شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
الشوارع حواديت نحن أبطالها

الشوارع حواديت نحن أبطالها

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والفئات المهمشة

الاثنين 15 أبريل 202411:00 ص

في عصر ما قبل الإنترنت وفيديوهات التيك توك، تحديداً خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، كان الشارع ملهاتنا الوحيدة، نحن أبناء التسعينيات، جعلنا من الشارع، على ضيقه، ساحة للعب الكرة تحدها الأرصفة من الجانبين. في تلك المرحلة، كان الشارع مشتلاً لاستنبات المواهب، قبل أن يؤول الأمر برمته إلى مدى قدرة أصحاب تلك المواهب على دفع رسوم اشتراك عضوية نواد اجتماعية، لم تستهونا يوماً العزلة الناتجة عن محدودية المكان التي تفرضها بأسوارها المسيجة.

اتسمت أفعالنا في تلك السن، لا سيما في حرية الحركة النابعة من الأفق اللامتناهي للشارع، بحال من الجموح والتمرّد، كانت تشعرنا في أعماقنا أننا نملك المدينة بأسرها، أو بأننا فتيان في جلباب فتوات بعثوا من زمن غابر.

كان الشارع مشتلاً لاستنبات المواهب، قبل أن يؤول الأمر برمته إلى مدى قدرة أصحاب تلك المواهب على دفع رسوم اشتراك عضوية نواد اجتماعية، لم تستهونا يوماً العزلة الناتجة عن محدودية المكان التي تفرضها بأسوارها المسيجة

مدينة العمال... والبرجوازيين أيضاً

منذ ولادتي وحتى العام الأخير من المرحلة الثانوية، كنا نقيم بحي مدينة العمال بقنا، توحي "مدينة العمال" لوهلة بأن سكانها كانوا في البداية في حُكم العمال، وربما هذا الاعتقاد هو الأقرب للحقيقة التاريخية، وإن كنت أجهل السبب الحقيقي لتسميتها بهذا الاسم حتى هذه اللحظة. ربما يخطر على الأذهان أن المنطقة، على سبيل المثال، كانت في الحقبة الناصرية معقلاً للطبقة العاملة في سنوات مجد القطاع العام، لكن، كما عرفت من أجيال سبقتني، أن مدينة قنا شأنها شأن معظم مدن الصعيد، شكلت البقاع الخضراء معظم مساحتها حتى السبعينيات، قبل أن يزحف إلى المدينة أهل المراكز ويغزوها العمران ليستوعب الكثافة السكانية الآخذة في الزيادة.

لم تكن المنطقة للعمال حصراً، بل سكنها صنوف مختلفة من أطباء ومهندسين وعمال وأصحاب ورش ومحلات، وشرائح عليا ودنيا من الطبقة الوسطى، وربما هذا ما أضفى على المنطقة سمة التعدّد التي أثّرت في تكوين شخصياتنا حتى الاَن، كأنها انفصلت بسكانها عن جسد المدينة التي كانت تحتقن بحقد طبقي استمر طوال العقد الأول من الألفية الجديدة.

ربما ما أتاح لنا في ذلك الوقت حالة التماهي مع وجود الاَخر، مهما اختلفت خلفية ذلك الاَخر، هو فطرتنا الطبيعية التي اتسقت مع وداعة طفولتنا، وإن شابها فيما بعد جموح المراهقة، كأننا نرى أن هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور، دون جعجعة أو خطب جوفاء.

حب فطري

في تلك الفترة، كان لعب الكرة في الشارع يستأثر بمعظم وقتنا، قبل أن يغزو الإنترنت منازلنا في وقت مناسب لتلك المرحلة التي نضحت فيها وجوهنا بحرارة التستوستيرون. كنا نضمر في تلك السن حباً فطرياً للكرة، وفي سبيل هذا الحب طالما تلقينا لوماً يكمن وراء نظرات الكبار الذين نازعونا حق وجودنا بالشارع. بعض هؤلاء الكبار من الأقارب والجيران، كانوا يتساءلون في حيرة عن هؤلاء المراهقين المشاكسين الذين يجمعون في براعة لافتة بين شلة الشارع والتفوق الدراسي، مع الوقت توصلت إلى قناعة بأن ربما للشارع نفسه دور في نحت شخصياتنا وصيانتها من البله.

امتدّت جذور هذا الحب أيضاً إلى أحلامنا الصبيانية. خطر لنا خاطر ذات يوم أن نبتاع قمصاناً رياضية لم يدوّن عليها أية أسماء، كي ندوّن عليها أسماءنا نحن، ونصنع لحلم الاحتراف الذي كان يؤرق بعضنا، صدى في الواقع.

كنت أنحدر من عائلة تجد التعليم سبيلاً لحياة كريمة ومركز اجتماعي مرموق، لم يكن حلم الاحتراف والتحقق في كرة القدم يشغلني كثيراً كصفوة الحريفة من شلة الشارع، كنت منهمكاً في التحصيل الدراسي بنظام صارم، حتى أن البعض اعتبر نظارتي الطبية، التي أتميز بها عن شلة الكرة، مثالاً حيّاً على تباين الأحلام. لكن حلم الاحتراف ظل يلوح كثيراً لبعضنا في تلك الفترة، إذ كانت بوابة الأحلام مفتوحة على مصراعيها في ذلك الوقت، دون أن ننتبه لجلافة الواقع الذي اصطدمنا به بعد سنوات قليلة، حين لم نملك حيال تلك الأحلام سوى الرثاء.

كان للكرة أيضاً حضورها في الموسم الرمضاني من خلال الدورات الرمضانية التي تنظمها مراكز الشباب، رغم أنها كانت تقتصر على من يفوقوننا سناً ومهارة، لكنها بشكل عام كانت طقساً أساسيّاً في شهر رمضان. ومع تقدمنا في العمر، وحتى هذا الوقت، ظلت الكرة في الملعب الخماسي، الرابط الوحيد الذي ما يزال يجمعنا، بعد أن فرقتنا السنون، والقادر على إزالة حواجز نفسية تكونت بحكم اختلاف المصائر والاهتمامات.

ربما يتيح لنا هذا الحاجز المجازي بين أبناء الصعيد من ناحية، وبين أبناء العاصمة من ناحية أخرى، أن نتشارك نفس هموم أبناء العاصمة، لكن من موقف المتفرّج دائماً

من الذاكرة

أحياناً ننظر إلى الوجه الآخر للمدينة الذي صورته أفلام الواقعية الجديدة في الثمانينيات، على أنه ومضات من ذاكرتنا الجمعية، حيث أتاح لنا اللهو والتسكع في الشارع يومياً التعرّف على صنوف وخلفيات مختلفة من البشر، رغم وجود تلك المساحة الفاصلة التي تتيح لنا الفرجة والتأمل دون التورّط، لكنها أصبحت صوراً متناثرة في ذاكرتنا حتى اليوم.

ربما لهذا السبب أنظر إلى فيلم "الحريف" لمحمد خان، على أنه أيقونة سينمائية تتحدى أثر الزمن، كونه يتماس، بشكل أو باَخر، مع ذاكرتنا التي كان للشارع دور في تشكيلها. كان بإمكان الشارع أيضاً أن يزرع تلك المواهب التي استنبتها لولا أن ظروف أصحابها لم تكن أفضل من ظروف فارس، ولم تكن لديهم رفاهية المغامرة وخوض صراع الروح والمادة، فاستسلموا أمام المادة التي قتلت موهبتهم في مهدها قبل أن تزهر. كان لا بد لهم جميعاً، اَجلاً أو عاجلاً، من رفع رايتهم البيضاء في مباراة الوداع معلنين أن "زمن اللعب راح".

حاجز مجازي

في أحد أيام يناير 2011، كنا منهمكين كعادتنا في إجازة نصف العام، بلعب كرة القدم تحت شمس الظهيرة التي لطفت حرارتها من برودة شتاء يناير القارس، حين لفت انتباهنا حشد كبير عند إحدى محلات البقالة. لم يكن هذا الحشد لنشوب عراك كما ظننا في بادئ الأمر، بل كان لبعض الجيران الذين اشرأبت أعناقهم لشاشة التلفزيون التي تعرض حركة محمومة لبعض المتظاهرين، عرفنا وقتها أن أمراً جللاً يجتاح شوارع العاصمة.

يحمل هذا المشهد الذي يتضمن لهواً من جانبنا، نحن شلة الأطفال والمراهقين، وتعبيراً بالصدمة ارتسم على وجوه من يكبروننا سنّاً، بشكل ما، مجازاً لذلك الحاجز الذي يفصل بين أبناء الصعيد من ناحية، وبين أبناء العاصمة من ناحية أخرى، ربما يتيح لنا هذا الحاجز المجازي أن نتشارك نفس هموم أبناء العاصمة، لكن من موقف المتفرّج دائماً، محتفظين بالمساحة التي تحمينا من التورط أو تمنعنا من المبادرة.

وربما عمل الإنترنت مؤخراً، على تذويب تلك الحواجز المجازية، رغم بقاء المسافة المكانية التي تجعلنا في أغلب الأحيان نتابع المشهد من خلف الشاشات دون أن نرمي بأنفسنا في خضم التجربة.

يخيل لي أحياناً أن شعراء مثل أمل دنقل والأبنودي، وقاصاً كيحي الطاهر عبد الله، وكلهم ولدوا وترعرعوا في أقاصي الصعيد، ومع أنهم ظلوا في كتاباتهم أبناء لبيئتهم، لكن كان لا بد لهم، وللأسف، من تلك الرحلة التي قطعوها سعياً وراء حلم التحقق من الجنوب إلى الشمال. حتى لو لم يبن المجتمع الثقافي في الستينيات مركزيته في العاصمة، فكان لا بد لتلك الموهبة الخروج من شرنقة القرية لمركزية العاصمة، كي لا تخمد جذوتها، وكي لا يشعر أصحابها كمن يؤذن في مالطا.

ربما يأتي الخروج من الحي القديم كمجاز للسقوط من فردوس الطفولة إلى أرض الحياة الجديدة منبتة الصلة عن وداعة وهدوء سنوات العمر الأولى. ليس هناك بالطبع حاجة إلى خطيئة يغويني الشيطان لارتكابها كي تفرض صيرورة الزمن كلمتها وتطردني من جنة طفولتي

اغتراب نفسي

قبل امتحانات الثانوية العامة بشهور، قرّر والدي أنه اَن لنا الرحيل من منطقتنا للعيش في أخرى. لم أدرك وقتها ما يمكن أن يخلفه الرحيل في النفس، لكن مع الوقت بدأ شعور الحنين يتسلل تدريجياً داخلي. كنت أشعر وقتها باغتراب نفسي وحنين جارف للحي القديم يستتر وراء التوتر والخوف من الامتحانات المرتقبة.

في الحي الجديد، تملكني شعور دفين بالنبذ والتيه، فلم يكن لهذا الحي الجديد حضور في ذاكرتي. مع أن المسافة بين المنطقتين لا تبعد سوى أربعين دقيقة سيراً على الأقدام، لكن الشعور بالفقد موجود دائماً، وكأن جزءاً أصيلاً من وجودي أبى الرحيل.

ربما يأتي الخروج من الحي القديم كمجاز للسقوط من فردوس الطفولة إلى أرض الحياة الجديدة منبتة الصلة عن وداعة وهدوء سنوات العمر الأولى. ليس هناك بالطبع حاجة إلى خطيئة يغويني الشيطان لارتكابها كي تفرض صيرورة الزمن كلمتها وتطردني من جنة طفولتي.

كنت من حين لآخر، مدفوعاً بالحنين وإعادة العلاقات مع الماضي، أمرّ على الحي القديم من أجل استعادة ذات لم تألف العزلة التي فرضها الحي الجديد، هذه الذات التي اعتادت أن تستمد حضورها دوماً من حضور الآخرين.

في الوقت الحاضر، تأخذني قدماي للسير في الحي القديم، أسير في مساراته منقباً عن أي أثر قديم باق من زمن مضى، لا وجود لشلل الأطفال والمراهقين، بعد أن طغت أضواء محلات وورش جديدة احتلت الشارع من الجانبين، تلاميذ وطلبة في سعي محموم يترددون على معلمين حديثي التخرج مهمومين بسد الرمق وتكوين نفسهم، ازداد الزحام الذي كدت أن أضل معه الطريق إلى المنزل القديم.

هؤلاء المراهقون الجدد الذين كانوا أطفالاً في مراهقتنا نحن، يبحثون اليوم عن هامش صغير للإبداع، في عالم ضاقت به مساحة الحلم بالاحتراف. اختفت مسحة السحر التي كانت تغمر المكان قديماً، وربما يكون الشاهد الأول على الزمن في دورته العنيفة، أن هؤلاء المعلمين والباعة الجدد، هم أنفسهم، وللمفارقة، حريفة الشارع القدامى.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في مهمتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard