شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"العدل فوق الجميع" وصوت كالفول المدمّس واللبّ السوداني… بدريّة السيد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والنساء نحن والتنوّع

الثلاثاء 12 سبتمبر 202311:39 ص

في مصر الآن، لو أردتم البحثَ في غوغل عن كلمة "العدل"، فلن يُظهر لكم محرّك البحث الأشهر عالمياً مقترحاتٍ تعريفيةً لتلك الصفة التي نفتقدها في زمننا الحالي، لكنه سيقترح عليكم مطلع غنوة تقول: "العدل فوق الجميع وبيعشقه المخلوق/وابن الوزير والغفير من التراب مخلوق/يا عبد توب عن ذنوبك وخاف من الخلّاق/ده اللي يخاف ربنا ما يخوفوش مخلوق".

معنى ذلك أن تلك الغنوة تم البحث عنها كثيراً، والسبب أنها أعجبت متابعي مسلسل "سفاح الجيزة"، الذي تُعرض حلقاته مساء كل خميس على منصة "شاهد"، ومن هنا عرف الجميع أن هناك مطربةً ذات صوتٍ شجي اسمها بدرية السيد، وعلى إثر ذلك بات اسم تلك السيدة المتوفاة قبل أكثر من ثلاثة عقود "تراند" على منصات الأغاني المختلفة.

نقطة ضوء على الست بدرية

الإسكندرية بطبيعتها محافظة تغني، فلا تندهشوا إن علمتَ أنّ نساءها نظمن غنوة ارتجلنها خصيصاً يوم إعدام السفاحتين ريا وسكينة، فصرخت حناجرهن: "يا خمارة يا أم بابين/وَدّيتي السكارى فين؟/ عاش اللي شنق ريا/عاش اللي شنق سكينة".

انطلقت بدرية السيد كالنار في الهشيم داخل الإسكندرية، وقدمت العديد من الأغنيات التي ما زال يرددها الإسكندرانيون إلى الآن، مثل: "اتدلّع يا رشيدي على وش الميّة"، و"يا ميت مِسَا"

بعد تسع سنوات من هذا المشهد، وتحديداً عام 1930، داخل حارة بندقة في منطقة بحري، في محافظة الإسكندرية، وُلِدتْ بدرية السيد باسم بُدور مصطفى الشامي، وكعادة المصريين، لا يظل الاسم على حاله، فبدور، باتت تُكنّى تارةً "بدرية"، وتارة "بدارة".

أما لقبها فأخذته من اسم زوجها "السيد"، الذي كان عازفاً ماهراً على آلة الأكورديون، ويرافقها بصفة دائمة، ولا يشارك في العزف إلا بصحبتها، بحسب ما أورده الكاتب محمود صقر في كتابه "الإسكندرية سنوات الشفق والغسق".

في الرابعة والعشرين من عمرها، لاحظت حلاوة صوتها، وأيّدها الأقارب في تلك الملاحظة، فشجعها ذلك على "التقدم للإذاعة اللا سلكية في الإسكندرية عام 1954، بعد أن علمت بطلبها أصواتاً غنائية من الجنسين، فأدّت الاختبار أمام لجنة من الإذاعة المصرية بالقاهرة، وكانت اللجنة مُكونةً من كبار الفنانين والإذاعيين، من المشرف على الإذاعة الجديدة محمد محمود شعبان (بابا شارو)، وعبد الحميد حمدي، وحافظ عبد الوهاب"، وفقاً لما أورده الدكتور ياسر ثابت في كتابه "تاريخ الغناء الشعبي من الموال إلى الراب".

بارك الله في محمد الحماقي!

ليس المراد هنا بهذا الاسم النجمَ المعروف الحالي محمد حماقي، بل المقصود فنان مصري يستحق هو الآخر تسليط بعض الضوء عليه.

اسمه محمد محمود مصطفى الحماقي، من مواليد شارع النيل في كرموز عام 1921، "وكان قد مارس التلحين لعمله عازفاً على آلة الرق، وسار على درب سيد درويش وكامل الخلعي وإبراهيم فوزي ومحمود الشريف، والجميع من الإسكندرية"، بحسب مقال للمؤرخ الموسيقي وجيه ندى.

يُخبرنا ندى بمعلومة مهمة، وهي أن الإسكندرية افتُتِحَتْ فيها إذاعة عام 1954، وهو ذاته العام الذي تقدمت فيه بدرية لاختبار الأداء، وهناك التقت محمد الحماقي، الذي كان يحمل على عاتقه آنذاك مهمة التعامل مع الأصوات الأولى، ومن بين هذه الأصوات، بدرية السيد.

لمّا نجحت بدرية في اختبارات الإذاعة، كان الشرط الوحيد ليتم قبولها هو أن تغني اللون الريفي، وهنا كانت مهمة محمد الحماقي، الذي لحّن لها: "جاني من البندر يخطبني"، من نظم عباس الخويسكي، و"يا سلام على دارنا" و"شوفوا الفلاح" من نظم سيف النصر محمد، و"على باب الدار" من نظم حامد شريف" بحسب ما قال وجيه ندى.

 يقول أنيس منصور عن بدرية السيد في كتابه "الذين هاجروا": "أحب صوتها كما أحب الفول المدمس والفول الأخضر واللب السوداني".

بِيدَ أن بدرية لم تكن مُحبةً لهذا اللون الريفي الذي اشترطته عليها الإذاعة. ربما كانت تعدّ أنه يُحجّم صوتها، أو يحجبها عن جمهورها الإسكندراني الذي يختلف كثيراً عن المستمعين في المحافظات الريفية.

ربما يتوجب علينا الآن أن نعرف كُنه هذا اللون الريفي، وهو ما تُطلعنا عليه أمل مصطفى إبراهيم في كتابها "الغناء البلدي في مصر"، بقولها: "هو الغناء المعبّر عن البيئة المحلية حيث يُنسَب لأصل البلد، فيقال غناء قبلي أو غناء بحري، وتغلب على هذا الغناء الصنعة والارتجال، ويؤديه مطرب محترف بالزي البلدي (...)، وموضوعات الغناء غالباً محدودة ومعروفة، إما اجتماعية مثل نصائح اجتماعية وحكم وأمثال، أو أفراح، أو دينية، أو غزلية أو عاطفية (...)، والألحان في الغناء البلدي سهلة وبسيطة ويغلب عليها الارتجال، وبعض الألحان في الغناء البلدي لا تتعدى خمس أو ست درجات مثل موال الصبر طيب، وبناء الألحان قائم على استخدام الأجناس أكثر من المقامات (...) وتكون الشطرات قصيرة وقد تتكرر فيها الكلمات لمجرد الالتزام بالقافية".

يبدو أن كل تلك المواصفات للغناء البلدي لم ترُق لبدرية السيد، التي كانت تُريد أن تشق طريقاً خاصاً بها، وهنا أيضاً أطلّ محمد الحماقي كحاضن لتلك الموهبة الفذّة، فلحّن لها أغنيات شعبيةً، من بينها: "سقاني شرباته"، و"الخولي"، و"يا ست يا أم زكي"، و"ماتزودهاش"، و"ودّينا السويس"، و"آه يا معلم".

انطلقت بدرية السيد كالنار في الهشيم داخل الإسكندرية، وقدمت العديد من الأغنيات التي ما زال يرددها الإسكندرانيون إلى الآن، مثل: "اتدلّع يا رشيدي على وش الميّة"، و"يا ميت مِسَا"، و"مسيلي ع اللي غايب"، و"فاتوا الحلوين"، و"ياللي غرّك"، وبالطبع أغنيتها الآسرة حالياً "العدل فوق الجميع".

بنت الشعب في عيون المثقفين

تلك الشهرة التي نالتها "بدارة"، كان لزاماً أن تترك أثراً داخل طبقات أعلى ثقافياً، فظهر معجبون كُثُر من عالم الكتابة، وقد عدّها أنيس منصور أهم من كل المطربين الشباب، إذ يقول في كتابه الصادر عام 2006 "قل يا ليل": "رأيي أن أحسن الأصوات ليست هي التي على الشاشة، فليس بين الأصوات النسائية صوت في سلامة وسِعة صوت بدرية السيد مطربة الإسكندرية".

يبدو أن إعجاب أنيس منصور ببدرية السيد قديم، ففي عام 1988، قال في كتابه "الذين هاجروا": "أحب صوتها كما أحب الفول المدمس والفول الأخضر واللب السوداني".

ويقول عنها الكاتب والروائي مكاوي سعيد في كتابه "القاهرة وما فيها": "بدرية السيد لها وضع مختلف، فهي من أجمل الأصوات التي شَدَت بالمواويل دون تأليف أو تلحين (...)، وبالنسبة لي، أحب لها موالها هذا: لما حَكَمْ ربنا بالبُعد وبعِدتوا/ ليه ماكتبتوش جوابات وبعتّوا/ هدومنا القُدام دابوا والجُداد عتُّوا".

ودخلت بدرية السيدة أيضاً في صميم الأدب، حين حضرت في أحد مشاهد رواية "طيور العنبر" للأديب إبراهيم عبد المجيد، بقوله: "غنّت في الفرح أشهر فرق البياصة (...)، وبدرية السيد المطربة الجديدة التي يذيع صيتها الآن في الإسكندرية (...)، وهتف الرجال إعجاباً خلف بدرية السيد وهي تغني موالها الوحيد بصوتها القوي العريض: طلعت فوق السطوح أسأل على طيري/ لقيت طيري بيشرب من قَنَا غيري/ سألت ليه يا طيري/ قال لي زمانك مضى/ دوّر على غيري".

بينما تركت بدرية السيد أثراً إيجابياً في نفوس العديد من الكتاب، فإن هناك من كان يراها دليلاً على تدنّي مستوى الغناء في ثمانينيات القرن الماضي، وظهر ذلك جلياً في مسلسل "الراية البيضا" الذي تدور أحداثه في الإسكندرية

وظهر اسمها أيضاً في سياق طريف في أحد مشاهد كتاب "قهوة على الرصيف" للكاتب مصطفى نصر، الذي يقول فيه: "أتذكر الرجل المسنّ القصير الذي كان يرتدي بدلةً صيفيةً (...) ويحمل راديو كبيراً يعمل بالحجارة (...) وصوت مطربة الإسكندرية المشهورة بدرية السيد يلعلع من الراديو (...). اقتربت أنا وأصدقائي منه، فرفع صوت الراديو سعيداً، وعندما أحس باستحساننا لصوت بدرية السيد، قال: بس ربنا يعمي أم كلثوم عنها، وما تقتلهاش زي ما قتلت أسمهان"!

وبينما تركت بدرية السيد ذلك الأثر الإيجابي في نفوس العديد من الكتاب، فإن هناك من كان يراها دليلاً على تدنّي مستوى الغناء في ثمانينيات القرن الماضي، وظهر ذلك جلياً في مسلسل "الراية البيضا" الذي تدور أحداثه في الإسكندرية، للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج محمد فاضل.

ولكي يوضح فاضل وعكاشة مدى البون الشاسع بين مستويي الفريقين المتعاركين درامياً: كانا يضعان أغنيات بدرية السيد كخلفية موسيقية لمَشَاهد الجانب الشرير (فضة المعداوي وابنتها وصبيانها)، وتوضع سيمفونيات بيتهوفن ومقطوعات موتسارت كخلفية راقية لمشاهد الجانب الخيّر (الدكتور أبو الغار وأنصاره).

ويقول الكاتب مؤمن المحمدي في مقالٍ له، إن ما فعله فاضل مع بدرية السيد في هذا المسلسل "جعلها تموت بالحسرة".

المفارقة هنا أنّ المسلسل عُرضَ عام 1988، وتوفيت بدرية السيد بعد عامٍ واحد.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard