شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
جسدٌ أعيش معه ولا أعيش فيه...

جسدٌ أعيش معه ولا أعيش فيه...

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والفئات المهمشة

الجمعة 29 سبتمبر 202311:29 ص

"هل تشعر أن جسدك هو أنت، أم أنك فقط تحيا في داخله؟". هل شعرت من قبل أنك لا تحيا حياتك، وأنك تتفرّج عليها من الخارج فقط، تتابع نفسك والأحداث من حولك من خلف زجاج شفاف؟ هل صادفت مرآة بالصدفة في الشارع أو لمحت صورتك منعكسة على زجاج إحدى فتارين المحلات في الشوارع لتصطدم بهيئتك وكأنك تجهل من يكون هذا؟ هل ترتبك أحياناً من سماع صوتك وتشعر كأنه لا يخصّك؟ هل شعرت من قبل أن رأسك منتفخة عن آخرها كبالون ممتلئ بالهيليوم، أو أنها وعاء كبير وهش محشو بالقطن أو الريش؟

نعم كثيرون منا مرّوا بإحساس كهذا لثوان أو دقائق أو حتى لأيام وأسابيع. هذه الأعراض تنتمي لاضطراب نفسي اسمه depersonalisation أو derealization وهو ما يعرف بانفصال الشخصية أو اضطراب تبدّد الشخصية.

حوالي 75% من البشر مروا بهذا الإحساس ولو لمرة واحدة في حياتهم، وحوالي 2% تم تشخيصهم فعلياً بهذا المرض، الذي ينتج غالباً عقب المرور بوقت عصيب أو التعرّض لتجربة صعبة، كالتعرّض لحادث عنيف أو وفاة أحد المقربين.

وقتها يقوم عقلك بحيلة لتهريبك من واقعك المؤلم في محاولة دفاعية منه للتخفيف عنك. لكن ماذا لو كان الأمر يحدث لك بصورة مستمرة؟ ماذا لو كنت تشعر طوال الوقت أنك لا تنتمي لجسدك، وأنك مجرّد وعاء تضطر للدخول فيه كي يلحظك الآخرون، وبالتالي يسمعونك ويتبادلون معك الحديث والمعاملات اليومية الأخرى؟ أنك مجرّد متفرج يتابع الأحداث التي تقع حوله أو حتى عليه من زاوية بعيدة، ترى العالم والأشخاص من حولك كأنهم غير حقيقيين؟

ماذا لو كنت تشعر طوال الوقت أنك لا تنتمي لجسدك، وأنك مجرّد وعاء تضطر للدخول فيه كي يلحظك الآخرون، وبالتالي يسمعونك ويتبادلون معك الحديث والمعاملات اليومية الأخرى؟

الجسد ذنب ثقيل والروح طاهرة وحفيفة

ذهب مفسّرو الدين والفلاسفة لتقسيم الإنسان لنفس وبدن أو لجسد وروح. يرى أفلاطون مثلاً أن النفس جوهر روحي قائم بذاته، وأنها جوهر الإنسان الحقيقي، وأن البدن ليس إلا آلة لها، وفي الموت خلاصها وتحريرها. يمجّد أفلاطون الروح ويحتقر الجسد. كذلك فإن بعض الديانات تؤمن بخبث الجسد أو نجاسته وتؤمن على العكس بطهارة الروح، وأن الحياة ما هي إلا مشوار طويل للتخلص من خبث هذا الجسد وصولاً لأقصى درجات الطهر والنقاء لتنعم الروح.

انتهى أغلب الفلاسفة إلى الثنائية الشهيرة بين النفس والبدن. فهما متمايزان، ولهما مصيران مختلفان، الأولى للخلود والثانية للفناء، وقد استمرّت هذه الثنائية عبر الفلسفات المثالية اليونانية عند سقراط وأفلاطون، والإسلامية عند ابن سينا، والغربية الوسطى والحديثة.

أذكر وأنا طفلة في عمر الأربع أو خمس سنوات، كنا نذهب مع أبي لقريته في زيارات متكررة على مدار الأسبوع، حيث يدير العيادة والصيدلية الخاصتين به. وقتها كان مسموحاً لي أن أتجول مع بنات الجيران أو حتى لحالي في شوارع القرية، فالكل يعرف أبي ويعرف أنني ابنته، وبالتالي لا مجال للخوف أو القلق.

كنت أدخل الكثير من البيوت. أتحدث مع الأقرباء والغرباء دون تمييز، أتجول في الغيطان والأراضي المزروعة. وفي مرّة تعرّض لي صبيان صغيران، نعتاني بكلمات قبيحة تخص شكلي، وبالأدق جسدي لأنه كان ممتلئاً قليلاً وقتها، ولأني لم أكن معتادة على الألفاظ القروية النابية، عجزت عن الرد.

أجبرت نفسي على عدم الالتفات وحملت حالي وأكملت سيري في طريقي نحو العيادة. لم أذكر الأمر لأحد رغم الغضب الشديد الذي ملأني ليلتها. ابتلعت الإهانة كمن يغصب نفسه على ابتلاع كتلة من القذارة.

في سن الثانية عشرة - ولأن الجسد الممتليء يكتسب الصفات الأنثوية - سريعاً بدأت أسمع معاكسات لا تتناسب مع سنوات عمري القليلة وقتها، لدرجة أني تعرضت لأول معاكسة وأنا في التاسعة من عمري، تلقيتها من رجل أربعيني. وقتها أوقفني في الشارع وأعاق مروري، قبل أن يقترب مني بدرجة مخيفة ليخبرني كم أنا جميلة. بمجرّد ما أفلتني حتى نعته في سري بالحمار، لا لأنه أوقفني وأخافني، لكن لأنه نعتني بالجميلة. كنت قد قرّرت في عمر صغير جداً أن أنفصل عن شكلي وهيئتي. ألا تزعجني الكلمات الوقحة ولا تبهجني المغازلات الجميلة.

في هذا الوقت ظهرت في حياتي إنسانة أخرى: هي أنا لكن بشكل آخر، إنها هذا الحيز الفيزيائي الذي يشغله جسدي وتقوم بكل وظائفي الحيوية لكي أظل على قيد الحياة، لكنها أيضاً ليست أنا.

تألم أو ارقص أو اختل بذاتك كي تستعيد نفسك الضائعة

قرأت نفس السؤال الذي طرحته في أول المقال على موقع  quora، وهو موقع أجنبي لتبادل المعرفة عن طريق طرح الأسئلة على رواد الموقع الذين يصل عددهم إلى ثلاثمائة مليون زائر شهرياً، يتشاركون الإجابات من جميع أنحاء العالم، أجابت إحدى المشاركات قائلة: "لا أشعر أنني وجسدي كيان واحد، نحن نشبه الحصان والسائس أو يشبه أحدنا شخصية في إحدى الألعاب الإلكترونية، ويؤدي الآخر دور صاحبها الحقيقي الموجود خلف الشاشة. مجملاً أنا لست جسدي لكني أعيش في داخله".

في سن الثانية عشرة - ولأن الجسد الممتليء يكتسب الصفات الأنثوية سريعاً - بدأت أسمع معاكسات لا تتناسب مع سنوات عمري القليلة وقتها، كنت قد قرّرت في عمر صغير جداً أن أنفصل عن شكلي وهيئتي. ألا تزعجني الكلمات الوقحة ولا تبهجني المغازلات الجميلة

كانت الاجابة دقيقة إلى حد كبير، غير أني لم أستطع أن أحدّد: هل أنا الحصان أم السائس؟ هل أنا من يسوس جسدي أم العكس؟

بطرح السؤال ذاته على بعض الأصدقاء أجاب الصديق (م. م) قائلاً: "أشعر بجسدي حين أقوم بعضِّ يدي كفعل احتجاج على عصبيتي المبالغ فيها"، وقالت صديقة أخرى: "أنتمي لجسدي فقط وقت الخلوة والراحة والبعد عن طلبات الصغار ومهام المنزل". وقالت أخرى: "أمتلك جسدي أحياناً وقت الرقص".

أتذكر أنني كنت أمتلك جسدي أيضاً في كل مرة اختليت فيها ورقصت، الرقص خاصة في وجود المرآة  يؤكد لك على انتمائك لجسدك وتحكمك فيه، أو بالأدق يؤكد فكرة انسجامك وتناغمك معه. لكن المرة الوحيدة التي شاركت فيها إحدى صديقاتي بالرقص ليلة زفافها، لم أجد جسدي ولم أجد حركاته ولا تناغمه المعتاد معي، وكأنه هرب واختبأ مني بين الناس.

مع مرور السنوات كانت المسافة تزداد بيني وبين جسدي، حتى بدأت أشعر أن لاشيء فيه يخصني، حتى حين أتكلّم أشعر وكأن هذا الصوت لا ينتمي لي، بل يأتي من مكان آخر بعيد كل البعد عني.

مرّة، وأثناء حملي بأصغر أطفالي، أصبت بسكر الحمل، وارتفع السكر لمعدل مرتفع جداً، لم تأت معه كل جرعات الإنسولين التي حقنوني بها بأي نفع، لدرجة أن درجة وعيي تأثرت وتشوش عقلي، ثم فوجئت بعدد من الأقرباء حولي، ورأيت صغاري يلتصقون بطرف فراشي ويبكون.

رأيت الجميع وسمعتهم وحاولت أن أطمئنهم لكن جسدي لم يطاوعني. لم يتحرك لساني ولا طاوعتني يدي لأشير لهم على الأقل. في هذه اللحظة لم أكن جسدي أيضاً.

نعم قد لا أنتمي إليه لكني تأكدت أني في حاجة دائمة إليه، في حاجة لأن يكون صحياً وسليماً كي أتمكن من الحركة والانتقال، وإلا سأنزوي بدونه في ركن بعيد ككائن هلامي غير مرئي أو حتى موجود.

حكت لي صديقة أنها عاشت لسنوات طويلة مع هذه الأعراض. ذكرت أنها حتى في لحظاتها الحميمية مع زوجها لا تشعر بجسدها. يرقد الزوج فوقها ويقلبها كيفما يشاء دون أن تشعر أو تحسّ. تنفصل تماماً عن  جسدها، تشعر به وهو يتحوّل فجأة لمخدة محشوة عن آخرها بالقطن، لا شيء ينم فيه عن أي إحساس أو حياة. انفصلت صديقتي عن زوجها وارتبطت بآخر بعد عدة سنوات. كانت المفاجأة أن عاد جسدها إليها من جديد. اختفت الطبقة الزجاجية التي تفصلها عن العالم، واختفت مخدات القطن ورؤوس الريش من عالمها، أصبحت هي وجسدها واحداً، تتألم وقتما يتألم وتبتهج وقتما يسعد.

إلى الآن هي لا تعرف السر ولا السبب، لكن على الأقل هي سعيدة ومرتاحة لعودة الروح للجسد الخاوي لتسكنه. ربما السر في المحبة والسكينة التي أصلحت علاقتها المعطوبة بجسدها وجعلتها تلتحم بكل الضائع منها.

ما حكته صديقتي هو ما حدث تقريباً في فيلم Numb حيث عاني بطل الفيلم من أعراض انفصال الشخصية في مراحله المتقدمة، خاض البطل عدة رحلات علاجية مع أكثر من طبيب، قبل أن يقرّر في النهاية ترك كل الأدوية والخطط العلاجية التي لم تحرز أي تقدم في حالته، واضطر إلى التعايش مع الأعراض. لكن هذا لم يتم إلا بعدما وجد حب عمره الحقيقي، تشبث البطل بحبيبته باذلاً كل ما بوسعه لاستعادتها والاحتفاظ بها، فقد تأكد أنها طوق نجاته الأخير.

الظروف المحيطة وأحداث الطفولة القاسية والضغوط النفسية والأزمات كلها أمور تدفعنا أكثر للهرب، لإنكار ما حدث، كوسيلة سهلة لمتابعة الحياة والقيام بالتزاماتنا العائلية والوظيفية على وجه مقبول. لكن في الطريق تتساقط قطع منّا دون أن ننتبه، في الطريق تزيد المسافة بينك وبين نفسك حتى تكاد تنسى شكلك وملامحك الحقيقية، لدرجة أن تفشل أحياناً في التعرف إلى نفسك.

نصائح الطب النفسي للحد من اضطراب تبدّد الهوية

حكت لي صديقة أنها عاشت لسنوات طويلة مع تبدد الهوية. ذكرت أنها حتى في لحظاتها الحميمية مع زوجها لا تشعر بجسدها. يرقد الزوج فوقها ويقلبها كيفما يشاء دون أن تشعر أو تحسّ. تنفصل تماماً عن  جسدها، تشعر به وهو يتحوّل فجأة لمخدة محشوة عن آخرها بالقطن

إليك بعض النصائح التي ذكرها الدكتور جولي فراجا  أخصائي الطب النفسي في أحد مقالاته لتخفيف حدة هذا الاضطراب:

أولاً: أن تعرف طبيعة ما تمر به وهل هو مجرد حيلة دفاعية مؤقته للهروب من المشاكل والأزمات الطارئة أم أنه أصبح نهج حياتك كاملة.

ثانياً: جرب أن تأخذ نفساً عميقاً مع مراجعة مشاعرك ومواقفك بهدوء، أو اخرج للتمشية لتفريغ طاقتك السلبية والتخلص من بعض الأفكار السيئة التي تدور في عقلك.

ثالثاً: جرّب الاستماع للموسيقى أو قراءة أحد كتبك المفضلة، فهذان الأمران كفيلان بتهدئة أعصابك وحملك على الشعور ببعض الراحة والتخفف من الأعباء.

رابعاً: اتصل بصديقك المقرب لتحكي معه.

خامساً: قم ببمارسة بعض التمارين الرياضية مع الاهتمام بأخذ قسط وافر من النوم.

هذا بالطبع إذا كانت أعراض اضطرابك لازالت تحت السيطرة، بمعنى أنها لم تؤثر على قدرتك في أداء مهامك اليومية والحياتية، وإلا فإنك ستضطر للاستعانة بطبيب يساعدك سواء بجلسات العلاج المعرفي والسلوكي أو بتناول بعض الأدوية.

في النهاية، إن كانت بعض هذه الأعراض قد بدأت تهاجمك فاعلم أن هذا لا يحدث لك وحدك، فقط احرص على مجالسة من يشبهك، من تطمئن إليه روحك، من يربت على كتفك فتخترق كفه رداءك وجلدك وعظمك، وتصل هناك إلى هذا الطفل القابع وحيداً في داخلك، مقطوع ومحبوس عن العالم، مقتنع أن لا أحد يريده أو يهتم لأمره.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard