شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"تهمة التشهير"... هل هي ذريعة الشخصيات العامة في العالم العربي للإفلات من النقد؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن وحرية التعبير

الثلاثاء 13 فبراير 202402:10 م

تكاد الدساتير والقوانين العربية تخلو من مصطلح "الشخصية العامة" كمفهوم قانوني له تبعات محددة، وبالتالي يمكن لأي مسؤول أن يحاكم أي صاحب رأي بتهمة "التشهير" متجاهلاً اختلاف الأدوار في المجتمع.

لذا، كثيراً ما نُفاجأ بأخبار من الدول العربية، عن جر ناشطين وصحافيين إلى ردهات المحاكم، وربما السجون حتى بسبب دعاوى قضائية رفعها عليهم مسؤولون وسياسيون لم يتحملوا "النقد" الذي وجه إلى أشخاصهم أو إلى "أفعالهم".

في هذه الحالات تشكل تفسيرات المحاكم السابقة، والسوابق القضائية في كل العالم، المرجع الأهم ليستأنس بها القضاء والمدافعين عن حقهم في نقد الشخصيات العامة سواء من السياسيين والمسؤولين الحكوميين أو سواهم. لا سيما من المحاكم ذات الصفات الدولية كمحكمة العدل ومحكمة الجنايات الدولية، والأهم محاكم حقوق الإنسان في العالم.

ماذا يحدث عند انتقاد شخصية عامة عربية؟ 

على الديمقراطيات الناشئة ألاّ تظل "ناشئة" لسنوات وسنوات، ففي مرحلة ما عليها أن تنضج وأن تتحول إلى ديمقراطيات "ناضجة"، وألا تعتمد على هذا المصطلح لتجميد الوقت والخروج من المحاسبة على القصور في حماية الحريات لشعوبها، وبالأخص حرية الرأي والتعبير المتمثلة في حق انتقاد الشخصيات العامة من السياسيين والمسؤولين.

في العام 2017 اعتقلت الأجهزة الأمنية الأردنية الناشط راكان حياصات وذلك لتنفيذ حكم قضائي صادر بحقه بعد أن قاضته عضو البرلمان ديما طهبوب، بعد نشره صورة خلال شهر رمضان لطهبوب وهي تركب خيلاً وسيف بعد مطالبتها بحكم التعزيز على كل من يفطر خلال اوقات الصيام . وشملت الدعوى التي رفعتها النائبة ثلاثة أشخاص منهم طالبة جامعية.

لا يوجد نص في القوانين الأردنية يجيز نقد الشخصيات العامة أو يعرّفها. وكذلك في السعودية، حيث وفي نفس العام أوقفت الجهات الأمنية في الرياض كاتباً صحافياً وأكاديمياً، بعد توجيه تهم القذف والتشهير له. 

يُعتقل عشرات الصحافيين والناشطين سنوياً في العالم العربي، ويسجن بعضهم بسبب انتقادهم للمسؤولين والسياسيين نتيجة عدم وجود قوانين واضحة تميز بين الشخص العادي والشخصية العامة لدى رفع دعاوى "التشهير" 

وفي العام 2019 اعتقلت السلطات العراقية الصحافي بهروز جعفر، في مدينة السليمانية شرق إقليم كردستان. بتهمة التشهير في حق الرئيس العراقي برهم صالح، مؤسس الائتلاف من أجل الديمقراطية والعدالة، وهو الاعتقال الذي أدانه الاتحاد الدولي للصحافيين.

وفي العام 2020 سُجن الصحافي والناشط عمر الراضي من قبل السلطات المغربية بتهمة التجسس، وجاء في تصريح لإريك غولدستين، مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في هيومن رايتس ووتش: "من الواضح أن جهاز الحكم في المغرب أصبح يعتمد على توجيه تهم تبدو وهمية إلى صحافيين معارضين، كأسلوب لخنق الانتقادات. تهمة التجسس، وسلسلة من التهم الأخرى الموجهة إلى عمر الراضي، تبدو ملفقة لإسقاطه".

وكان الراضي قد نشر عدة مقالات حول فساد مسؤولين، واستيلاء مُضاربين على أراض جماعية.

وفي العام 2021 قضت محكمة جزائرية بسجن الصحافي عبد الحكيم ستوان لمدة ستة أشهر مع النفاذ بتهمة التشهير برئيس مجلس النواب الجزائري، وهو ما أثار ردود فعل مستهجنة وواسعة من المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حق التعبير.

من هي الشخصية العامة؟

لا نجد تعريفاً واحداً في الفقه القانوني على ماهية الشخصية العامة، لكننا نجد في أحكام محاكم حقوق الإنسان في العالم والتي سيرد بعضها في التقرير، جملة من الصفات والخصائص الواضحة والتي إذا انطبقت على شخص ما يمكن وصفه بالـ"شخصية العامة".

يمكن تطبيق قاعدة "من يَحكم يُسأل" لتحديد أهم ملامح الشخصية العامة، لأن من يتحكمون برسم السياسات العامة للدولة، وإنفاق المال العام، يتحكمون بالضرورة بشكل مباشر بحياة بقية المواطنين، وتعتبر هذه المسؤولية للموظف العام سبباً لمحاسبته من الشعب.

كذلك ينطبق الأمر –نسبياً وبحسب السياق- على من تؤثر آراؤهم على توجيه الآخرين، كالمشهورين من الإعلاميين والمفكرين ممن يشاركون أفكارهم وتنظيراتهم مع الآخرين بشكل علني ودوري. وأيضاً، يؤخذ معيار ما إذا كان الشخص قد أقحم نفسه في قضية عامة بمحض إرادته، أو إذا كان لقراراته وآرائه تأثير على بقية المواطنين. 

من يتحكمون برسم سياسات الدولة، وإنفاق المال العام، يتحكمون بالضرورة بحياة بقية المواطنين، وتعتبر هذه المسؤولية للموظف العام سبباً لمحاسبته من الشعب وانتقاده في المنصات المتاحة. 

وقد ورد في المادة (10-أ) من إعلان مبادئ حرية التَّعبير النص التالي: "على قوانين الخصوصيَّة ألاَّ تمنع أو تقيِّد التَّحقيق في المعلومات ذات الأهمِّية العامَّة ونشرها. وينبغي اللُّجوء للعقوبات المدنيَّة فقط لضمان حماية سمعة الشَّخص وذلك في الحالات التي يكون الشَّخص الذي تعرَّض للإساءة مسؤولاً عامًّا أو شخصيَّة عامَّة أو شخصًا عاديًّا اِنخرط طوعًا في قضايا تتعلَّق بالصالح العام".

من الفقرة السابقة نفهم أن الشخصيات العامة ليسوا المسؤولين الحكوميين حصراً، فبعض الكتاب والصحافيين والمؤثرين ممن يتعاطون في الشأن العام يُعتبروا من الشخصيات العامة أيضاً.

مراجع عالمية من محاكم حقوق الإنسان

في العام 2001 وخلال دعوى تشهير رفعها مسؤول عام على صحافي في كوستاريكا، رأت محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان أنَّ "الأشخاص الذين يشاركون في أنشطة ويؤثّرون على المواقف المتعلقة بالصالح العام، هم بالضَّرورة أكثر عرضةً للرقابة العامة والنقاش العام بالمقارنة مع الأفراد العاديين، كون ذلك ضروري لتطبيق الدِّيمقراطيَّة، فالأشخاص الذين لديهم تأثير على القضايا المتعلِّقة بالصالح العام، قد عرضوا أنفسهم طوعًا للرَّقابة العامَّة، وبالتَّالي أصبحوا أكثرعرضةً للاِنتقاد، وذلك لأنَّ أنشطتهم الخاصَّة أصبحت تحت مرأى ومسمع الجميع".

وفي دعوى قضائية تعود إلى العام 2004 رفعها مرشح سياسي من الباراغواي، ضد خصمه، إذ ادعى أن لديه صفقات يشوبها الفساد، شدَّدت المحكمة على ضرورة "تسامح" الشخصيات العامة مع النقد، ومن القرار:

"ينبغي للشخصية العامة التمتع بقدرة عالية على تحمُّل التَّصريحات والآراء التي تصدر خلال النِّقاشات العامَّة وتلك المتعلِّقة بالصالح العام".

وأيضاً: "بالنَّظر إلى أن الحق في حرية التّعبير يمكِّن الفرد والمجتمع من المشاركة في نقاش فاعل وقوي ومعارض حول جميع الجوانب المتعلقة بأداء المجتمع لوظائفه، يغطِّي هذا الحق النِّقاش الذي قد يكون ناقداً أو حتى مسيئاً للمسؤولين العامِّين أو المرشَّحين للمناصب العامَّة أو الأفراد المشاركين في تشكيل السِّياسات العامَّة". 

جاء في قرار لمحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان:  "الأشخاص الذين لديهم تأثير على القضايا المتعلِّقة بالصالح العام، قد عرَّضوا أنفسهم طوعاً للرَّقابة العامَّة، وبالتَّالي أصبحوا أكثرعرضةً للإنتقاد، لأنَّ أنشطتهم الخاصة أصبحت تحت مرأى ومسمع الجميع"

بالرجوع إلى المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ينصُّ المبدأ رقم (21) والمعنون بـ "حمایة السُّمعة" من إعلان مبادئ حرية التعبير والوصول إلى المعلومات في إفريقيا على أنه "يتعين على الشخصيات العامة تحمُّل قدر أكبر من النقد، وألاَّ تمنع قوانين الخصوصيَّة والسرية نشر المعلومات ذات الأهمية العامة".

كذلك أوردت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في أحد تفسيراتها: "لا يجوز للشخصيات العامَّة أن تتمتع بالمستوى نفسه من حقوق الخصوصيَّة كالأفراد العاديِّين. ولا يوجد تمييز بين الشخصيات العامة الحالية والسابقة ضمن فئة الشَّخصيات العامَّة".

رأي القانونيين العرب

مصر

يقول المحامي وعضو اتحاد المحامين العرب محمد مصطفى واصل لرصيف22: "يرى بعض فقهاء القانون أن الشخصية العامة طالما قبلت ابتداءً بتولي شأن عام فإنها قبلت ضمناً أن تكون محلاً للتقييم العام، وهذا ما يوجب أن تترك للمواطنين والصحافيين مساحة أوسع لنقدها. كذلك فان المصلحة العامة توجب بيان من يصلح للقيام بالشؤون العامة ومن لا يصلح من خلال النقد، والذي يمثل شكلاً مهماً من أشكال الرقابة الشعبية، لكن الإشكالية المهمة تكمن في كيفية نقد الشخصية العامة وطبيعة العبارات والصور ورسوم الكاركاتير المستخدمة في هذا النقد، ومتى تعتبر العبارات والرسوم الموجهة للشخصية العامة تعبيراً ونقداً حراً، ومتى تخرج عن مشروعيتها وتدخل في إطار التجريم". 

ورد في أحد تفسيرات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: "لا يجوز للشخصيات العامَّة أن تتمتع بالمستوى نفسه من حقوق الخصوصيَّة كالأفراد العاديِّين".

ويشير إلى عدم وجود نص صريح في القانون المصري يبيح انتقاد الشخصيات العامة أو العاملين في الشأن العام، لكن ارتكن الفقهاء إلى بعض الأسانيد، منها نص الدستور المصري على هذا الحق في المادة (65) التي تنص على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر"، والمادة (47) التي تقول أن "النقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني".

ويضيف: "ورد في حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن 42 لسنة 16 قضائية المحكمة الدستورية العليا أن الحق في النقد – وخاصة في جوانبه السياسية – يعتبر إسهاماً مباشراً في صون نظام الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وضرورة لازمة للسلوك المنضبط في الدول الديمقراطية، وحائلاً دون الإخلال بحرية المواطن، وقد خوّل القانون سلطه تقديرية واسعة لمحكمة الموضوع حسب كل واقعة وظروفها لتحديد متى يكون النقد مباحاً في حدود الوظيفة أو العمل الموكل للشخصية العامة ومتى ينطوي علي جريمة السب والقذف إذا امتد للحياة الشخصية والأسرة وهكذا."

المغرب

يجيب عن سؤال هل هناك قوانين أو أحكام محاكم سابقة تدلنا على تعريف الشخصية العامة وحدود نقدها في المغرب؟ الخبير الدستوري، وأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية رشيد لرزق. يقول لرصيف22: "لا يوجد تعريف شامل ومانع للشخصية العامة في المغرب، غير أن المتعارف عليه هو أن الشخصية العامة تشمل كل شخص يتقلد منصباً أو من يوجد في مكانة تهم الجموع والعموم".

ويرى أن التدخل في "مجال" الشخصية العامة جائز بشكل أكبر في المجال العام منه في الخاص، وهو ما يجيز النقد اللاذع على عكس الشخصية الخاصة أو العادية، شريطة أن يدخل هذا النقد في إطار المصلحة العامة.

 لا يوجد نص صريح في القانون المصري أو الأردني أو المغربي يبيح انتقاد الشخصيات العامة، بينما ميّز قانون العقوبات العراقي بين السب والقذف والتشهير، وبين النقد، حيث يراد من النقد الإصلاح والتقويم، ويخلو من ركن الجريمة المعنوي والذي يعد أساس جرائم السب والقذف والتشهير

ويضيف: "يمكن مراقبة الحياة الخاصة للشخصية العامة بشكل أكبر مقارنة مع الأشخاص العاديين، على اعتبار أن الأولى تكون مسؤولة عن المصلحة العامة أو تساهم في تحقيقها".

لكن على الرغم من ذلك، يلفت الأستاذ لزرق إلى ضرورة احترام الحرية الخاصة للشخصية العامة التي تبقى إنسانا يكفل له الدستور التمتع بكافة حقوقه داخل المجتمع.

العراق

يقول الخبير القانوني علي جابر التميمي لرصيف22 إن قانون العقوبات العراقي ميّز بشكل واضح بين السب والقذف والتشهير، وبين النقد، حيث يراد من النقد الإصلاح والتقويم، فيما يراد من الانتقاد اللوم وكشف المستور، ويخلو من ركن الجريمة المعنوي والذي يعد أساس جرائم السب والقذف والتشهير.

ويضيف: "لكن القانون العراقي يحمل متناقضات كثيرة رغم وجود هذا التعريف، بحسب المحامي علي الموسوي، الذي يقول لرصيف22: "الدستور العراقي كفل حرية التعبير والنشر في المادة (38) من الدستور العراقي، كما أجاز الطعن في أعمال الموظف العامة والجهات الرسمية والنيابية، في المادة (433) من قانون العقوبات العراقي، ولكن القضاء يتعامل مع هذه القضايا وفقاً لبنود المواد (224) و(225) و(229) من القانون نفسه، والتي تعاقب بالسجن لمدة لا تزيد عن 7 سنوات كل من انتقد بإحدى الطرق العلانية، رئيس الجمهورية، أو الهيئات النظامية والسلطات العامة والدوائر الرسمية وشبه الرسمية، بغض النظر عما إذا كان النقد أو الانتقاد يهدف لحماية الصالح العام أو لأغراض شخصية".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ذرّ الرماد في عيون الحقيقة

ليس نبأً جديداً أنّ معظم الأخبار التي تصلنا من كلّ حدبٍ وصوبٍ في عالمنا العربي، تشوبها نفحةٌ مُسيّسة، هدفها أن تعمينا عن الحقيقة المُجرّدة من المصالح. وهذا لأنّ مختلف وكالات الأنباء في منطقتنا، هي الذراع الأقوى في تضليلنا نحن الشعوب المنكوبة، ومصادرة إرادتنا وقرارنا في التغيير.

Website by WhiteBeard