شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
العشائر التي كسرت

العشائر التي كسرت "احتكار" الإخوان للقضية الفلسطينية... عن معجزة التوازن في الأردن

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

يتشارك الأردن ومصر اليوم ثلاثة مخاوف أساسية، نتج عنها رفع مستويات التنسيق بين الدولتين وتوحيد الخطاب إلى حد كبير.

التخوف الأول هو أن يتعرض أي من البلدين لموجات تهجير سواء من غزة أو من الضفة، فعلى الرغم من أن الأخبار اليوم تركز على تهجير أهل غزة باتجاه سيناء، إلا أن هناك مخاوف صريحة خرجت من حديث الصالونات السياسي في الأردن، من أن ثمن عدم تحييد الضفة الغربية في الصراع الحالي هو أن المرحلة الثانية ستكون التهجير باتجاه شرق النهر.

التخوف الثاني هو عودة شعبية الإخوان المسلمين في الشارع، كارتداد طبيعي لتأييد الحواضن الشعبية لحركة المقاومة الإسلامية.

وثالثاً تحمل الأضرار السياسية التي قد تترتب على تخفيض التمثيل الدبلوماسي أو تجميد معاهدات السلام التي تربط البلدين بإسرائيل، وتحديداً الملاحق الاقتصادية للاتفاقيات، والمتعلقة بحصص المياه وحقوق التنقيب، وترسيم الحدود.

عودة الإخوان

لا يعيش الأردن الذي يدير خلافاته السياسية بهدوء أقرب إلى الوشوشات كثيراً من اللحظات التي تشكل فيها الآراء المتضادة حالة إجماع. الحرب على غزة صنعت هذه اللحظة، فبدا الموقف الرسمي أقرب إلى الشعبي من أي وقت مضى، تحديداً في ليلة قصف المستشفى المعمداني. ليشكل هذا "الاطمئنان المؤقت" للجبهة الداخلية معادلاً موضوعياً للتخوفات القادمة من غرب النهر. 

يتشارك الأردن مع مصر ثلاثة مخاوف رئيسية: التهجير، صعود الإخوان كامتداد لتأييد حماس والمقاومة، والتبعات الاقتصادية والسياسية لتجميد معاهدات السلام التي تربط البلدين مع إسرائيل

يعتمد حضور الأردن الدولي على مهاراته الدبلوماسية المتوارثة ونبرته الهادئة، لا على قوته العسكرية أو الاقتصادية. إعلان الحداد وتنكيس الأعلام لثلاثة أيام خلال ساعة من مجزرة المستشفى، وإلغاء القمة الرباعية، والخروج من الهدوء المعروف إلى نبرة الغضب الرسمية التي قلّما تُسمع في هذا البلد، كل هذا لم يساعد في تقليل حالة الغضب الشعبية التي خرجت إلى الشوارع. 

الاتفاق على "الغضب" جاء من أطراف لا تتفق في الهدف السياسي، وإنما في رد الفعل الإنساني، والمقصود بالأطراف: الدولة العميقة من جهة، وحركة الإخوان المسلمين من جهة، وبالتالي فقد لا يكون لهذا التوافق أية قيمة سياسية مستقبلية.

لكن ما له قيمة سياسية هو الخطوات الاستباقية التي سيتخذها الأردن للسيطرة على مخاوفه الديموغرافية والسياسية، والتي لا تقتصر على التهجير من الضفة باتجاهه، بل كذلك على وصايته على المسجد الأقصى، وعلى صعود شعبية الإخوان المسلمين في الشارع وكل ما يعنيه هذا الأمر من "نكد" سياسي، تحديداً تحت قبة البرلمان.

من يحرك الشارع؟

يقول عضو مجلس الأعيان الأردني جميل النمري لرصيف22: "هناك دائماً خوف قائم من استرجاع الحركة الإسلامية لسطوتها، كقوة لها حضورها في المجتمع وتتكئ على التدين العام، إذا أضفنا هذا الأمر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأثره على بلد نصف سكانه من أصول فلسطينية، سندرك مخاطر توسع هذه الحركة، لذا فكل توتر وتصعيد في هذا الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سواء في غزة أو الضفة يكون حصاده في الشارع الأردني للإخوان".  

التخوفات من استعادة الحركة الإسلامية في الأردن لشعبيتها مرتبطة بتأييد الشارع للمقاومة في غزة، في بلد أكثر من نصف سكانه من أصول فلسطينية. 

يظهر الصعود في شعبية الإخوان المسلمين واضحاً لمن يتابع الشعارات التي رفعت في الشارع الأردني والهتافات التي يرددها الآلاف في المظاهرات التي حدثت خلال الأسبوع المنصرم، والتي تغلب فيها اللغة الدينية والمفردات "الإخوانية" تحديداً على اللغة الوطنية، فنسمع "الأقصى" أكثر من "فلسطين"، و"الشهادة" أكثر من "الحرب"، و"الجهاد" أكثر من "النضال، و"اليهود" أكثر من "إسرائيل". لكن الهتاف الذي يشي أكثر من غيره بالحالة، والذي تم ترديده في كل المظاهرات هو: "قالوا حماس إرهابية كل الأردن حمساوية".

القوة السحرية للعشائر

لكن، ولحسن حظ الدولة العميقة هنالك طرف ثالث في المعادلة، وهو قادر على الحد من سيطرة الإخوان المسلمين.

يقابل الحضور الإخواني لجبهة العمل الإسلامي في الشارع ويزيد عنه في المحافل السياسية الحضور العشائري الشرق أردني، الذي لا يمكن التشكيك بانتمائه إلى القضية الفلسطينية. فمنذ بدء عملية "طوفان الأقصى" صدّرت معظم العشائر الأردنية فرادى ومجتمعة بيانات تأييد للـ"مقاومة" من جهة، وتأكيد على ثوابتها، من رفض تصفية القضية الفلسطينية، ونصرة الشعب الفلسطيني، والعداء لإسرائيل.  

غلبت المفرات الدينية على لغة المظاهرات في الأردن، فسمعنا "الأقصى" أكثر من "فلسطين"، و"الشهادة" أكثر من "الحرب"، و"الجهاد" أكثر من "النضال، و"اليهود" أكثر من "إسرائيل". لكن الهتاف الذي تردد في كل المظاهرات هو: "قالوا حماس إرهابية كل الأردن حمساوية"

الولاء العشائري للقضية الفلسطينية مهم في هذا السياق، لأنه يشكل امتداداً لصوت الدولة العميقة في الأردن لكن بنبرة غير رسمية، ولأنه يلغي النظرية القديمة القائلة بأن الإخوان يمثلون المكوّن من أصل فلسطيني والعشائر تمثل الجيش، لكن الأهم من كل ما سبق أن الصوت العشائري -الذي لا يقل حدة في مطالبه الوطنية- يمنع "احتكار" الإخوان المسلمين إن صح التعبير لفكرة المقاومة بمفهمومها الواسع.

يقول النمري إن من يظن أن المكون الفلسطيني هو فقط من يعكس الغضب من الأردن مخطئ تماماً، مشيراً إلى موقف العشائر السابق بالقول "موقف العشائر والشرق أردنيين لا يقل عداءً لإسرائيل في وجدانهم إن لم يكن أكثر قوة، كانت هناك دائماً محاولات للتفرقة وتصوير الفلسطيني أنه عدو الأردني، لكن هذه المرحلة انتهت، وعادت الرؤية الواضحة بأن العداء الحقيقي هو باتجاه إسرائيل".

ينتقد كثير من السياسيين في الأردن وتحديداً من أتباع الحركة الوطنية اتخاذ جبهة العمل الإسلامي شعارات فلسطينية لا أردنية في برامجها السياسية، وبرغم أن القضية الفلسطينية حاضرة في برامج كل الأحزاب الأردنية، لكن تغليب الشأن الفلسطيني على الأردني يظل مأخذاً واضحاً على الإسلاميين.

يقول النائب السابق ومفوض الحزب المدني الديمقراطي عدنان السواعير: "الموضوع الرئيسي لإخوان الأردن هو القضية الفلسطينية، وكل الأحزاب الأخرى لديها صعوبة في إيجاد قواعد مثلهم لأن عليها أن تبدأ من الصفر، بينما الإخوان وراءهم قصة وتاريخ طويل، وهذا يسبب أرقاً عند الدولة العميقة التي تشعر بالندم أحياناً لأنها كانت السبب في تقوية الإخوان في السابق، بالإضافة طبعاً لأثر السياسات الغربية المجحفة بحق الفلسطينيين على تقويتهم في كل المنطقة".

الوطن أم الوطن البديل؟

يستبعد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني عدي إميل سيناريو التهجير من الضفة إلى الأردن، يقول لرصيف22: "الترويج للرواية الصهيونية المتمثلة بأن الشعب الفلسطيني جاهز للرحيل والهروب هو أمر خطير جداً، وحرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة بشكل سريع هي نفسها في الضفة لكن بشكل بطيء عبر عمليات القتل اليومي، فعدد الشهداء في الضفة في 2023 يتجاوز 300 شهيد، وأكثر من 10 آلاف مصاب، ناهيك عن الاعتقال وسياسة هدم البيوت اليومية". يضيف: "برغم المجازر الشنيعة التي تقوم بها إسرائيل، والتي قامت بها في السابق في كل الحروب مع قطاع غزة، لم نر أفواجاً من الشعب الفلسطيني تهرب للحدود".

أما الكاتب والمحلل سليمان قبيلات، فيقول إن الأردنيين على استعداد لتحمل التبعات التي ستترتب على تصعيد الدولة لرفضها لما يحدث في غزة، وإبطال معاهدة السلام.

هذا الموقف شهده الأردن سابقاً حين رفض الملك حسين الراحل الانضمام إلى الحرب على العراق، وأدى هذا القرار إلى أزمة وقود كبيرة، وصلت إلى حد تقسيم أيام محطات البنزين بحسب أرقام السيارات "يوم للأرقام الزوجية ويوم للأرقام الفردية"، ولم يعترض الأردنيون في حينه لأنهم أيدوا الموقف الرسمي. 

الولاء العشائري للقضية الفلسطينية يشكل امتداداً لصوت الدولة العميقة لكن بنبرة غير رسمية، ويلغي النظرية القائلة بأن الإخوان يمثلون المكوّن الفلسطيني والعشائر تمثل الجيش، والأهم أن صوت العشيرة الذي لا يقل حدة في مطالبه الوطنية يمنع "احتكار" الإخوان لفكرةالمقاومة بمفهمومها الواسع

يقول قبيلات لرصيف22: "لقد عبّر وزير الخارجية أيمن الصفدي عن موقف قوي حين قال برفض قاطع لتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه إلى أي بلد مجاور، لأن في ذلك تصفية للقضية الفلسطينية، على حساب الأردن ومصر، خصوصاً".

بينما يقول النمري: "بالطبع هناك نية لمشروع تهجير، لكن أعتقد أن السياسات الاستباقية المشتركة التي يتخذها كل من الأردن ومصر ناجحة إلى الآن، فالأردن واجه دائماً فزاعة الوطن البديل، وهذا الأمر شكل مناعة لدى المستويين الشعبي والرسمي تجاه هذا المشروع".

يقول السواعير: "يجب أن نكون شاكرين لأمرين، أولاً أن جميع الأردنيين في المدن والقرى والبادية والمخيمات قد يختلفون على فيصلي وحدات لكنهم يتفقون أن جميعهم إلى جانب القضية الفلسطينية، الأمر الثاني سواءً اتفقنا أو اختلفنا مع الدولة العميقة، لكن لغاية هذا اليوم مطلب حل الدولتين والعودة إلى حدود الرابع من حزيران لم يزل ثابتاً في الأردن، وأعتقد أن التمسك بهذا المبدأ هو التوازن المطلوب من الأردن اليوم".

بين مشروع التهجير الذي يعني بالضرورة هروب الفلسطينيين من الموت وتصفية القضية الفلسطينية، وبين الواجب الأخلاقي للأردن تجاه المقدسات التي تقع تحت الوصاية الهاشمية، وتجاه الضفة الغربية التي كانت تابعة لحكمه حتى العام 1967، تواجه الدبلوماسية الأردنية أكبر امتحاناتها وأصعبها، فهل ستتمكن من صنع معجزة جديدة تضاف لتاريخها الطويل في النجاح بالوقوف على قدم واحدة؟  

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard