شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
نازحة غير مرغوب فيها… التغيُّر المناخي يضرب الزراعات المصرية بآفة جديدة

نازحة غير مرغوب فيها… التغيُّر المناخي يضرب الزراعات المصرية بآفة جديدة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والبيئة

الأحد 4 فبراير 202402:49 م


بينما يتأمل المزروعات الجديدة التي بدأت بشائرها تظهر على سطح الأرض، فوجئ خلف عزيز مزارع الذرة الشامية في مركز صفط اللبن بمحافظة الجيزة بإصابة محصوله بدودة لم يرها من قبل، كانت الدودة البنية منتشرة على أوراق وسيقان محصوله وتكاد تغطيه. المشهد الذي رآه خلف عزيز في مايو/ أيار الماضي كان مرعباً، وما زاد من أثره المخيف أنه لم يكن الوحيد الذي أصيب زرعته الجديدة بهذه الدودة الشرهة، بل أصيبت بها مزروعات زملائه المزارعين في المركز نفسه الذي يتعرف للمرة الأولى على نازح غير مرغوب فيه، أتى من جنوب الصحراء الإفريقية ليلتهم محصول الذرة الشامية في مصر، اسم ذلك النازح الجديد "دودة الحشد الخريفية".

يحكي خلف لرصيف22: "زرعت 4 أفدنة بالذرة الشامية، وفوجئت بإصابتها بتلك الآفة التي تسببت في تآكل الأوراق والقلب وبعض العيدان، وعليه قمت برش المحصول بالمبيدات 4 مرات في محاولة مني لمقاومتها وتقليل الخسائر التي بلغت 25% من إنتاجي. خسرت نحو 6 أراديب من كل فدان (تقدَّر إنتاجية الفدان الواحد بـ24 أردب، ويعادل الأردب 142 كيلو) محققا خسائر إجمالية قدرت بنحو 32 ألف جنيه (1037.37 دولار بسعر الصرف الرسمي)".

كانت الدودة البنية منتشرة على أوراق وسيقان محصوله وتكاد تغطيه. المشهد الذي رآه خلف عزيز في مايو/ أيار الماضي كان مرعباً، لكنه لم يكن وحيداً في شعوره بالصدمة

الزحف نحو الشمال

بحسب التقارير الرسمية لوزارة الزراعة المصرية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، ظهرت دودة الحشد الخريفية في مصر للمرة الأولى في العام 2019، وتسببت في إفساد أفدنة من مزروعات الذرة الشامية في محافظتي أسوان والأقصر قادمة من السودان، وظلت لعامين كامنة في أقصى جنوب مصر ثم بدأت بالزحف شمالاً حتى ظهرت مؤخراً في محافظة الجيزة (غربي العاصمة) ومن المتوقع أن تواصل زحفها صوب الدلتا حيث تتركز معظم الأراضي الصالحة والمستخدمة للزراعة في مصر.

إلى الآن، ولتراجع الإرشاد الزراعي المسؤول عن توعية الفلاحين بالسبل العلمية لمكافحة الآفات، لم يتلق المزارعون المصريون أية إرشادات كافية لمواجهة تلك الآفة النازحة التي وجدت في مصر بيئة مثالية مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الأعوام الأخيرة نتاجاً للتغير المناخي، متسببة في خسائر بالغة لمزارعي الذرة الشامية في مصر.

لتراجع الإرشاد الزراعي المسؤول عن توعية الفلاحين بالسبل العلمية لمكافحة الآفات، لم يتلق المزارعون المصريون أية إرشادات خاصة بمواجهة تلك الآفة النازحة التي وجدت في مصر بيئة مثالية مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الأعوام الأخيرة نتاجاً للتغير المناخي، متسببة في خسائر بالغة لمزارعي الذرة الشامية في مصر

بحسب الدكتور عاصم عبد المنعم أستاذ اقتصاديات المناخ الزراعي بالمعمل المركزي للمناخ الزراعي (أكاديمي تابع لوزارة الزراعة) رُصدت أول حالة لإصابة حقل ذرة بدودة الحشد الخريفية في كوم أمبو بأسوان في مايو/ أيار 2019، ويشرح لرصيف22: "بحسب قسم إنتاج ووقاية النباتات بمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) فإن دودة الحشد هي آفة إفريقية عابرة للحدود يمكن أن تصيب أكثر من 80 نوع نبات وتسبب ضرر بالغ لمحاصيل الحبوب الهامة اقتصادياً كالذرة الشامية، والأرز، والذرة الرفيعة وكذلك محاصيل الخضر والقطن".

يضيف أستاذ اقتصاديات المناخ أن الموطن الأصلي لها هو المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في أمريكا الجنوبية لكنها وجدت طريقها إلى إفريقيا جنوب الصحراء ومنها إلى شرق القارة ثم شمالها.

تتكاثر الدودة الضارة عدة مرات في السنة الواحدة منتجة عدة أجيال، وتستطيع الحشرات شبه الكاملة (الفراشات) الطيران لمسافات طويلة تصل إلى 100 كم في الليلة الواحدة، وتتسبب في أضرار بالغة للمحاصيل المصرية وخاصة محصول الذرة الشامية.

وبحسب مزارعين تحدثوا لرصيف22، تظهر الإصابة سنوياً في شهر مايو/ أيار، وهو ذات الشهر الذي ظهرت فيه لأول مرة في مصر خلال 2019.

خسائر كبيرة

عصام فتحي مهندس زراعي ومدير المركز الإرشادي في قرية قاي، التابعة لمركز إهناسيا بمحافظة بني سويف (جنوبي غرب القاهرة)، هو أيضاً كان أحد المتضررين من إصابة محصول الذرة الشامية في أرضه بدودة الحشد الخريفية بداية من مايو/ أيار 2020، ورغم كونه مهندس زراعي ومسؤول إرشاد مخضرم، لم يتمكن فتحي من حماية مزروعاته من الدودة لتتكرر الإصابة على مدار الأعوام الأربعة التالية وإن تمكن من حصار الخسائر بعض الشيء، "قد تظل الإصابة لشهرين متواصلين في الدورة الواحدة". ويعتبر عصام عام 2022 هو الأصعب، نظراً للخسائر المادية التي مني بها جراء تلف أجزاء من محصوله بسبب الدودة، معتبراً الذرة الشامية أكثر المحاصيل تأثراً بتلك الآفة في مصر.

يبلغ عدد سلالات دودة الحشد 37 نوعاً، 4 منهم استوطنوا مصر وهم: دودة ورق القطن الكبرى والصغرى، ودودة الذرة ودودة الأرز، حيث تتحرك تلك الديدان في درجات حرارة تبدأ من 28 درجة مئوية، وتتحمل الدرجات المنخفضة حتى 10 درجات مئوية.

يقول عصام فتحي لرصيف22: "عام 2022 أصيب محصولي من الذرة الشامية إصابات كبيرة تقدر بنحو 30% من المحصول، محققاً خسائر مادية تقدر بنحو 15 ألف جنيه (486.27 دولار بسعر الصرف الرسمي)".

ويضيف: "عام 2023 أصيب نحو 20% من محصول الذرة بذات الدودة"، ونظرا لعمل عصام كمدير إرشاد زراعي ساعدته خبرته العلمية على التعامل بشكل جيد مع تلك الآفة على حد قوله.

غياب المعلومات

بحسب دراسة لمعهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية، أجراها باحثون على محصول الذرة بمحافظة قنا، وُجِد أن نحو ثلاثة أرباع مزارعي الذرة المبحوثين؛ مستوى معلوماتهم منخفض عن دودة الحشد الخريفية، علاوة على انخفاض مستوى معلوماتهم عن أساليب المكافحة بنسبة (%75.6)، واعتبر المبحوثون أن "نقص المعرفة عن الآفات التي تصيب المحاصيل الزراعية، والإصابة الشديدة للمحاصيل الزراعية، وارتفاع أسعار المبيدات الخاصة بالمكافحة، ونقص الإمكانيات المتاحة للمكافحة، وعدم توفر أنواع المبيدات المتخصصة والخاصة بأساليب المكافحة الكيماوية" أهم المشكلات التي تواجههم لمكافحة دودة الحشد الخريفية .

لاحظ المهندس الزراعي عصام فتحي أن تذبذب درجات الحرارة خلال اليوم الواحد، كان من بين الظواهر التي بدأ معها ظهور دودة الحشد في أرضه والأراضي المحيطة به في بني سويف "بشكل عام تذبذب درجات الحرارة بيزيد من نشاط الآفات التي تبلغ ذروة نشاطها مع ارتفاع درجات الحرارة"

الاحترار يرحب بدودة الحشد

وتعد التغيرات المناخية متهماً رئيسياً في انتشار دودة الحشد. ووفقاً لتصريح الدكتور حسن ضاحي، رئيس قسم بحوث دودة ورق القطن، بمعهد بحوث وقاية النبات تبلغ عدد سلالات دودة الحشد 37 نوعاً، 4 منهم استوطنوا مصر وهم: دودة ورق القطن الكبرى والصغرى، ودودة الذرة ودودة الأرز، حيث تتحرك تلك الديدان في درجات حرارة تبدأ من 28 درجة مئوية، وتتحمل الدرجات المنخفضة حتى 10 درجات مئوية.

لاحظ المهندس الزراعي عصام فتحي أن تذبذب درجات الحرارة خلال اليوم الواحد، كان من بين الظواهر التي بدأ معها ظهور دودة الحشد في أرضه والأراضي المحيطة به في بني سويف "بشكل عام تذبذب درجات الحرارة بيزيد من نشاط الآفات التي تبلغ ذروة نشاطها مع ارتفاع درجات الحرارة".

يقول الدكتور خليل المالكي أستاذ وقاية النبات بمركز البحوث الزراعية لرصيف22: "أدت التغيرات المناخية لتغيير البيئة المعيشية للحشرات ككل وليس دودة الحشد فحسب، إذا جاءت الإصابة لثمرة الذرة الشامية متأخرة، تدخل الآفة من الشرابة (الغلاف الورقي المحيط بالذرة) إلى الكوز (الثمرة) لتأكل حبات الثمرة".

ويشير المالكي إلى درجات الحرارة التي تعد أكثر العوامل المناخية تأثيراً على آفة الحشد، لعدم امتلاكها جهاز يمكنّها من التعامل مع التغيرات المناخية، وتعديل درجة تكيف جسمها مع تلك الاختلافات لأنها من ذوات الدم البارد، وتتبع الآفة فصيلة “Spodoptera frugi perda”، بحسب أستاذ اقتصاديات المناخ الزراعي بالمعمل المركزي للمناخ الزراعي، سجلت دولة السودان أول إصابة لدودة الحشد في عام 2017 حيث تسببت في دمار نحو 1250 هكتار ذرة شامية، إضافة إلى إصابات واسعة النطاق في بعض محاصيل الأعلاف. وقدرت الخسائر الاقتصادية في دولة كينيا جراء إصابة الدودة لمحصول الذرة الصفراء نحو 12 مليون دولار أمريكي.

دودة عابرة للحدود

تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن الآفة التي قدمت إلى مصر من السودان، تصيب 13 محافظة مصرية بمتوسط إصابة 1.5% خلال عامين في زراعات الذرة، ومن الجدير بالذكر بلغت مساحات الذرة الرفيعة نحو 483 ألف فدان بإجمالي إنتاج بلغ نحو 1.03 مليون طن لعام 2022، وبلغت مساحة الذرة الشامية البيضاء والصفراء بلغت نحو 2 مليون فدان لعام 2022 بإجمالي إنتاج بلغ نحو 6.4 مليون طن وفقاً لقطاع الشؤون الاقتصادية بوزارة الزراعة، وفي حال تفشي الدودة في الحقول سيترك تأثيراً في غاية الخطورة - في الأمدين القصير والطويل- على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وصناعة الأعلاف ما يؤثر على سبل الملايين من مشغلي سلسلة القيمة على مختلف السلع في الجمهورية. فعلى سبيل المثال؛ وضعت وزارة الزراعة سعر ضمان لمحصول الذرة البيضاء بنحو 6000 جنيه للطن لعام 2022، وعليه في حالة تسببت دودة الحشد في تقليل الكمية المنتجة بنحو 10%، تبلغ كمية الخسائر الاقتصادية نحو 0.6 مليون طن بقيمة تبلغ نحو 3.6 مليار جنيه مصري تزيد إلى نحو 5.4 مليار جنيه بأسعار الضمان لعام 2023.

حلول مُجَرَّبة

ينصح عصام فتحي بصفته مديراً للإرشاد الزراعي في بني سويف المزارعين باختيار الموعد المناسب للزراعة ورش المحصول وقائياً تفادياً للإصابة، واختيار أصناف عالية الإنتاج مقاومة للإصابات الحشرية والفطرية. أما خلف، المزارع الجيزاوي الذي فوجئ بالدودة لأول مرة في الموسم الفائت، فينصح بمعالجة اليرقات في الأرض قبل بدء موسم زراعة الذرة تفادياً لإصابة المحصول الجديد بفعل من يرقات الدودة المتخلفة عن المحصول الفائت، ويتفق معه الخبير في وقاية المحاصيل الزراعية دكتور خليل المالكي، الذي ينصح المزارعين بفحص الأرض جيداً قبل الزراعة للتأكد من عدم وجود يرقات وحال وجدت يقوم المتضرر بالري بالسولار، مع الرش الفوري بالمبيدات إذا وجد لطعة (يرقة) على المحصول للتغلب على يرقات الآفة وهي مازالت صغيرة، مشيراً لتسجيل لجنة المبيدات 11 مركب جديد لمكافحة الآفة.

ويواصل أستاذ وقاية النبات بمركز البحوث الزراعية لرصيف22: "في مصر توجد سلالة واحدة وهي Spodoptera frigid، وتفضل محصول الذرة وتشبه في سلوكياتها دودة ورق القطن"، ويرى أن مكافحتها "ليست بالأمر الصعب"، ويضيف: "مع أن متوسط الإصابة بها 6% في الذرة؛ إلا أن لها سلوك مدمر مع بعض المحاصيل الأخرى كالقمح والبرسيم حيث تعمل كدودة قارضة تقرض البذرة وهي مازالت صغيرة"، إلا أنه يشير لارتفاع معدل الإصابة بها بمحافظات الصعيد ك" المنيا وسوهاج والفيوم " قائلاً خلال متابعتنا للحقول أخذنا عينات لإجراء تجارب معملية بالموجات الكهرومغناطيسية منخفضة الترددات وجاءت النتائج مبشرة جداً دون استخدام المبيدات حيث يمكن تطبيقها في أي مرحلة من مراحل الإصابة وعليه نعمل على نقل تجاربنا المعملية للحقول المصابة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard