شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"الحب في الثلاجة"... ريمونتادا ماهر عواد بعد سنين النسيان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 6 سبتمبر 202303:08 م

رغم أن مشروع ماهر عواد في مرحلة عمله مع شريف عرفة ليس مجهولاً لمحبي السينما المصرية، بل يحظى بالتقدير خاصة بالنسبة لفيلمي "سمع هس" و"يا مهلبية يا" العامرين بأغان ومواقف أيقونية يستعيدها جمهور الفيلمين كونها لا تزال دالة على الأوضاع التي تشهدها مصر إلى الآن، وكذلك فيلمهما الثاني "الدرجة الثالثة" (1988) مع أنه لم ينل الشهرة نفسها وحاز انتباه محبي مشروع عواد وعرفة بعد سنوات، فيما يشبه "الريمونتادا" كما يعرفها محبو كرة القدم. 

استقبلت دور العرض المصرية فيلم "الحب في الثلاجة" من تأليف ماهر عواد قبل 31 عاماً. لم يحظ الفيلم بنجاح يذكر، ولكن يبدو أن الركود وانكشاف الغطاء عن كل محاولات التجميل التي اتبعتها حكومات مصر المتعاقبة، وظهور استمرار حالة الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي المقيمة، بثت حياة جديدة في الفيلم ذي الحبكة المتجددة

غير أنه لم يحظ بنفس "التقدير بأثر رجعي" الذي يحظى به حالياً فيلم "الحب في الثلاجة"، الذي كتبه عواد وأخرجه سعيد حامد منذ أكثر من 30 عاماً (1992)، وظل لسنوات طويلة فيلم عواد الذي سقط من ذاكرة الأغلبية، فمنذ أيام يشهد الفيلم استعادة مكثفة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي في مصر في استرداد متأخر للاعتبار.

الفيلم من بطولة يحي الفخراني وعبلة كامل، ومن إخراج سعيد حامد، وقد فشل الفيلم نقدياً وجماهيرياً وقت عرضه، وبعد ثلاثين عاماً بات يُستعاد بكثافة مصحوبة بالتقدير على السوشال ميديا، أحد الفيديوهات المقتطعة من الفيلم تخطى عدد مشاهداته مليون ونصف المليون مشاهدة، ما دفعني على الفرجة على الفيلم لأفهم ما الذي جذب الناس لتقديره الآن.


تقول القاعدة إن الفن الجيد يصمد مع الزمن، لكن يمكنني أن أتفهم، لماذا لم ينجح الفيلم وقت عرضه، فهو كوميديا سوداء شديدة التشاؤم، تميل في بعض مشاهدها للتغريب، حتى أن الفيلم ينتهي بالمواجهة وانتصار غامض أقرب للهزيمة.

في عام 1992، كانت مصر تعيش انتعاشة وهمية، بعد إسقاط وإعادة جدولة بعض ديونها عقب اشتراكها في حرب الخليج الثانية، إذ أنقذت الحرب والمشاركة فيها البلاد وقتها من إفلاسها الوشيك.

أحد الفيديوهات المقتطعة من الفيلم تخطى عدد مشاهداته مليون ونصف المليون مشاهدة، ما دفعني على الفرجة على الفيلم لأفهم ما الذي جذب الناس لتقديره الآن

تلك الانتعاشة الوهمية ساعدت على تغطية المشكلة الكامنة في الجذور الفاسدة من الأصل، ومدت في عمر نظام الرئيس مبارك عقدين إضافيين.

على عكس كل أفلام ماهر عواد السابقة واللاحقة، كان الفيلم كوميديا قاتم السواد؛ فيما حملت أفلامه الأخرى خفة وأملاً في المواجهة المواجهة، وكان لشريف عرفة لمسة تعتمد على استخدام أدوات مرحة ولعوبة توظف الاستعراض الغنائي.


ومع استخدام أدوات والخفة والمرح واللعب والاستعراض الغنائي، والتوظيف الذكي لموسيقى مودي الإمام كإخراج مواز للفيلم، تتضافر مع أبسط حركات الممثلين، وعدم الاكتفاء بمسرحة العالم، بل تحويله إلى سيرك حقيقي. وهي السمات الفاتنة التي جعلت من مشروع عرفة/ عواد مختلفاً عن كل ما قدمته السينما المصرية في تاريخها، رغم ضعف الإمكانيات الإنتاجية التي نفذا بها أفلامهما.

ما يجعل فيلمي عرفة وعواد الأنجح "سمع هس" و"يا مهلبية يا" هما الأكثر حيوية، هو أن الثنائي يطرحان عبرهما سؤالهما عن الفن من دون مواربة، ويواجهان جمهورهما بصراحة، ويسخران من محدودية ذائقته، ويضعانه موضع الاتهام

ورغم أن سؤال أفلام ثنائية عواد وعرفة هي السلطة، لكنه دائماً سؤال مراوغ يوزع نفسه داخل أقنعة كسلطة الفن التقليدي، والاستغلال باسم الوطنية المزيفة، أو الطبقة الأغنى المستفيدة في مقابل جماهير الدرجة الثالثة.


لكن ما يجعل فيلمي عرفة وعواد الأنجح "سمع هس ويا مهلبية يا" هما الأكثر حيوية، هو أن الثنائي يطرحان عبرهما سؤالهما عن الفن من دون مواربة، ويواجهان جمهورهما بصراحة، ويسخران من محدودية ذائقته، ويضعانه موضع الاتهام، ويظهر هذا على نحو خاص في فيلم "سمع هس" الذي يوسع دائرة الاتهام من السلطة وممثليها اللذين يتعرض لهم فيلم "يا مهلبية يا".

أما فيلم "الحب في الثلاجة" فهو يواجه تلك السلطة مباشرة بلا مواربة من أي نوع، السلطة التي تبدأ ببيع السراب وتأجيل عمر المواطن مقابل مستقبل وهمي، لن يعيشه، يحدده الفيلم ساخراً بسنة 2000، كفيلم سمع هس، لكنه على عكس الفيلم، لا يقولها على سبيل اليقين، بل على سبيل الإدراك أن الكذبة الأكثر انتشاراً منذ عهد جمال عبد الناصر والعهود التي تلته وصولاً إلى عصرنا الحالي ( إذا كنا نتكلم عن رؤية مستقبلية للفيلم) هي أن السعادة تنتظر المواطن في المستقبل، وكل ما عليه أن يفعله هو أن يصبر، وهو ما تقوم عليه فرضية الفيلم، إذا كان كل شيء في حياته مؤجلاً: السكن، الزواج، المياه، الراتب الجيد، سيؤجل إلى سنة 2000، فليجمد حياته في الثلاجة.

بسبب تلك المواجهة المباشرة، حرص سعيد حامد أن يكون فيلمه جافاً لينقل رؤية ماهر عواد التي كفت عن المهادنة، وقررت تعرية الجذور الفاسدة، عدا عناصر الحوار الساخرة والذكية:

- أنا مش شايف لا خرسانة ولا خوازيق.

- ما هي خوازيقنا ما بتتشافش.

أو في عربة نقل الموتى:

- بسرعة يا أسطى عايز ألحق اندفن

- أنا مالي هو أنا اللي سايق.

لا يترك ماهر عواد وسعيد حامد شيئاً من دون تعرية، وإن كانت الفانتازيا المرحة التي قدمها عواد مع شريف عرفة، كانت اللغة الأنسب لمجابهة وضع مستقر، لكن تحت استقراره يكمن ركود وعفن غير مرئي، وكانت لغة الفانتازيا هي لغة حلحلة لهذا الوضع، ففيلم الحب في الثلاجة يكشف العفن مباشرة، أي النتيجة المستقبلية لاستقرار مبارك الوهمي، وربما لم يكن الناس في ذلك الوقت ليتحملوا مثل هذا الكشف الذي لا يهادن.

فيلم قاس، لكن من الطبيعي أن يشاهد تلك الأيام بكثافة، فقد انكشف الغطاء عن العفن، صار العفن ظاهراً جلياً يكتم الأنفاس، لذا صرنا نفهم تلك اللغة التي كشفها الفن باستبصار مرهف في بداية التسعينيات

طيلة الفيلم يواجه البطل بسباب متلاحق من الجميع: يا معفن، رغم أنه ليس مسؤولاً عن تعفنه، يواجه ماهر عواد وسعيد حامد من تسببوا في العفن، بدءاً من رجال الأعمال، والشرطة، والمسؤولين والمديرين الفاسدين، وصولاً إلى النيابة، ثم إلى منصة القضاء، التي تبدأ حديثها بحكم الإعدام، قبل أن ينبهها ممثل الادعاء، أن المحاكمة لم تبدأ أصلا، فيجيب القاضي: طب بسرعة عشان ورانا مسرح.

فيلم قاس، لكن من الطبيعي أن يشاهد تلك الأيام بكثافة، فقد انكشف الغطاء عن العفن، صار العفن ظاهراً جلياً يكتم الأنفاس، لذا صرنا نفهم تلك اللغة التي كشفها الفن باستبصار مرهف في بداية التسعينيات.

ينتهي الفيلم ويبدأ بتلك الأبيات:

الشجرة السرحة الحلوة يقطعوها ويعملوها مارينه

والعوجة تنساب تعيش حياتها

يعني مصلحة الحكاية

شوفوا السخافة اللي تتعب الأعصاب.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها…

لكن رصيف22، هو صوت الشعوب المضطهدة، وصوت الشجعان والمغامرين. لا نخاف من كشف الحقيقة، مهما كانت قبيحةً، أو قاسيةً، أو غير مريحة. ليست لدينا أي أجندات سياسية أو اقتصادية. نحن هنا لنكون صوتكم الحرّ.

قد لا توافق على كل كلمة ننشرها، ولكنك بضمّك صوتك إلينا، ستكون جزءاً من التغيير الذي ترغب في رؤيته في العالم.

في "ناس رصيف"، لن تستمتع بموقعنا من دون إعلانات فحسب، بل سيكون لصوتك ورأيك الأولوية في فعالياتنا، وفي ورش العمل التي ننظمها، وفي النقاشات مع فريق التحرير، وستتمكن من المساهمة في تشكيل رؤيتنا للتغيير ومهمتنا لتحدّي الوضع الحالي.

شاركنا رحلتنا من خلال انضمامك إلى "ناسنا"، لنواجه الرقابة والترهيب السياسي والديني والمجتمعي، ونخوض في القضايا التي لا يجرؤ أحد على الخوض فيها.

Website by WhiteBeard