شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
فلسطين والمحاور وتحرير

فلسطين والمحاور وتحرير "التحرر الوطني" من الاستبداد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن وحرية التعبير نحن والتاريخ

الثلاثاء 14 نوفمبر 202305:01 م

نرى في الأسابيع الأخيرة كابوس التطهير العرقي المفروض على فلسطينيي غزة، من التدمير الممنهج للقرى، والدعوات العامة لتهجير السكان، وقصف المستشفيات، وقتل آلاف الفلسطينيين المقيمين في القطاع، حيث نِصف الضحايا تقريباً من الأطفال. في هذا السياق المدمّر، تقود إسرائيل حملةً عسكريةً إرهابيةً علنيةً، تعاقب من خلالها كل شعب غزة، ولا تستثني أحداً من الموت.

في ظلّ هذه الحرب الوحشية، والتي تمثّل استكمالاً لحروب إسرائيل "الوجودية" في الماضي، نرى أيضاً ظهور "فلسطين" على الملعب الإقليمي، وتصعيداً على الحدود اللبنانية-الفلسطينية، وتهديداتٍ إسرائيليةً وإيرانيةً متكررةً، وبيانات "مملةً" من السعودية والأردن ومصر حول احتمالات "السلام". فلسطين أصبحت جزءاً من مشهد المنطقة، وتالياً جزءاً من منظور عالمي ينتقد "الغرب"، وتدخله الإجرامي والساقط إلى جانب إسرائيل.

رمزية فلسطين، ضمن هذا المنظور الجيو-سياسي، تجد نفسها بين محاور إقليمية وعالمية، في عيون محبّي الرئيس السوري بشار الأسد، والروسي فلاديمير بوتين، وأمين عام حزب الله حسن نصر الله. هنا تحديداً، تتحول هذه الرمزية إلى ورقةٍ أخلاقية في يد الوحوش الذين انتهزوا كل فرصة لاستخدام هذه الورقة لتبرير التخوين والإستبداد وحالة الطوارئ الدائمة، فترفع شعارات للتحرر الوطني دون خطة سياسية جدية نحو تحقيق المكتسبات.

برغم طغيان هذه التعقيدات على الساحة الإقليمية والدولية، لا يملك الفلسطيني ترف اختيار الحلفاء والأصدقاء في هذه اللحظة، ولكن يبقى البحث عن مستقبلٍ للقضية من خارج هذه الاصطفافات ضرورةً

برغم طغيان هذه التعقيدات على الساحة الإقليمية والدولية، لا يملك الفلسطيني ترف اختيار الحلفاء والأصدقاء في هذه اللحظة، ولكن يبقى البحث عن مستقبلٍ للقضية من خارج هذه الاصطفافات ضرورةً في ظلّ موازين القوى المفروضة، ويتطلب هذا البحث بالحد الأدنى إرادةً نحو "تحرير التحرر" من حراسه، أي الأنظمة التي تصرّ على حصر القضية الفلسطينية في ملعبها المدمّر للشعوب وطموحاتها.

بين التباين ووحدة الموقف

في ظلّ هذا المشهد المحلي والإقليمي والدولي، تجسّد الواقع القديم، حيث نجدُ أنظمةً عربيةً تريد حماية بيتها الداخلي من تداعيات الصراع، وتبيّن ذلك في مواقف مصر والأردن. فتمسك الأولى بخيارات إستراتيجية تتمحور حول تعاملها الاقتصادي مع إسرائيل، الذي تطور في السنوات الأخيرة، خاصةً في سياق تدهور الواقع الاقتصادي في مصر وتعقيدات الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. كما نرى ابتعاد المملكة السعودية عن المشهد، واكتفاءها ببيانات الاستنكار، وتشديدها على الانطلاق من حلّ الدولتين نحو أي مبادرة سلام محتملة في المستقبل القريب. من جهة، يمثل هذا الموقف رداً على دور إيران ومحورها في الملعب الفلسطيني، ومن جهةٍ أخرى، من منظور النظام السعودي، قد تقف الإبادة في غزة في طريق مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ولذلك تترك هذه الدول الفلسطينيين لقدرهم في الوقت الذي تحاول إسرائيل تمرير نكبة جديدة.

أما الموقف الغربي الرسمي، فعبّر عن جسدٍ واحدٍ، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا، في دعم العدوان الإسرائيلي وتجهيز الظروف الدولية والشرعية للإبادة. وبرغم التباينات السطحية والأخلاقية بين القوى اليمينية والليبرالية الرسمية، نرى سياسةً خارجيةً واحدةً، قائمةً على الانحياز التام إلى إسرائيل.

وأما على مستوى الناشطين في الغرب، فالمشهد اليساري كان منقسماً بين مشهديْن: مشهد يتماهى تماماً مع محور الممانعة وروسيا، في شراكةٍ مع يمين استبدادي وعنصري ترتكز مواجهته مع "الغرب" على منطلقات فاشية وحضارية وهوياتية؛ وهي شراكة تستغل المظلومية الفلسطينية لتبرير مظلومية سورية وأوكرانية. وفي هذا السياق، استطاع الناشط الأمريكي اليميني المتطرف جاكسون هينكل، ربط دعمه المطلق للرئيس السوري بشار الأسد، برفضه للصهيونية، وينطلق هذا الرفض من فرضيات أساسها الانحياز إلى منظومة أخلاقية سلطوية. أما المشهد الثاني، ففيه اليسار "الليبرالي"، الذي نرى بعض رموزه في الحزب الديمقراطي الأمريكي، يجلس على الهامش يتضامن مع الفلسطينيين كضحايا لا قدرة لهم على المقاومة، وهو تضامن يسوده التناقض بحكم طغيان تحليل سطحي وغير سياسي وإنساني للقضية.

التحرر الوطني شعارٌ لملعبٍ جيو-سياسي؟

أمام المشهد الذي وصفناه أعلاه، ما هي خيارات حركات التحرر اليوم؟ بالحديث عن أحد محاور الاستبداد في الملعب العالمي، الذي يبدأ من نظام الملالي في طهران مروراً بسوريا الأسد ووصولاً إلى ميليشيات إيران في العراق ولبنان، ليس جديداً أو مستبعداً لجوء المقاومة الفلسطينية إليه في ظل موازين القوى الحالية وتخاذل الأنظمة العربية، خاصةً بعد الاتفاقات الإبراهيمية. تقاطعت المقاومة الفلسطينية مع ما هبّ ودبّ من أنظمة مرّ عليها الزمن، منها ما سقط ومنها ما لا يزال مستمراً، بوجوهٍ لا تختلف كثيراً عن إسرائيل وداعميها في استعمالهم للعنف كأداة سياسية، ولكن نشدّد على أنّ الفلسطيني، في سياق هذه التعقيدات، بقي ثابتاً حول السردية المحلية الخاصة للقضية، برغم تحولات المقاومة العقائدية التي حصلت بين الماضي والحاضر.

 الفلسطيني، في سياق هذه التعقيدات، بقي ثابتاً حول السردية المحلية الخاصة للقضية، برغم تحولات المقاومة العقائدية التي حصلت بين الماضي والحاضر

أما اللاعب الأكبر في معسكر المقاومة، أي الجمهورية الإسلامية في إيران، وأصدقاءها في الحلقة القومية واليسارية الحزبية والأكاديمية والإعلامية، فانتهزوا شعارات التحرر الوطني بهدف الترويح لتركيبة مجتمعية على مستوى الاقتصاد والممارسة السياسية، وهي تركيبة انتفضت ضدها شعوب المنطقة ما بين إيران وسوريا ولبنان. والمعضلة التي نرى أنفسنا فيها كتيارات ديمقراطية ويسارية، هي أنّ الشعوب، أي الفئات الشعبية والتيارات السياسية التي تبادر من أجل التحول الاجتماعي المحلي، أصبحت على هامش الاستقطاب السياسي العام، خاصةً في دعمها الضروري والمشروع للّاعب الأصغر في هذا المعسكر، مع إصرارها على الخصومة تجاه الأكبر. فنسأل السؤال التالي: من قال بأنه لا يمكننا أن نكون داعمين لحركات تحرر كانت جزءاً من سياق تاريخي لا تقتصر على شكلها الحالي؟ فقد افترض البعض أن حركات التحرر هي حصراً مكوّن مسلّح تنتجه الأنظمة الداعمة.

التقاطع والخصومة في آنٍ معاً، لم لا؟ هنا يأتي المنظّرون الأخلاقويون ليقولوا: "من أنتم للتنظير على مقاومة تواجه الإبادة اليوم؟". ولكن، على أرض الواقع، الإصرار على قراءة التوظيف السياسي وراء حركات التحرر الوطني، يبقى مهمة حركات التحرير نفسها، لحماية المقاومة من التبعية، وتحديداً التبعية المستبدة والوحشية. حركات التحرر الوطني هي جزء من التاريخ والحاضر، وتحديداً شروط الحاضر بكل عقباتها وتناقضاتها. الاعتراف بالتناقض لا يعني نقض شرعية تلك الحركات، ولكن نقض من يريد حصرها في منظومة إقليمية تحدد إيقاع اللعبة السياسية بشكل مطلق، وبحسب مصالحها التفاوضية المباشرة.

ديمقراطية سوريا وحرية فلسطين

عندما نبحثُ عن بديلٍ للأسد وإيران وصدام حسين في فلسطين، نستطيع أن ننظر إلى فلسطين نفسها، وإلى أقوال سكان من غزة رفضوا الأسد وحلفاءه، متضامنين مع الشعب السوري الذي ينتفض على نظامه في السويداء، ويواجه مجازره في إدلب. يمكننا أيضاً أن ننظر إلى ضحايا الأسد بين سوريا ولبنان، ومنهم سمير قصير، ذلك المثقف اللبناني من أصول سورية-فلسطينية الذي فتح حواراً مع اللبناني الانعزالي من جهة ورفض عنصريته من جهةٍ أخرى.

في زمنٍ كهذا، أصبح من الصعب الفصل بين فلسطين والمحاور الإقليمية والعالمية. ولكن في الماضي، وبرغم التحديات، فرض الشعب الفلسطيني (وهنا لا نقصد فقط منظمة التحرير)، إيقاعه المحلي والخاص عندما أعلن الانتفاضة الأولى سنة 1987. وكانت تلك الانتفاضة مفاجأةً لإسرائيل والأنظمة المجاورة في آنٍ معاً، كونها مثّلت قدرة الشعوب على استعادة المبادرة وخلق حالة شعبية اعتراضية استطاعت أن تحقق عدداً من المكتسبات.

إن تغيير موازين القوى يستوجب الرفض المستمرّ لأنظمة الاستبداد واعتباراتها، والمراجعة السياسية الجدية لخيارات أوسلو وديناصوراته، على أن يجدد الشعب الفلسطيني صراعه العنيد بعد النكبة التالية، ويسترجع المبادرة

في تلك الحقبة، كان حافظ الأسد يخشى الاستقلالية الفلسطينية، سواء على مستوى الانتفاضة، أو في ما يتعلق برغبة عرفات في التفاوض منفرداً في أوسلو، دون موافقة النظام السوري على مسار المفاوضات. عبّر سمير قصير عن رؤيةٍ للقضية تمحورت حول تلك الاستقلالية، حيث تشبّث الشعب الفلسطيني بحقه في تقرير مصيره وتحديد خياراته ومصالحه المباشرة. في حالةٍ تشبه حالة لبنان، وصل قصير وعدد من أصدقائه الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين إلى خلاصة واضحة: لا مسار تحرر وطني مستداماً لفلسطين بوجود رموز الاستبداد.

ولكن جاء هذا التوجه في سياق طغيان مناخ فلسطيني وإقليمي يتجه نحو اتفاقية ارتكزت على "الحكم الذاتي"، وخطاب يشدد على أهمية تشكيل "دولة فلسطينية" برغم حجمها وركائزها، والنتيجة واحدة: جهاز أمني فلسطيني منقسم وسلطوي وقمعي وعاجز في سياق الإبادة التي تحصل اليوم. وعليه، فإن تغيير موازين القوى يستوجب الرفض المستمرّ لأنظمة الاستبداد واعتباراتها، والمراجعة السياسية الجدية لخيارات أوسلو وديناصوراته، على أن يجدد الشعب الفلسطيني صراعه العنيد بعد النكبة التالية، وأن يسترجع المبادرة، كما يفعل دائماً، نحو استرجاع فلسطين التاريخية تحت سلطة ديمقراطية، تبدأ بإزالة صهيونية الدولة.

لذا شهدنا في السنوات الأخيرة عدداً من الناشطين والصحافيين والمنظمين الفلسطينيين، ما بين الداخل والضفة وغزة والاغتراب، يصرّون على إنتاج حركة شعبية قد تتعلم من تجارب الماضي لانطلاقة من أسس ترتكز على تحرير التحرر من عنف الأنظمة السلطوية.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard