شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
في بودكاست ثرثرة فنية… استعادة مستحقة لتراث

في بودكاست ثرثرة فنية… استعادة مستحقة لتراث "محمد نجم"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والتنوّع

الأربعاء 28 فبراير 202407:26 ص

في ملحمة استغرقت أكثر من 10 ساعات، مقسمة إلى ثلاث حلقات، ردّ أيمن الزرقاني وآدم مكيوي في بودكاست ثرثرة فنية، الاعتبار للفنان الكوميدي الأيقوني محمد نجم، الذي على الرغم من أن نجاح مسرحه استمر لعقود، لم يُعامل باهتمام نقدي، ووصمت الكوميديا التي يقدمها بالمبتذلة، مقارنة بالمسرح التجاري الذي قدمه عادل إمام ومحمد صبحي وفؤاد المهندس أو حتى سمير غانم الذي استعاد الناس تراثه كاملاً في العقد الأخير.

شكراً يا نجم

فضلاً عن الاهتمام النقدي، لا يسعك أمام كل هذا الحب الذي قدم به الزرقاني ومكيوي حلقات "شكراً يا نجم"، إلا أن يمسك ذلك الحب كعدوى، حتى لو لم يكن هو كوميديانك المفضل، فالثلاث حلقات الطويلة، والتي توصف من قبل صناعها عن حق بليال في حب نجم، إلا أنها أيضاً قائمة على التحليل العميق لمشواره الفني.

في ملحمة استغرقت أكثر من 10 ساعات، مقسمة إلى ثلاث حلقات، ردّ أيمن الزرقاني وآدم مكيوي في بودكاست ثرثرة فنية، الاعتبار للفنان الكوميدي الأيقوني محمد نجم، الذي على الرغم من أن نجاح مسرحه استمر لعقود، لم يُعامل باهتمام نقدي

مع أنه يملك في رصيده أكثر من 30 مسرحية، إلا أن رصيد نجم السينمائي والتلفزيوني صغير بالمقارنة، مما يصعّب تثبيته في الذاكرة الجماعية للجمهور، مع أن مسرحه كان ملء السمع والبصر، ثم إنَّ تسجيلات مسرحياته في أجزاء كثيرة منها ليست جيدة، كما أن المسرحية الوحيدة التي كانت تعرض له بكثرة في التلفزيون المصري، هي مسرحية "عش المجانين" التي تعد من الكلاسيكيات الراسخة في ذهن المشاهد المصري والعربي مثلها مثل "مدرسة المشاغبين"، و"العيال كبرت"، إذ اشتهرت مسرحيته بسبب الإفيه الخالد: "شفيق يا راجل"، مما وضعه ظلماً في خانة الممثل صاحب الإفيه الواحد، وهو أمر عكس الحقيقة تماماً، فبعد الانتهاء من السماع لثلاثية نجم، نكتشف أن "عش المجانين" لم تكن إلا مجرد محطة، تطور بعدها أداؤه إلى آفاق أكثر خيالاً في الكوميديا.

ومع أن مسرحياته كانت تعرض على قنوات "أوربت"، و"art" إلا أنها كانت قنوات باشتراك مدفوع لم تتوفر في عقدي الثمانينيات والتسعينيات إلا لقلة من المشاهدين، لكن مع ذلك كانت إعلانات مسرحياته في التلفزيون المصري شديدة التميز، كإعلان مسرحية "أولاد دراكولا"، ومسرحية "عبده يتحدى رامبو"، فتتحول في اليوم الثاني لعرضها إلى لزمات محفوظة عالقة بآذان الناس، وتدندن على ألسنتهم.

بداية "مدبولية"

كانت بداية نجم الحقيقية مع عبد المنعم مدبولي الذي آمن به، وأفرد له مساحات كبيرة ثم قاسمه البطولة لاحقاً، مدبولي كان أستاذاً بحق يملك روحاً كبيرة، اكتشف العديد من ممثلي الكوميديا، كعادل إمام وسعيد صالح، وأسس مدرسة في الإضحاك تسمى الـ"مدبوليزم"، وهي المدرسة التي أخلص لها نجم وطورها. 

 اشتهر بسبب الإفيه الخالد: "شفيق يا راجل"، مما وضعه ظلماً في خانة الممثل صاحب الإفيه الواحد، وهو أمر عكس الحقيقة تماماً. 

عالم نجم وخياله، بحسب تحليل آدم وزرقاني، أقرب لشخصية المجنون في القرون الوسطى، التي أدت لاحقاً إلى ظهور مسرح قائم على عالم طفولي غير منتظم، يعرض للعامة في الأسواق، مسرح ساخر من الأنماط الاجتماعية وقائم على الكارايكتيرات والتباين في الأحجام كالعملاق والقزم، وهي سمات صاحبت مسرح نجم الذي ميزته "الطفولة والجنون"، بالإضافة إلى كوميديا الارتجال "مدرسة ديلارتي"، وهي من أشهر أنواع الكوميديا العالمية التي ظهرت في إيطاليا في عصر النهضة، إذ تعتمد على الارتجال، فيضع المخرج إطاراً خارجياً لقصة العرض المسرحي، ويبدأ الممثلون بالارتجال حوله في أثناء العرض، كما تميزت بشخصيات ثابتة ومألوفة، ومسرح "الفودفيل" الفرنسي، وهي أنواع من الكوميديا ليست دخيلة على المسرح أو السينما المصرية، بل هي قديمة قدم مسرحيات علي الكسار ونجيب الريحاني.

معروف أن عادل إمام هو الممثل الأكثر جماهيرية وشعبية، وهو الذي أثر في الأجيال التالية من المضحكين، إلا أن جيل محمد هنيدي ومحمد سعد وأحمد آدم وأحمد مكي وعمرو عبد الجليل، تأثروا جميعاً بمحمد نجم، واستلهموا من خياله الكوميدي الكاريكاتيري، وأعلن بعضهم هذا في أكثر من مناسبة.

كانت بداية محمد نجم مع الممثلة نجوى سالم، في مسرحية "موزة و3 سكاكين" عام 1968، بطولة صلاح ذو الفقار، ثم شاركها بطولة مسرحية "حاجة تلخبط" التي لم تصور، والتي حققت نجاحاً في أثناء عرضها، ثم عدد من المسرحيات التي لم يكن بطلها الأوحد، والتي شهدت مرحلة تخمير أدائه، لكنها كانت شاهدة على قوته ككوميديان قادم بقوة، ولا يشبه أحداً، مع مشاركات سينمائية ضعيفة.

لكن لعل أبرز ما قيل في الحلقة عن تلك الفترة هو إيمان المخرج الكبير حسين كمال، بأن نجم الذي لم يشارك إلا في فيلم واحد هو "مولد يا دنيا" يصلح لأن يكون بطلاً سينمائياً كوميدياً من طراز فريد لا يشبه أحداً.

التقطه عبد المنعم مدبولي بعد نجوى سالم، ولم يعامله معاملة ممثل ناشئ، بل أدرك مبكراً أنه يملك شيئاً مختلفاً، فأعطاه أدوار البطولة في مسرحياته، التي أخرجها وقاسمه فيها البطولة، لكن كانت مسرحية "مولود في الوقت الضائع" هي أول مسرحية تظهر فيها طريقة نجم في الإضحاك والتي اعتمدت المدبوليزم، وكوميديا التكرار، وظهرت فيها شخصيته الفنية التي نعرفها، والتي أضاف إليها استخدامه لجسده بشكل عصبي.

شارع مسرح نجم

المرحلة التالية كانت تعاونه مع يسري الإبياري في المسرحية الأشهر "عش المجانين"، والتي نجحت نجاحاً مدوياً، حتى إن سعاد حسني عندما حاول سمير خفاجي استقطابها إلى المسرح وفرقته الفنانين المتحدين، وأغراها بنجوم على غرار عادل إمام، طلبت منه أن يكون الممثل أمامها هو محمد نجم.

عالم نجم وخياله، أقرب لشخصية المجنون في القرون الوسطى، التي أدت لاحقاً إلى ظهور مسرح قائم على عالم طفولي غير منتظم، يعرض للعامة في الأسواق، مسرح ساخر من الأنماط الاجتماعية وقائم على الكارايكتيرات والتباين في الأحجام كالعملاق والقزم، وهي سمات صاحبت مسرح نجم الذي ميزته "الطفولة والجنون"،

دشنت "عش المجانين" عالماً يدعى " مسرح نجم"، وبدأ بعدها في التفكير في الإنتاج لنفسه وتشكيل فرقة مسرحية، بل ولاحقاً بناء مسرح في شارع إيران الدقي، مسرح صار شهيراً حتى إنه محا اسم الشارع، وصار يعرف باسم شارع مسرح نجم.

بعد أن افتتح نجم مسرحه، بمسرحية "الواد النمس"، صار مسرحه علامة ليس فقط بين المصريين، بل أيضا لاقى نجاحا لدى المشاهد الخليجي، حتى إن البرنامج السياحي للعائلات الخليجية في مصر كان يحتوي على زيارة لمسرح عادل إمام ومسرح نجم.

أعطت المداخلات التي استضافها بودكاست ثرثرة فنية لفنانين كأحمد ماهر وميمي جمال وعايدة رياض وعماد رشاد ممن شاركوا نجم في مسرحياته، بعداً حميمياً إضافياً، محبة لذكراه، وقد اتفقت جميعها على قدرته القيادية خلف الكواليس وطاقته الجبارة فوق خشبة المسرح، وحرصه على أن يجمع حوله عدد كبير من الكوميديانات الموهوبين كمحمود القلعاوي ووحيد وسيف، فضلاً عن أغلب نجمات الجيل السابق والتالي له من ليلى علوي وآثار الحكيم وسوسن بدر إلى روجينا ووفاء عامر وغيرهن من نجمات الجيل الحالي، قد خرجن من عباءة مسرحه.

ورغم أن أقرب كوميديا حالياً إلى روح محمد نجم هي كوميديا مسرح مصر، إلا أن آدم والزرقاني حرصا على التفرقة، فمسرح مصر كوميديا أقرب لانعكاس إيفيهات الإنترنت والميمز، وليست كوميديا شعبية، كما كانت كوميديا نجم الذي كان متصلاً بالناس إلى اليوم الأخير في حياته، يمكنني أن أضيف سبباً آخر، فكوميديا نجم في زمنها، لم تكن الوحيدة، ولم تكن السائدة، وكانت تتجاور مع أشكال مختلفة من كوميديا المسرح التجاري تتبنى طيفاً واسعاً من الاختلاف، من كوميديا محمد صبحي الجادة، إلى كوميديا تجمع بين الهزل والنقد السياسي، إلى كوميديا الفارص الخالصة، لذا كان مسرحه استراحة مستحقة للراغبين في نسيان أعباء يوم مرهق، بتعبير مداخلة الفنان أحمد ماهر، أما في عصرنا، فقد كان المطلوب بالضبط أن تكون كوميديا مسرح مصر هي النوع الوحيد السائد، وظلت كذلك لأكثر من عقد، كوميديا يغيب فيها الموضوع عمداً، لأن السلطة لا تسمح بمناقشة أي موضوع، فهي كوميديا هروب وخضوع، وتساهم في تغريب متلقيها عن واقعه.

احتراق المسرح

في عام 1986 تعرض مسرح نجم بعد سنوات من افتتاحه، لحريق، لكنه استطاع أن يعيد بناءه في أقل من شهر، بعد تعرضه لخسارة مادية فادحة وصلت إلى نصف مليون جنيه، وهو مبلغ ضخم بمعايير ذلك الزمان، في ملحمة لا تقل روعة عن بقائه المسرح الوحيد المفتوح حتى بعد انتهاء ظاهرة المسرح التجاري في مصر، ودخول عصر سينما المضحكين الجدد. 

في عام 1986 تعرض مسرح نجم بعد سنوات من افتتاحه، لحريق، لكنه استطاع أن يعيد بناءه في أقل من شهر، في ملحمة لا تقل روعة عن بقائه المسرح الوحيد المفتوح حتى بعد انتهاء ظاهرة المسرح التجاري في مصر.  

يشير آدم والزرقاني إلى إعادة اكتشاف الأجيال الجديدة ريبرتوار نجم، من خلال الوسائط الجديدة، التوك توك والريلز، التي تحتفي بإيفيهاته ومشاهده، ولا شك في أن ثلاثية البودكاست التي بذل فيها مجهود بحثي غلفه الحب، ستؤدي دوراً في مضاعفة تلك الظاهرة المستحقة، لفنان أخلص لفنه، وهي جملة على ابتذالها، تشير إلى ظاهرة مفقودة بين مضحكينا الحالين، إذ نشعر أن ما يفصل بيننا وبينهم هو افتقادهم لذلك الإخلاص.

في النهاية لا يمكن التقاط روح بودكاست ثرثرة فنية، لكل من آدم وزرقاني في تعبيرهما عن محبة نجم وأهميته وأهمية تراثه، عبر مقالي الجاف، الذي ليس إلا دعوة إلى الاستماع إلى الثلاثية المبهجة عن فنان يستحق تلك المحبة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard