شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
بعد رفع الحجب عن

بعد رفع الحجب عن "درب"... صحافة مصر المحجوبة تنتظر الحرية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

قبل أيام قليلة من انطلاق "الحوار الوطني" المقرر له اليوم الأربعاء 3 مايو/ أيار، رفعت السلطة الحجب عن موقع "درب"، وهو الموقع الذي اشتهر بالدفاع عن الحريات العامة، ودأب على كشف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر ونشر كل ما يتعلق بسجناء الرأي، وكان هذا في نظر السلطة كافياً ليعاني الموقع وصحفيوه من الحجب لمدة تقترب من الثلاثة أعوام.

مصدر المفارقة الرئيسي أن مؤسس "درب" هو نقيب الصحفيين الحالي خالد البلشي، الذي استمرّ رئيساً للتحرير حتى فوزه في انتخابات نقابة الصحفيين، في 17 مارس/آذار الماضي، قبل أن يتحوّل إلى مستشار للتحرير بعد صعوده إلى موقع النقيب، والمدهش أن الحجب استمرّ شهراً كاملاً عقب انتخاب مؤسِّسه – البلشي-  نقيباً للصحفيين ومدافعاً، بحكم القانون، عن الصحافة وحريتها، لتصبح هذه سابقة في تاريخ المهنة، أن تكون المؤسسة الصحفية التي يشرف عليها نقيب الصحفيين نفسه تحت وطأة الحجب.

قبل أيام قليلة من انطلاق "الحوار الوطني" ، رفعت السلطة الحجب عن موقع "درب"، وهو الموقع الذي اشتهر بالدفاع عن الحريات العامة، ودأب على كشف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر ونشر كل ما يتعلق بسجناء الرأي

خلال السنوات السبع الأخيرة، تعرّضت الصحافة لحالة من الحصار ربما لم تشهدها مصر طوال تاريخها الحديث. تلك حقيقة لا مجال للتشكيك فيها أو إنكار صدقها.

نماذج هذا الحصار الحكومي كثيرة ومتعددة، ولكن يبقى الحجب هو النموذج الأبرز له، فمئات المواقع الصحفية طالها الحجب وحاصرتها القيود من كل اتجاه، والمشترك بين كل تلك المواقع المحجوبة هو أنها إما تنتمي للصحافة المستقلة التي لا تدور في فلك السلطة ولا تخضع للحصار المفروض على الصحافة، أو أنها مواقع غير مصرية، تعمل طبقاً لقواعد وأدبيات المهنة، فيما تعتبر السلطة أنها "مواقع معادية" للبلد، أو أنها تزيّف الحقائق ولا تنشرها بحيادية.

"المنصة" و"مدى مصر" موقعان مصريان يعملان تحت وطأة الحجب منذ سنوات، ورغم أن مؤسسي الموقعين تقدموا بطلبات قانونية لتقنين أوضاعهم، إلا أن السلطة امتنعت، حتى الآن، عن الردّ ومنحهم الحق في الترخيص القانوني بالعمل، ورغم أن الموقعين حققا شهرة كبيرة، وحافظا على العمل وفق قواعد وأدبيات مهنة الصحافة؛ إلا أن هذا لم يكن كافياً للحصول على ترخيص قانوني، فالموقعان لا يتبنيان أجندة السلطة ولا يخضعان للترويج لها "ولإنجازاتها".

نجاح محاولات تحرير الصحافة من القيود مؤشّر على مدى نجاح الحوار القائم

لم يتوقف الحجب عند المواقع المصرية فقط، بل طال عدداً من المؤسسات الصحفية الدولية: "بي بي سي" و"الحرة" تعرّضا للحجب في فترات زمنية متفاوتة – الأخيرة رفع الحجب عن موقعها في نفس توقيت رفع الحجب عن موقع درب- فضلاً عن عدد من المواقع الحقوقية المصرية والدولية طالها الحظر لفترات طويلة نسبياً، فيما نالها أيضاً هجوم من السلطة واتهامات بالعمل على تزييف الحقائق ونشر الفوضى! سبقت هذه المؤسسات الدولية مواقع مصرية مستقلة، تمّ حجبها بشكل كامل حتى أغلق بعضها تماماً، مثل "المصريون" و"البداية" و"بوابة يناير" و"البديل" و"البورصة" و"مصر العربية" وغيرهم.

استخدمت السلطة سلاح الحجب بلا سند قانوني منذ عام 2017، وهو العام الذي شهد أعلى معدلات حجب للمواقع المصرية، إلا أن الحكومة تداركت الأمر بعدها بعام واحد، ليصبح الحجب مشروعاً ومقنناً، بعد صدور القانون 180 لسنة 2018، الذي ينظّم عمل الصحافة والمجلس الأعلى للإعلام، فمنح القانون الحقّ لهذا المجلس بحجب المواقع في حالة الخطأ المهني، لفترات مؤقتة أو دائمة، بعد أن اشتمل على كلمات فضفاضة و"مطاطية" وليس لها تعريف واضح في القانون ذاته، مثل "الكراهية والإباحية ومعاداة الديمقراطية والعنصرية"، وغيرها من اتهامات تضع الصحفيين تحت سيف القانون حسب مزاج "الرقيب".

كان هذا القانون إشارة لا تخطئها العين عن تشديد الحصار المفروض على الصحافة، وعن فرض المزيد من القيود التي تعاني منها مهنة أوشكت على أن تفارق الحياة.

خلال رحلة فرض الحصار على الصحافة، لا يمكن تجاهل سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام، فمن خلال "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية"، تمّ ما يشبه "التأميم" الناعم للمواقع والصحف والقنوات، بعد أن استحوذت الشركة على غالبية المؤسسات الصحفية والإعلامية، وباتت "مؤسسات المتحدة" هي "المسطرة" التي يُقاس من خلالها مدى "وطنية وحيادية" الإعلام، وأصبح غيرها معرّضاً للحصار والحجب والإغلاق.

استحوذت "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية"، على غالبية المؤسسات الصحفية والإعلامية في مصر، وباتت هي "المسطرة" التي يُقاس من خلالها مدى "وطنية وحيادية" الإعلام، وأصبح غيرها معرّضاً للحصار والحجب والإغلاق

على مدار السنوات الفائتة، عانت الصحافة من أوضاع غاية في الصعوبة، والآن بدأ الحوار الوطني الذي دعا رئيس الجمهورية لعقد جلساته، وبات هناك أمل ينتظره الصحفيون في رفع القيود المفروضة على الصحافة، وأن يكون رفع الحجب عن "درب" بداية لخلاص الصحافة المصرية من الحجب بشكل نهائي، ومن القيود التي لا تزال تحاصرها من كل اتجاه، فحسب تصريحات مجلس أمناء الحوار، لن تكون هناك خطوط حمراء ولا قضايا لا يُسمح بالنقاش فيها، وربما هذا ما شجّع نقابة الصحفيين، التي تشارك في الحوار عبر مجلسها، للتقدّم بعدد من المقترحات التي ستطرحها خلال الجلسات، على رأسها رفع الحجب عن المواقع الصحفية، وتعديل القوانين التي تفرض قيوداً على الصحافة، وإخلاء سبيل الصحفيين السجناء، ومنح الاستقلال للمؤسسات الصحفية، وتأكيد حرية العمل الصحفي والممارسة المهنية بعيداً عن الحصار.

إن نجاح محاولات تحرير الصحافة من القيود مؤشّر على مدى نجاح الحوار القائم، فرفع القيود عن المهنة وعودة المواقع المحجوبة للعمل وغيرها من صور تحرير الصحافة، سيبعث برسالة إلى المواطنين والمتابعين تؤكّد جدية الحوار وقدرته على أن يكون البداية لتحول ديمقراطي حقيقي تنتظره مصر وتستحقه، أما إذا لم تحصل الصحافة على مساحة معتبرة من الحرية مع بدء الحوار، فالمعنى المباشر سيكون أن كل هذه الجلسات والكاميرات والخطب ليست أكثر من أداء شكلي لن يصل إلى المواطن، ولن يغير وضعاً سيئاً قائماً، وهو ما سيجعل الناس تنصرف عنه، وتحكم عليه بالفشل وعدم الجدية.

حرية الصحافة هي القضية الأهم فيما يتعلق بالحوار حول "الحريات العامة" في مصر، فهي المقدّمة لأي رغبة في تغيير الأوضاع الخاصة بالحريات، والبداية لأي تقدم يمكن تحقيقه في ملفات السياسة، والأصل في أن يسمع المواطن صوته عالياً وحراً، بعيداً عن القيود.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard