شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
امرأة بمثابة مصباح… الإيرانية سيما كوبان التي لم تستطع أن تكون

امرأة بمثابة مصباح… الإيرانية سيما كوبان التي لم تستطع أن تكون "بلا ردة فعل"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والنساء

الاثنين 27 نوفمبر 202312:36 م


"إن النور، شيء ضروري للحياة"؛ هذه المقولة هي عنوان الحياة المهنية للدكتورة سيما كوبان، الرسامة والنحاتة والأستاذة الجامعية والكاتبة والمترجمة والناشرة والناقدة والباحثة الإيرانية، وهي أول ناشرة إيرانية لم تتخلَّ عن أي جهد من أجل إبقاء الفن والأدب على قيد الحياة، إبان طمسهما في السنوات الأولى للثورة الإسلامية عام 1979 في إيران.

كان الفن بجميع مجالاته مهماً جداً بالنسبة لِسيما، إلى درجة أنها على الرغم من خبرتها في مجال الفنون البصرية، لم تتجه إلى التمثيل أو السينما، وظلت تعمل خلف الكواليس لتعليم الطلاب وتنظيم أعمال الفنانين الآخرين، وذلك لتمكين المهتمين بالفن، من العثور على دورة تدريبية فنية شاملة لهم، وربما بسبب هذا الأمر لم يكن اسم سيما كوبان، معروفاً لدى المجتمع الإيراني.

العقود الأربعة الأولى من حياة سيما

وُلدت سيما كوبان، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1939، في العاصمة الإيرانية طهران، وكان لوالديها تأثير كبير في تعليمها الدراسي، ومعرفتها باللغة الفرنسية، كما تعلمت الرسم منذ طفولتها، ومن هنا برز شغفها وحبها للفنون.

وقبل أن تنهي دراستها في الثانوية، وهي في السابعة عشرة من عمرها، ذهبت إلى بلجيكا. وبسبب مستوى أعمالها الفنية، تم قبولها في الكلية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل، حيث درست الرسم والنحت والتصوير من عام 1958 حتى عام 1964، ومن ثم انتقلت إلى باريس ودرست الرسم من الطبيعة والفريسكو وصناعة الفخار، في مدرسة الفنون الجميلة في باريس (بوزار).

كان الفن بجميع مجالاته مهماً جداً بالنسبة لسيما، إلى درجة أنها على الرغم من خبرتها في مجال الفنون البصرية، لم تتجه إلى التمثيل أو السينما، وظلت تعمل خلف الكواليس لتعليم الطلاب وتنظيم أعمال الفنانين الآخرين

في عام 1964، عادت إلى إيران، وبدأت التدريس في جامعة طهران للفنون الجميلة، وفي البرهة ذاتها، قامت بتصميم واجهة مسرح "سنكلج"، أحد أهم المسارح في إيران، وبالتعاون مع مجموعة تبليط الفنون الجميلة. لكنها لم تكن راضيةً عن هذا التعاون مع وزارة الثقافة، ولا حتى عن ظروف العمل ولا كيفية دفع حقوقها.

لذلك عادت إلى فرنسا مرةً أخرى، وقامت بتدريس الديكور المسرحي، وفي الوقت نفسه كانت تدرس علم الاجتماع الحضري للحصول على درجة الدكتوراه، التي حصلت عليها عام 1975 من جامعة باريس في علم الاجتماع. بعد ذلك عادت إلى إيران وعُيّنت رئيسةً لقسم الفنون التكعيبية في كلية الفنون الجميلة في جامعة طهران، حتى حدوث الثورة الثقافية وإغلاق الجامعات عام 1980، من أجل أسلمة الجامعات، إذ تم طرد سيما من الجامعة من قبل الحكومة الإسلامية، مع العديد من الأساتذة والطلاب الآخرين.

اجلب لي مصباحاً

الجمهورية الإسلامية حاولت تضييق المجال على كثير من النشاطات الاجتماعية منذ بداية تأسيسها، خاصةً ما كان تقوم به النساء المنفتحات وما يفعله المثقفون، لكن سيما لم تستسلم لهذا الاختناق السياسي الاجتماعي، وعُدّت من الأعضاء النشطين في "نادي الكتاب". وفي عام 1979، شاركت في إصدار العدد الأول من مجلّة "البستان" التي كانت تصدر عن ثقافة الثورة وفنونها، لكنها لم تكن راضيةً عما كانت تنشره في هذه المجلّة.

ولهذا السبب تولت كامل مسؤولية إصدار العدد الثاني في عام 1981، وكانت صاحبة الامتياز والمدير التنفيذي ورئيسة التحرير، وأصبحت أول امرأة ومديرة إدارية لمجلّة تصدر بعد الثورة، وبمساعدة الشاعر والدكتور في اللغة الفارسية وآدابها محمد رضا شفيعي كَدْكَني، صدر العدد الأول بمقالات للشاعرة سيمين بهبهاني، والكاتب غلام حسين ساعدي، والشاعر والصحافي جواد مجابي، وغيرهم من المتنورين والمثقفين آنذاك.

سيما كوبان

وكتبت سيما مقالاً في عدد المجلة هذا، بعنوان "في أول الطريق"، جاء فيه: "في هذا الاضطراب من الإيمان والكفر، وهذا الصباح الذي ظهر بعد ليل طويل في سماء بلادنا، وجد كتّاب هذا الدفتر أن من الواجب، الاهتمامَ بالثقافة والفنون". كما نشرت في العدد نفسه إعلاناً لرابطة الكتاب الإيرانيين بعنوان "القمع والظلم والاستبداد"، وبعد إصدار هذا العدد، أُغلقت مجلة "البستان" وأصبح هذا العدد هو العدد الأخير.

وعلى الفور أطلقت كوبان مجلةً جديدةً بعنوان "المصباح"، وقدّمتها في ملاحظة قصيرة في العدد الأول على النحو التالي: "مجلة المصباح، هي عبارة عن مجموعة أعمال لكتّاب وفنانين يؤمنون بوجوب الكلام والكتابة والنشر، ولو حتى في ظلمة الليل... كما أن جميعهم يؤمنون بأن النور ضروري للحياة".

تضمنت مجلة "المصباح" أبحاثاً وقصائد وقصصاً وسيناريوهات ومسرحيات ومراجعات للكتب ومقدماتها والخطط والتقارير والملاحظات والمحادثات وما إلى ذلك، حيث جمعت في هذه المجموعة أعمال شعراء وأدباء إيرانيين/ ات بارزين/ ات، من بينهم: أحمد شاملو وسعیدي سیرجاني وفریدون آدمیّت ومحمد علي سِبانلو ومهدي أخوان ثالث ومنصور أوجي وإسماعیل خویي وبَرتو نوري عَلا. وخلال سنوات نشاطها الثلاثة، من خريف 1981 إلى خريف 1984، أصدرت هذه المجلة خمسة أعداد، في 1،078 صفحةً، وعندما مُنع نشرها أُطفئ نور مصباح سيما.

الشروق من خلف قمة "دَماوَند"

بالتزامن مع نشر العدد الثاني لمجلة "المصباح"، أي في شتاء عام 1983، اقترحت سيما كوبان، إنشاء دار نشر على اثنين من زملائها وأصدقائها، هما الكاتبة برتو نوري علاء والكاتب منير رامين فر (بيضائي). استثمر كل منهم ألفي تومان (عملة إيرانية)، وبستة آلاف تومان تأسست دار نشر "دَماوَند". وبرغم أن عمر هذه الدار كان قصيراً، إلا أنها نشرت كتباً قيّمةً كثيرةً، من بينها المجموعة القصصية "مخرج طوارئ" بقلم إنياتسيو سيلونه وترجمة مهدي سحابي، و"خواطر طالبوف التبريزي" بقلم فريدون آدميت. وكان البيع السريع للطبعتين الأولى والثانية من كتاب "نقد وتحليل السلطة" الذي ترجمه كريم قصيم، وكان أنجح ما نشرت هذه الدار، إذ بيعت منه عشرة آلاف نسخة خلال فترة قصيرة.

مجلة "المصباح"

وعن العمل في دار دماوند، قالت نوري علاء: "أصبحت دار النشر ومكتبة دماوند مكاناً ممتعاً للاستراحة؛ حيث كانت مقصداً للأصدقاء والمعارف والعلماء والكتّاب ومحبي الفن ومحبي الكتب والرسم والخط والموسيقى، وبهذا تحولت الدار إلى مكان فكري... منذ البداية، واجه الكتّاب والمترجمون في دار دماوند مشكلات عديدةً، بسبب المسؤولين والرقابة في النظام الإسلامي، كما قامت السلطات بشكل منتظم باستدعاء سيما كوبان إلى وزارة الإرشاد الإسلامية بذرائع مختلفة، وسيما كانت تزورهم بلا خوف وبسهولة، وبطبيعة الحال للذهاب إلى وزارة الإرشاد، كان على النساء أن يرتدين العباءة، وكانت سيما ترتدي عباءةً سوداء فضفاضةً فيها رقعة غريبة على ظهرها، وكانت قصيرةً جداً إلى درجة أنها بالكاد تصل إلى كاحلَيها، وكان أحد جانبي العباءة قريباً من خصرها والجانب الآخر يمسح الأرض. وعند عودتها كانت تحكي لنا أحاديثها مع مراجعي وزارة الإرشاد، بروح الدعابة والضحك".

أطلقت كوبان مجلةً بعنوان "المصباح"، وقدّمتها في ملاحظة قصيرة في العدد الأول على النحو التالي: "مجلة المصباح، هي عبارة عن مجموعة أعمال لكتّاب وفنانين يؤمنون بوجوب الكلام والكتابة والنشر، ولو حتى في ظلمة الليل... كما أن جميعهم يؤمنون بأن النور ضروري للحياة"

لكن في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1985، أصبحت الطبعة الثالثة من "نقد وتحليل الجباريت"، آخر كتاب لدماوند. ومنعت وزارة الإرشاد إصداره من المطبعة، بحجة أن مترجم الكتاب، كان يتعاون مع تنظيمات المعارضة للجمهورية الإسلامية خارج إيران.

لم يقتصر الأمر على تحويل جميع مجلدات هذا الكتاب (عددها خمسة آلاف مجلد)، إلى ورق مقوّى فحسب، بل تم القبض على سيما كوبان ووضعها في السجن واستجوابها، وبعد مرور فترة زمنية، أُطلق سراحها بكفالة وبحكم "عدم النشر"، ومن اللافت أن وزارة الإرشاد الإسلامية، ذكرت أن سبب الإغلاق هو نقص الورق عند هذه الدار.

نحن فنانون/ات

ومع إغلاق دار النشر ومنع النشر، افتتحت سيما شركة تصميم السجاد والخرائط تحت عنوان "بي بي باف"، في مكتب دماوند نفسه. كما عملت أيضاً مستشارةً في منظمة التزيين التابعة لبلدية طهران لمدة ستة أشهر.

وفي أوائل التسعينيات، قامت بجمع مجلدات عدة من "كتاب طهران"، تضمنت مقالات وأبحاثاً وصوراً وذكريات للفنانين والكتّاب الذين اهتموا بطهران. وفي عام 1994، وقّعت على بيان "134 كاتباً" أو "نحن كتّاب" لاتحاد الكتّاب، وهو البيان الذي احتج فيه الكتّاب على الرقابة الواسعة في إيران وقالوا فيه: "من حقنا الطبيعي والاجتماعي والمدني أن تصل كتاباتنا، بما في ذلك الشعر أو القصة المسرحية أو السيناريو أو البحث أو النقد وترجمة أعمال الكتاب الآخرين في العالم، إلى الجمهور بحرية ودون أي عوائق وحذف".

وفي النهاية، أجبرت الصعوبات الثقافية والاجتماعية سيما، على الهجرة مثل العديد من زملائها. إذ في عام 1995، غادرت إيران إلى الأبد، متوجهةً إلى مدينة ستراسبورغ في فرنسا.

قامت سيما بالتدريس والبحث في فرنسا. وأقامت معارض عدة للوحاتها ورسوماتها التي عكست في معظمها الصراعات الطبقية. وتعاونت مع مجلة "طاووس" الفنية.

وفي نهاية التسعينيات، بلغت الستين من عمرها، وأصيبت بشلل بسبب سكتة دماغية. وكتب الكاتب ناصر زراعتي، في مذكرة، أن هذه الحادثة أثّرت على نطق سيما وكتابتها، لكنها مستمرة في أعمالها المتخصصة، أي الرسم.

وتوفيت سيما كوبان في حزيران/يونيو 2012، عن عمر ناهز الـ73 عاماً، متأثرةً بمرض السرطان، لكنها لم تُحذف أبداً من صفحة الثقافة الإيرانية. وعلى حد تعبير نيلوفر بيضايي، ابنة منير رامين فر: "هل يمكن لامرأة مثلها، كان الفن والهندسة المعمارية للمباني والأماكن القديمة والتاريخ والثقافة الإيرانية همّها الدائم، أن تقبل الإقصاء عن العمل الثقافي، دون أي رد فعل؟".


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard