شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
مناهضو الفساد تحت مقصلة حكومة السوداني… محاولة لإرضاء الحلفاء وبعض الخصوم؟

مناهضو الفساد تحت مقصلة حكومة السوداني… محاولة لإرضاء الحلفاء وبعض الخصوم؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والحريات العامة

الثلاثاء 27 فبراير 202412:30 م

تُعتبر حرية الرأي من أهم الحقوق الأساسية للأفراد، تتيح لهم التعبير عن معتقداتهم بكل أشكالها، ومنها الأراء السياسية التي تمس الحكومات ومواقع القوة فيها. وللفرد الحق في الكتابة أو الحديث عن دواخله وآرائه في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وحقّ عليها التشبه بالهواء، فلا حياة بدونها.

ولكن للحرية معنى آخر في العراق، يتيحها الدستور وهي مصانة وفقاً للقانون، ولكنها مقيدة بأغلال السياسة في الوقت نفسه، قد يتعرض مُمارِسُها إلى الاعتقال أو قد يداهمه تفلّت أمني برصاصة مرصودة.

إخفاء الجبوري قسرياً

فجر 27 شباط/ فبراير الجاري، وبعد وصوله إلى صالة المغادرين في مطار بغداد الدولي، انقطع تواصل المدون المعروف على منصة إكس "ياسر الجبوري مع المقربين منه، وانقطعت أخباره وبات مصيره مجهولاً.

كان الجبوري قد أنهى زيارة إلى عائلته في بغداد، عائداً إلى محل إقامته في أيرلندا، فالجبوري متزوج من امرأة أيرلندية ويحمل جنسية هذا البلد. كتبت زوجته في تغريدة لها: "زوجي من دعاة مكافحة الفساد، ويحمل جواز سفر أيرلندي، اعتُقِلَ في بغداد وهو في طريق عودته إلى أيرلندا دون أساس قانوني. عائلته وأصدقاؤه قلقون عليه للغاية". وبحسب عائلته، فإن وزارة الخارجية الأيرلندية خاطبت نظيرتها العراقية للوقوف على اختفاء مواطنها.

يعتقد كثيرون أن المدون ياسر الجبوري وغيره ممن اعتُقِلوا أخيراً لم يكونوا سوى ضحية لأزمة السوداني مع شركائه السياسيين أو لاستمالة أطراف سياسية معينة. فالجبوري معروف بانتقاده شركاء السوداني في الإطار التنسيقي، الذين يبدو أن رئيس الحكومة يحاول إعادة كسب ودهم لتثبيت منصبه. أما الذبحاوي، فمعروف بخلافه مع التيار الصدري الذي يحاول رئيس الوزراء استدراجه للعودة إلى الحياة السياسية

سوابق مألوفة

يأتي اعتقال الجبوري أو بالأحرى إخفاؤه قسرياً متزامناً مع اعتقال العديد من الناشطين المناهضين للفساد أيضاً في الآونة الأخيرة وفي مقدمتهم مقدم برنامج ستوديو التاسعة على قناة البغدادية، علي الذبحاوي، في 21 شباط/ فبراير الجاري، على إثر دعوى قضائية رفعها ضده ثلاثة شخصيات عسكرية بارزة.

وفق تصريحه عقب الإفراج عنه، أوقف الذبحاوي إثر دعوى قضائية مقامة ضده من قبل وزير الدفاع الحالي ثابت العباسي، ورئيس أركان الجيش عبد الأمير يار الله، ووزير الداخلية السابق، عثمان الغانمي. وتستند الدعوى إلى إحدى حلقات برنامج الذبحاوي حول شكوى لواء بخصوص تعرضه للظلم والاضطهاد وفساد السلطة.

لم يستند توقيف الذبحاوي على مذكرة استقدام رسمية أو أمر قضائي باعتقاله، بل اُستُدعي إلى أحد المقرات الرسمية للقاء شخصية قانونية بحسب تصريحه، ليتفاجأ باعتقاله وإيداعه في مركز شرطة الصالحية وسط بغداد حيث أُفرج عنه بعد ثلاثة أيام قيد الاحتجاز. وللذبحاوي ملف طويل من الاعتقالات والاختطاف ترجع إلى عام 2019، بعد تناوله عدة ملفات فساد وتناوله ملفات شبهات حول شخصيات دينية معروفة.

إضافة إلى الذبحاوي والجبوري، نال المحلل السياسي، محمد نعناع، نصيبه من الاعتقالات أيضاً. كان أخرها مداهمة منزله الكائن في منطقة الكرادة، وسط بغداد، واعتقاله في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي، بسبب دعوى قضائية رفعها رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني ضده، بتهمة الإساءة له. تنازل السوداني عن الدعوة بعد أسبوعين من اعتقال نعناع الذي أُفرِجَ عنه في الـ29 من الشهر نفسه.

لا تتوقف القيود على الاعتقالات، وتشمل منع القنوات من استضافة بعض المحللين حيث قررت هيئة الإعلام والاتصالات، في 18 كانون الثاني/ يناير الماضي، منع استضافة المحلل السياسي عماد باجلان على القنوات العراقية، بسبب "تحريضه على العنف والكراهية ومخالفته اللباقة والذوق العام".

كما أصدرت في 20 شباط/ فبراير الحالي، قرارين: الأول، منعت فيه وسائل الإعلام من استضافة المحلل السياسي يحيى الكبيسي دون توضيح الأسباب. وحُجِب وفق القرار الثاني، موقع المركز الخبري على شبكة الإنترنت، بدعوى "عدم استحصاله على التراخيص القانونية لمزاولة عمله"

تُعدّ هذه الشخصيات والمواقع الممنوعة من أبرز المعارضين لحكومة السوداني.

أين وعود السوداني؟

كان السوداني قد وعد في برنامجه الحكومة بإصلاح القوانين السالبة لحرية التعبير عن الرأي، متعهداً بصونها. كما سبق أن انتقد حكومة سلفه، مصطفى الكاظمي، في آذار/ مارس عام 2021، أي قبل توليه لمنصب رئاسة الوزراء، على خلفية اعتقال الناشط السياسي وضابط المخابرات سابقاً إبراهيم الصميدعي، بتهمة "إهانة السلطات العامة".

آنذاك، كتب السوداني في مغرّداً: "الاعتقالات لأصحاب الرأي أمر خطير للغاية، لاسيّما إذا اقترنت بطريقة اعتقال تعسّفية، كأن يُراد منها إبلاغ الجميع أن الإدلاء برأي مخالف له ثمن… يجري ذلك في وقت يتمتع فيه القتلة والمجرمون والفاسدون بكامل حرياتهم".

لكن سرعان ما غيّر السوداني إتجاهه لدى جلوسه في كرسي السلطة، فأقر عدّة قوانين سالبة لحرية التعبير، وفق ما تتهمه به منظمات المجتمع المدني. كان آخر هذه القرارات إقراره قانون حق الحصول على المعلومة في 4 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهو مشروع بديل عن مشروع قانون سابق رُفِضَ بسبب بنوده المقيدة لحرية الرأي.

تجاهل البرلمان العراقي الأصوات الرافضة لمشروع القانون، وأنهى في 14 شباط/ فبراير الجاري، قراءته الأولى للقانون الذي ينص على تمكين طلب المعلومة بما ينسجم مع الدستور والمواثيق الدولية، وتعزيز مقومات الشفافية، وتعزيز حرية الإعلام ودعم حرية التعبير والنشر.

في عهد حكومة السوداني، لا تتوقف القيود على حرية التعبير عند الاعتقالات والإخفاء القسري، وإنما تشمل منع القنوات من استضافة بعض المحللين السياسيين المناهضين لسياساتها، على غرار عماد باجلان ويحيى الكبيسي، وحجب مواقع إلكترونية إخبارية تنتقدها، أحياناً بدون إبداء أسباب

في هذا السياق، يشير الصحافي علي عزام إلى أن القانون يبدو جذاباً ولكنه في الحقيقة يتضمن عدة بنود من شأنها تقويض حرية الصحافة والتعبير عن الرأي بكل أشكاله إذ يشابه قانون حرية التعبير عن الرأي السابق والذي يمنع التظاهر إلا بعد الحصول على موافقات أمنية.

 ولا يعترض عزام، بحسب تصريحه لرصيف22، على هذا الجانب، ولكنه يؤكد أن الدولة ستوجه بمنع الموافقة على أي تظاهرة عبر هذا القانون. إضافة إلى ذلك، فإن القانون يتضمن بنوداً منها منع الاطلاع على بعض المراسلات الرسمية والتعاملات المالية للدولة ومناقصاتها والشركات المتعاملة معها. يُفسِر عزام هذه الخطوة ضمن "محاولات الحكومة إخفاء الفساد المستشري في مؤسسات الدولة".

واستبقت منظمات حقوقية قراءة القانون الأولى، وأعلنت في 11 شباط/ فبراير، تشكيل تحالف الدفاع عن حرية الرأي، وأقرت برفضها لمسودة المشروع ودعت إلى وقف محاولات تمريره بما ينافي بنود الدستور.

"تسقيط" لـ"إرضاء" الحلفاء والخصوم؟

يضمن القانون الحق في حرية التعبير الذي هو حق أساسي في جميع الدساتير الديمقراطية، بما في ذلك العراق الذي صادق سابقاً على بنود ميثاق الأمم المتحدة التي تُقر في مادتها الـ19 حق التعبير عن الرأي لكل الأفراد، كما تكفل هذه الحقوق دون أي تدخل خارجي.

دستورياً، فقد تطرقت المادة الـ38 إلى حرية التعبير. وهي تنص على: "تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب، حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر".

الحكومة الحالية خالفت هذه البنود في قانونها الجديد. يشرح هذه المخالفة مصدر في إعلام رئاسة الوزراء، بقوله إن "منظور بغداد الرسمي بشأن حرية الإعلام أو التعبير عن الرأي يتمثل عادة في دعمها كجزء من الديمقراطية وحقوق الإنسان". يستدرك المصدر الذي فضّل عدم ذكر اسمه بأن "هناك أوضاع تفرض استثناء هذا المنظور، وتدفع الحكومة إلى تجاهل بنود الدستور، واللجوء إلى اجتهادات خاصة أو إصدار قوانين تقييدية، بسبب الضغوط السياسية والأمنية وغيرهما".

يضيف: "وبذلك، يتحوّل الناشط السياسي إلى عدو للسلطة، يُفرض تسقيطه (يقصد تشويهه)، وتركز الحكومة على الأصوات المعروفة والمؤثرة من أجل إبعاد الرأي العام عنهم، وقطع التسريب الحاصل للوثائق المهيجة للرأي العام، وتالياً تهدئة الأجواء المضطربة".

جدير بالذكر أن صفحة جهاز مكافحة الابتزاز، المقرب من الحكومة، على تلغرام، نشرت في 8 شباط/ فبراير الجاري،انفوغراف عن ياسر الجبوري، كشف فيه اسمه الحقيقي، واتهمته بالتورط في شبكة لابتزاز السياسيين، مرتبطة بالناشط المعروف علي فاضل، الذي اشتهر عُقب نشره تسريبات صوتية لرئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي.

وبحسب المزاعم المنشورة، فإن الجبوري حاول عبر هذه السلوكيات، ترقية أخيه الضابط في وزارة الداخلية، وشقيقه الآخر الطبيب في وزارة الصحة. كما اتهم آخرون الجبوري بـ"العمالة والعمل لصالح قاعدة الكسك العسكرية الأمريكية، غربي الموصل، والمختصة بصيانة السيارات الأمريكية".

إلى ذلك، يعتقد كثيرون أن الجبوري وغيره لم يكونوا سوى ضحية لأزمة السوداني مع شركائه السياسيين أو لاستمالة أطراف سياسية معينة، فالجبوري معروف بانتقاده لشركاء السوداني في الإطار التنسيقي، هو يحاول إعادة كسب ودهم له من أجل تثبيت منصبه. أما الذبحاوي، فمعروف بخلافه مع التيار الصدري الذي يحاول رئيس الوزراء استدراجه للعودة إلى الحياة السياسية.

يؤكد مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، لرصيف22، مثل هذه التوجهات. يقول إن هناك توجيهات أمنية بـ"الحيطة والحذر من صدام محتمل بين القوات الأمنية والفصائل المسلحة. فالأخيرة تتهم السوداني بالتورط في قضية استهداف القوات الأمريكية لقادتهم، وآخرها عملية استهداف القيادي في كتائب حزب الله أبو باقر الساعدي بينما رئيس الحكومة يحاول عبر هذه الاعتقالات، التقرب من الفصائل من خلال وقف منتقديها عن مواصلة انتقادها.

في العراق، "التضييق الحاصل ومحاولة اجتثاث الحرية من جذورها سيؤديان بلا شك إلى اضطراب داخلي جديد على غرار تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، والأحداث التي رافقتها

ناشطون خائفون

وبغض النظر عمّا يدور خلف كواليس هذا التضييق، يتخوّف ناشطون كُثر من العودة إلى واقع الحريات المزري، ويتساءل الناشط الحقوقي من بغداد، سجاد المعموري، عن الفرق بين دكتاتورية صدام حسين الذي كبّل كل الحريات، وبين تقييد الحكومة الحالية لها. يقول لرصيف22: "هم ينتقدون صدام على دكتاتوريته ويطبقونها حرفياً، وإن كنا خلصنا من صدام فسياسة صدام وكتمه للحريات ما يزالا موجودين".

الباحث السياسي محمد العزي، يؤكد هو الآخر على ضرورة مراقبة الإعلام والحريات بشكل عام للحفاظ على الأمن الداخلي، ولكنه يرى أن التضييق الحاصل ومحاولة اجتثاث الحرية من جذورها سيؤديان بلا شك إلى "اضطراب داخلي جديد على غرار تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، والأحداث التي رافقتها".

يُصر العزي، في تصريح لرصيف22، على ضرورة التفريق بين محاولة الحكومة إجبار الناشطين والمحللين السياسيين على مسايرتها، وبين دأبها على تقريب وجهات النظر معهم. فالثاني من الممكن أن يتم بشكل سلس على عكس السياسة الأولى.

لطالما كان التضييق واقعاً في العراق، سجال دائم بين الحكومة ومنتقديها، ولن ينتهي هذا الجدال حتى اعتماد الشفافية في التعامل مع المعارضين.

وتأمّل العراقيون خيراً بعد عام 2003، إنهاء حكم صدام، لكن آمالهم لم تحط رحالها بعد وما تزال تبحث  عن شمس الحرية، أملاً في الخروج من درابين الظلام إلى أرض السلام والحرية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard