شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
تاريخ قريب نراه بعيداً... سيرة التدوين والصحافة بعينَي الجالس في

تاريخ قريب نراه بعيداً... سيرة التدوين والصحافة بعينَي الجالس في "آخر الحارة"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع نحن والتاريخ

الثلاثاء 26 سبتمبر 202301:14 م

حتى العام 2008، كانت المدونات الإلكترونية تشكل هامشاً رحباً لشريحة من الكتاب المصريين، بعضهم لم يزاول مهنة الصحافة بطابعها الروتيني. كانت هذه المدونات نافذة حرة تستوعب أفكارهم وآراءهم الجامحة، وسمحت لهم بالاشتباك مع القضايا العامة. وفي أحيان أخرى كانت محركاً لأجندة الإعلام الجماهيري بتفجيرها قضايا لا تشتبك معها صحف القاهرة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. 

لكن مع ظهور فيسبوك وانتشاره في مصر ببطء منذ العام 2008، وتوجه تلك الشريحة من الشباب المهتم بما تتيحه تكنولوجيا الاتصال وقتها إليه، بدأ نور المدونات يخبو تدريجياً حتى انطفأت هذه المساحة الإبداعية الجدلية، بالتزامن مع الانتشار الملحوظ لمواقع التواصل الاجتماعي في مصر، تزامن هذا أيضاً مع انتباه مؤسسات صحافية "أبرزها الدستور في إصداره الثاني" لتميز كتابات هؤلاء واشتباكهم مع الشارع بحيوية غابت عن أجيال اكبر من الصحافيين فبدأت الصحف في استيعابهم في وقت زادت خلاله حالة السيولة السياسية في مصر قبل الانفجار الأكبر في 25 يناير/كانون الثاني 2011.

كتاب "العودة إلى آخر الحارة" الذي يعود فيه الصحافي المصري عبد الرحمن مصطفى إلى مدونته التي كتب فيها منذ 2006، ويراجعها بنظرة جديدة؛ يمثل هو وكاتبه سيرة جيل من الصحافيين المصريين الذي أخذوا صحافة التحقيقات إلى آفاق جديدة قبل أن تجبرهم "الاعتبارات الوطنية" على الصمت والانسحاب

قليلون هم من صمدت مدوناتهم أمام المتغيرات التي طرأت على عالم التدوين، وظلوا محافظين على نشاطهم، بتدوينات توثق يومياتهم الإنسانية، وتشتبك مع الأحداث العامة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو فنية، وباتت هي أرشيفهم الذي يحفظ ذاكرتهم، منهم الصحافي المصري عبدالرحمن مصطفى، صاحب مدونة "آخر الحارة" وناشره الصحافي الذي ابتعد عن الصحافة عمرو عزت صاحب مدونة "ما بدا لي" الذي استمر في التدوين حتى وقت متأخر من العام 2013، أما عبد الرحمن مصطفى، فظل حتى العام 2021 معتزاً بالتدوين الذي بدأه في العام 2006، من خلال مدونتين أبقى منهما على تلك التي خصصها لكتاباته الصحفية بعنوان "أيام الصحافة".

ينتسب عبدالرحمن مصطفى إلى جيل الصحافيين المستقلين في مصر، وهو جيل انحسرت كتاباته وتفاعلاته خلال السنوات الفائتة مع تراجع هامش الحريات الصحفية. تخصص في كتابة التحقيقات الاجتماعية والسياسية بالصحف والمواقع التي عمل بها، وأهلته دراسته للتاريخ في كلية الآداب بجامعة عين شمس إلى جانب هواياته الشخصية التي يطلق عليها "التسكُّع" والملاحظة للرصد والتحقق والتوثيق، وأضحت تلك أدواته التي رسمت طريق فرادته في عالم التحقيقات الاجتماعية الثرية في الصحافة. 

طوال السنوات الـ17 الماضية، كانت مدونة "آخر الحارة" رفيقاً دائماً لمصطفى، وأحد أسلحته الناعمة، وإن خفت بريقها، فمنذ عامه الخامس والعشرين وحتى بلوغه الأربعين، انتظم في كتابة تدوينات سنوية في ذكرى ميلاده يلخص فيها ما جرى له على مدار العام من أحداث فارقة ومؤثرة، وكذا تطلعاته للعام الجديد، هذه التدوينات كانت هي أساس كتابه الأول "العودة إلى آخر الحارة"، الصادر عن دار "وزيز". 

ويستمد مصطفى اسم كتابه من عنوان مدونته، واستدعى فيه ما كتبه على مدار 15 عاماً في أعياد ميلاده، تحت شعار" كيف تتذكر أعياد ميلادك بعد الأربعين".

يشير صاحب "العودة إلى آخر الحارة" إلى أن التدوين كان المتنفس الوحيد لشريحة من الكتاب يجيدون الكتابة والتعليق على الأحداث وتوثيق مراحل مهمة مما تمر به مصر، وظهور أنماط فنية بديلة عرفت بفرق الأندرغراوند

يندرج هذا الكتاب تحت فئة السيرة الذاتية، حيث يعد شهادة على تحولات عاشها مواليد الثمانينيات والتسعينيات من جيله، يقدم فيها الكاتب دارس التاريخ على يد أستاذه المؤرخ المصري الراحل رؤوف عباس؛ تأريخاً شخصيا للتدوين والصحافة وتحولات الحياة الاجتماعية والسياسية من 2005 إلى الآن.

في حديثه مع رصيف22؛ يعود عبد الرحمن مصطفى إلى بدايات انضمامه إلى عالم التدوين، موضحاً أن جزءاً أساسياً من "آخر الحارة" كان التعليق وتسجيل موقفه الشخصي من أحداث عاشها على المستويين الشخصي والعام، "ليس فقط سياسياً، بل امتد الأمر إلى حركة الموسيقى في الوطن العربي، وكذلك الإعلام وما يبثه من مواد منشورة أو تلفزيونية".

يشير صاحب "العودة إلى آخر الحارة" إلى أن التدوين كان المتنفس الوحيد لشريحة من الكتاب يجيدون الكتابة والتعليق على الأحداث وتوثيق مراحل مهمة مما تمر به مصر، مثل صعود نجم حركات الاحتجاج السلمي مثل "6 إبريل" وحركة كفاية التي تبنت وقف مشروع توريث السلطة من مبارك الأب إلى الابن، وما صاحب ذلك من احتجاجات ميدانية، وظهور أنماط فنية بديلة عرفت بفرق الأندرغراوند.

سمح الإنترنت لهذا الجيل أن يتكلم ويصنع هامشاً له لإبداء رأيه في السياسة والمزيكا، وبحسب مصطفى فهذا الجيل تميز بأنه مجموعات متنوعة سياسياً قادرة على الالتقاء رغم اختلافاتها البينة، فضلاً عن مجموعات أخرى كانت امتداداً للمنتديات التي سبقت فكرة المدونات بشكلها الذي ساد في تلك الفترة.

يعتمد الكاتب في سرده على العودة إلى الكتابات التي نشرها في مدونته “آخر الحارة” على مدار أكثر من 15 عاماً، حيث يعود ليقتبس من تدويناته السنوية ويعلق عليها ويجري حواراً بين المدون العشريني ثم الثلاثيني وبين الأربعيني بنظرته الجديدة للحياة

بحكم مهنته التي لا يزال يعمل فيها مديراً لتحرير مواقع صحفي تابع لواحدة من الشبكات الإخبارية العربية العاملة في القاهرة؛ يؤكد عبد الرحمن مصطفى على العلاقة الوثيقة بين التدوين وبداياته و"صحافة المواطن" التي ولدت وتطورت عبره. إذ كان ظهور المدونات في 2004 على أيدي جنود غربيين مشاركين في احتلال العراق هو بداية الكشف عما تعمى عنه وسائل الإعلام التقليدية، وصاحبت بداية التدوين كذلك انتشار ثقافة الفيديو وصحافة المواطن بديلاً عن الصحافة التقليدية لنشر الحقائق المسكوت عنها إعلاميا، حيث كان ملف التعذيب داخل أقسام الشرطة مادة خصبة على طاولة النشطاء والمدونين في ذلك التوقيت.

"تتضخم جحافل المدونين على الإنترنت، الجميع يشتبك مع ما حوله بشكل مستتر خلف جهاز كمبيوتر، وأنا مثلهم، أصور ما يعجبني وما لا يعجبني في الشارع، أعلق على كتابات الآخرين وأنتقدها في مساحتي الخاصة، لست معارضاً خالصاً، ولا معتزلًا كاملاً، ولا مناصراً للحكم، أرى العالم من مكاني في آخر الحارة"

  • من كتاب "العودة إلى آخر الحارة"

الوايلي الكبير - تصوير عبد الرحمن مصطفى

 تدوينة عيد الميلاد

يعتمد الكاتب في سرده على العودة إلى الكتابات التي نشرها في مدونته “آخر الحارة” على مدار أكثر من 15 عاماً، حيث يعود ليقتبس من تدويناته السنوية ويعلق عليها ويجري حواراً بين المدون العشريني ثم الثلاثيني وبين الأربعيني بنظرته الجديدة للحياة.

"في العام رقم 31، أعلن أني منهك إلى حد كبير، فاقد للرغبة في المغامرة، عدت إلى حالة ما قبل الخامسة والعشرين، حين كنت أعلم إني أكبر من هذه السن، سأبحث عما قريب عن روتين جديد… لأن الوقت يمر"

  • من "العودة إلى آخر الحارة"

يبين مصطفى أن تلك التدوينات التي كان يكتبها سنوياً في يوم ميلاده، هي حصاد عام كامل من الرصد ومراقبة المجتمع وتقييم تجاربه الشخصية، هذا التراكم أنتج أرشيفا وخلق فكرة الكتاب.

رغم الانسحاب التدريجي لأبناء جيله من التدوين، ظل عبدالرحمن مواظباً على النشر، ويعتبر نفسه ضمن قلة نادرة ظلت وفية للتدوين وقتاً طويلاً، إذ استخدم المدونة كموقع شخصي لنشر أعماله وإدراج التعليقات المستمرة لحفظ أرشيفه.

ثنائية الصحافي والبلوجر

تلاحظ في الكتاب الصراع الدائر بين الكاتب القادم من عالم التدوين والصحافي الذي يحترم قواعد المهنة وقوالبها التي تتقلص فيها مساحات التعليق والنقد، يبرز مصطفى الاختلاف في تعليقه لرصيف22: "الاختلاف في النشأة والتركيبة، المدون ينظر بعناية إلى الهوامش، ونظرته للهامش مختلفة عن نظرة الصحفي المهتم بشكل أساسي بمطاردة الأخبار والقصص اليومية لذا اتجهت هذه الشريحة (التدوين) للقوالب السردية القائمة على مشاهد صغيرة يلتقطها في رحلته اليومية ومواقف تعرض لها".

تزامنت مغادرة عبدالرحمن مصطفى الصحيفة اليومية التي عمل بها لأكثر من 7 سنوات، مع انكماش هامش التغطيات الاجتماعية والاشتباك مع القضايا السياسية، حيث دخلت الصحافة المصرية في حالة الصمت والإذعان لسيطرة جهات أمنية على ملكية الكثير من الصحف، ما أدى إلى مغادرة شريحة المستقلين مواقعها.

"الشريحة التي أنتمي إليها انسحبت، إما هجروا المهنة بشكل كامل وامتهنوا مهن أخرى، أو غادروا الوطن بحثا عن بداية جديدة، وآخرون لا يزالوا يمارسون أدوار أقرب للوظائف في مواقعهم للتماهي مع الوضع الحالي للمهنة التي شهدت تدهوراً كبيراً في السنوات الأخيرة"

تدريجياً، بات الصحافي الميداني الذي صنف بين أبناء جيله كواحد من أهم صحافي الرصد الحي للشارع المصري، يجد نفسه يبتعد عن قضايا الشارع وصراعات المهمشين التي شغلت حيزاً كبيراً من اهتمامه، وكان واحداً من أواخر مشروعاته الصحفية في هذا الاتجاه هو الكتابة المتعمقة عن التحولات التي طرأت على شريحة من السلفيين عقب أحداث 30 يونيو 2013، وكذا أطياف التدين في سيناء: "لم يعد الشارع مصدراً براقاً  للأفكار الصحفية اللافتة رغم استمرار محاولاتي".

عانت الصحافة المصرية منذ هذه الفترة من الحصار، إذ تعرضت الكثير من المواقع للحجب من قبل السلطات، وتم فرض رقابة ومحاذير كثيرة على ما يتم نشره في الصحف والمواقع المحلية، إلى الحد الذي جعل بعض الصحف أن تستغني عن فرق التحقيقات بها (حدث هذا في أهم صحيفتين يوميتين مستقلتين في مصر)، لدرء أي محاولات للصدام مع السلطة.

استخدمت السلطة المصرية سلاح الحجب بلا سند قانوني منذ عام 2017، وهو العام الذي شهد أعلى معدلات حجب للمواقع المصرية، إلا أن الحكومة تداركت الأمر بعدها بعام واحد، ليصبح الحجب مشروعاً ومقنناً، بعد صدور القانون 180 لسنة 2018، الذي ينظّم عمل الصحافة والمجلس الأعلى للإعلام، فمنح القانون الحق لهذا المجلس بحجب المواقع في حالة "الخطأ المهني"، لفترات مؤقتة أو دائمة، حسبما يوضح عمرو بدر، رئيس لجنة الحريات الأسبق بمجلس نقابة الصحفيين. 

"الشريحة التي أنتمي إليها انسحبت، إما هجروا المهنة بشكل كامل وامتهنوا مهن أخرى، أو غادروا الوطن بحثا عن بداية جديدة، وآخرون لا يزالوا يمارسون أدوار أقرب للوظائف في مواقعهم للتماهي مع الوضع الحالي للمهنة التي شهدت تدهوراً كبيراً في السنوات الأخيرة" يقول مصطفى عن انعكاسات خنق المجال العام في مصر وتأثيراتها على الصحفيين.

لأن كتابة السيرة الذاتية ارتبطت في تاريخنا بالأسماء الرنانة في عالم الثقافة والأدب والسياسة، يندر ظهور كتابات ضمن هذا اللون لأسماء لها تجارب حقيقية من لحم ودم؛ لذا ربما يغير "العودة إلى آخر الحارة" من النظرة لكتابات السيرة الذاتية في السنوات المقبلة

مجتمع بلا هامش

يعرج صاحب "العودة إلى آخر الحارة" إلى الحديث عن الهامش الذي ظل يطارده عبر قصصه، وتدويناته عن المشاهد العابرة، فالهامش بالنسبة له هو صوت الجمهور وليس صوت السلطة والتيار السائد، مشيراً إلى أن الهامش في مصر تقلص في السنوات الماضية، بسبب اختلاف التركيبة الاجتماعية بعد 30 يونيو وحدوث نوع من التوحد مع ما يقال عبر القنوات الرسمية بعكس حالة السخط التي كانت موجودة في 2011.

لا يخفي كذلك قلقه المستمر من تراجع المهنة والمساحات التي اكتسبها أبناء جيله خلال سنوات من المقاومة، وكذا آنين الصحفيين المستمر من ضيق الرزق، والفتور الذي أصابه هو شخصيا بسبب ابتعاده عن الميدان، بمفهومه الصحفي وليس الثوري.

"مصر منذ 2013 لم تعد تسمح بوجود هامش، واختلاف المجتمع نفسه تواطأ مع هذه الحالة وتماهى مع ما فرضته عليه السلطة من صمت، ربما للخوف من وجود سيولة تسمح بإعادة شحن الجماهير وخلق اضطراب سياسي. الاهتمامات والتفاعلات مختلفة الآن عن الوقت السابق حتى على مستوى المزيكا إذ لم يعد هامشاً بل جزءاً من التيار السائد. مطربو المهرجانات أنفسهم باتوا جزءاً من التيار السائد".  

ولأن كتابة السيرة الذاتية ارتبطت في تاريخنا بالأسماء الرنانة في عالم الثقافة والأدب والسياسة، يندر ظهور كتابات ضمن هذا اللون لأسماء لها تجارب حقيقية من لحم ودم؛ لذا ربما يغير "العودة إلى آخر الحارة" من النظرة لكتابات السيرة الذاتية في السنوات المقبلة.

يعلق مصطفى: "السيرة الذاتية في مصر دائما للعظماء وأصحاب الأثر السياسي والثقافي، تقدمت لهذه الخطوة بجرأة البلوغر المعتادين على تدوين انطباعاتهم عن حياتهم وعن المشهد السياسي، قالب المموار memoir "ذكريات اليوميات الذاتية" قالب سردي قائم على تجربة شخصية، مثلما فعلت نوارة نجم  في كتابتها عن علاقتها بأبيها ومحمد أبو الغيط في أنا قادم أيها الضوء، في هذا القالب يعبر الكاتب عن رأيه ويقديم شخصيته للجمهور بشكل عادي من دون الحاجة إلى خنقها في قالب الرواية".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard