شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
الأونروا... أكثر بكثير من مقدّم خدمات

الأونروا... أكثر بكثير من مقدّم خدمات

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمشرّدون

الخميس 8 فبراير 202411:22 ص

بعد مرور أربعة أشهر على العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة، وبرغم الإدانات الشعبية والتظاهرات الحاشدة التي تشهدها عواصم أوروبية وعربية وعالمية، رفضاً واستنكاراً لهذا العدوان، وللإبادة الجماعية التي يتعرض لها البشر والحجر في القطاع، وبرغم التغيير الملحوظ لمواقف بعض الدول والحكومات، والتغيير الجذري في مواقف البعض الآخر، وبرغم كل التصريحات الأمريكية التي تحاول تجميل الصورة، أو رفض ما لا يتوافق مع ما تدّعيه من قيم وأخلاقيات الحروب، وبرغم كل هذه الضغوط الخارجية، والضغوط الداخلية من مظاهرات واحتجاجات يومية لعائلات المخطوفين، أو مظاهرات من جماعات وأحزاب معارضة تريد إسقاط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإسقاط حكومته بحجة الفشل في إدارة الحرب وتحقيق أهدافها... برغم كل ما سبق، من المؤسف القول إن نتنياهو ما زال قادراً على إدارة ملفات الصراع داخلياً وخارجياً.

قد يحتج البعض بأن نتنياهو وحكومته لم يحققا أياً من الأهداف المرسومة لهذه الحرب، وهذا صحيح في الظاهر، أو في ما يخص الأهداف المعلنة. ولأنه صحيح، فإن السؤال الذي يتبع هذا الافتراض هو: لماذا لم يسقط هو وحكومته إذاً؟ الإجابة التي سأجتهد في محاولة تبريرها افتراضية أيضاً، وتقول: لأن نتنياهو هو الممثل الجيد، أو الممثل الأبرز للدولة العميقة في إسرائيل، القائمة على التهجير، ما أمكن ذلك، لا على السلام المفضي إلى حل الدولتين، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

إنه الشخص الوحيد الذي يستطيع إرضاء الشارع بإنجاز هنا، مقابل فشل هناك، ويستطيع ترويض خصومه السياسيين واستبدال حلفائه متى أراد. هذا في ما يخص وضعه الداخلي الذي لا يهم قضيتنا كثيراً، على الأقل في الظاهر. أما في ما يخص سياسته الخارجية فعلينا الانتباه إلى الهدف الذي سدده في مرمانا، مؤخراً، دون أن ننتبه، أو لنقل إنه تم في غفلة منا، ويبدو أننا سنعاني من آثاره الآن وعلى المدى الطويل.

الأونروا تشكل جسماً قانونياً دولياً يحفظ قضية اللاجئين الفلسطينيين من الاندثار أو النسيان، ويحافظ عليها حيةً في الضمير العالمي. ومحاربتها من نتنياهو وإسرائيل ليست للخدمات التي تقدّمها لـ"الأعداء"، بل لما تشكله من أهمية سياسية وقانونية داعمة لحقهم في العودة، وحل قضيتهم على أساس عادل

هذا الهدف هو الهجوم على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين "الأونروا"، بحجة أن بعض موظفيها في غزة شاركوا في هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وبمجرد أن قامت إسرائيل بتقديم هذا الادّعاء للوكالة الدولية وللولايات المتحدة، استجابت عشر دول وأوقفت مساعداتها لـ"الأونروا"، وهي الدول التي تقدم الحصة الأكبر من الدعم والتمويل. من بين هذه الدول الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا واليابان.

ما هي الأونروا؟ ولماذا تهاجمها دولة التهجير؟ وما هي تداعيات وقف خدماتها ومشاريعها أو تقليصها؟

من المعروف أن أحد الملفات الصعبة التي واجهت المفاوض الفلسطيني في حقبة "عرفات-رابين"، وما تلاها، حق العودة للّاجئين الفلسطينيين. وهذا هو الملف الأخطر في نظر إسرائيل من ناحية رؤيتها للصراع كصراع يتعلق بوجودها. فما دامت قضية اللاجئين قائمةً، فهذا يعني أن عودتهم ستظل على رأس أولويات أي طرف يطالب، أو يسعى إلى حل عادل وشامل. المطلوب إذاً، إنهاء هذه المطالبة بإنهاء عناصرها، أي اللاجئين أنفسهم، وذلك بإبعادهم عن محيط الصراع.

لقد اشتغلت إسرائيل مطولاً على إنهاء الوجود الفلسطيني في مخيمات لبنان، وشنّت من أجل ذلك حرباً حرقت فيها الأخضر واليابس. ثم، وبعد سنوات، اشتغلت من تحت الطاولة، إن جاز التعبير (الأدوات والغباء تؤدي إلى النتيجة نفسها)، وكانت أكثر المستفيدين من تفريغ مخيم اليرموك في سوريا. أما الآن، فإن الحرب تُشنّ على قطاع غزة الذي يعيش فيه 2.4 ملايين فلسطيني منهم 1.7 ملايين من اللاجئين، أو أقل قليلاً لو اعتمدنا عدد المسجلين منهم في سجلات الوكالة.

من أجل الوقوف بشكل علمي على تداعيات قرار إيقاف تمويل وكالة الغوث، علينا أن نحيط القارئ بتصور عام عن المهمات التي تقوم بها أولاً، وطبيعة عملها. لقد تأسست هذه الهيئة بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، أي بعد النكبة مباشرةً، وذلك لمساعدة وإطعام وإيواء 750 ألف لاجئ فلسطيني تم تهجيرهم من مدنهم وقراهم، وتمركزوا في دول الجوار. لذلك فإن أماكن عمل الوكالة هي في الضفة الغربية وغزة والأردن ولبنان وسوريا. كانت مدة الولاية القانونية لهذه الوكالة سنةً واحدةً فقط، أي حتى نهاية 1950، على افتراض أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين سيتم حلها، لكن منذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة صارت الجمعية العامة تجدد للوكالة بشكل دوري، وصار اللاجئون ينجبون ويتكاثرون على عكس رغبة إسرائيل، إلى أن وصل عدد المستفيدين من برامج الوكالة إلى ستة ملايين لاجئ.

تقوم الوكالة بتنفيذ برامج كثيرة من أهمها التعليم، حيث تدير أكثر من 700 مدرسة في مناطق عملياتها. يرتاد هذه المدارس نصف مليون تلميذ، بالإضافة إلى 8،000 متدرب في معاهد التدريب المهني، و2،000 طالب في معاهد تدريب المعلمين. ثاني هذه البرامج، برنامج الصحة الذي يشمل الرعاية الطبية من تشخيص وعلاج وصرف دواء، وبرنامج صحة الأسرة، وبرنامج صحة البيئة الذي يهتم بجودة مياه الشرب، وخدمات الصرف الصحي، والبنية التحتية في 58 مخيماً مسجلاً في مناطق اللجوء.

بالطبع، كل ما سبق من خدمات يوازيه، أو يفوقه في الأهمية السياسية، كون الوكالة تشكل جسماً قانونياً دولياً يحفظ قضية اللاجئين الفلسطينيين من الاندثار أو النسيان، ويحافظ عليها حيةً في الضمير العالمي. ومحاربتها من نتنياهو وإسرائيل ليست للخدمات التي تقدّمها لـ"الأعداء"، بل لما تشكله من أهمية سياسية وقانونية داعمة لحقهم في العودة، وحل قضيتهم على أساس عادل.

أما التداعيات المتوقعة إن نجح نتنياهو في مسعاه، فهي لا تقتصر على حاجة الغزيين الماسة إلى خدمات ومساعدات الوكالة في هذا التجويع، وهذه الإبادة التي تُشن بحقهم، بل تتجاوز ذلك إلى خلق أزمة اقتصادية للّاجئين في كل من الضفة الغربية والأردن ولبنان. والأزمة الاقتصادية ستؤدي تالياً إلى أزمة اجتماعية، ومن ثم إلى أزمة سياسية بالضرورة.

إن نجح نتنياهو في مسعاه، فالتداعيات لن تقتصر على حاجة الغزيين الماسة إلى خدمات ومساعدات الأونروا بل تتجاوز ذلك إلى خلق أزمة اقتصادية للّاجئين في كل من الضفة الغربية والأردن ولبنان. والأزمة الاقتصادية ستؤدي تالياً إلى أزمة اجتماعية، ومن ثم إلى أزمة سياسية بالضرورة

فما الذي نتوقعه من حكومات البلدان المذكورة التي تعاني من أزمات اقتصادية، وبالكاد تستطيع تأمين احتياجات مواطنيها الصحية والتعليمية، حين تجد أن العبء الاقتصادي على موازناتها قد قفز بشكل فجائي وغير منتظر؟

يدرك نتنياهو جيداً أن مهمة جلب حلفاء له ولدولته في سياساتها ضد الشعب الفلسطيني مهمة صعبة، وقد تكون مستحيلةً، لذا فهو يدير سياسته بطريقة معاكسة؛ أي بجلب أعداء للقضية الفلسطينية ولممثليها. وبرغم ما يعانيه من عزلة على المستوى الدولي والمحلي، إلا أنه يستطيع في كل مرة أن يقضم من رصيدنا في العالم وأن يضعنا في مواجهته.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard