة تحسين حياتهم، من دون تطرّفٍ، بل بعقلانيةٍ مُطلقة.

Website by WhiteBeard