شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"ابن البطة السوداء؟"... عن الأسوَد الشرير في الموروث العربي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!



لأكثر من ثمان وثلاثين عاماً سكنتُ تلك المنطقة المنخفضة من الريف السوري جنوب البلاد، تماماً في مكان التقاء أربع قطع شامية لها موروث شعبي مشترك. فبين وديان الجولان وجبالها وسهول حوران عملت كريفي سنيناً طوال، تعلمت منها في التجارة أن البقرة السوداء غير محببة لتاجر عتيق، وأن السكان هناك شأنهم شأن الآخرين دائماً ما يبخسون ثمن البهيمة السوداء.

وتعلمت في العلاقات البشرية من الريفي أن الرجل الذي يغلب لونه على السواد هو مخلوق بجينات "عبد" حتى لو ملك من السيادة ما ملك، وأن التعامل معه ينبغي احتمال العصا واستعمال القسوة. وحين يُسأل المرء في بلادنا عن سبب كل تلك الفجاجة في ذاك التعامل رغم تحريمه شرعاً كان الجواب يأتي مكتنزاً بقصور حاد لفهم في الثقافة الدينية على لسان خطيب المسجد الذي يكزّ على أسنانه كل يوم جمعة ليقسّم البشر لصنفين، نوع صالح تبيّض وجوههم يوم القيامة وآخرون عصاة تسوّد وجوههم، وعلى هذا قيس الموروث الشعبي في العلاقات الريفية وصنف البشر منذ بدء الخليقة لـ أسود شرير وأبيض طاهر!

أمام هذا يصبح تساؤل بطل الملاكمة العالمي، محمد علي كلاي، أمام إحدى محطات الإذاعة الأمريكية مشروعاً: "لماذا كل شيء جيد يجب أن يكون أبيضاً، وكل ما هو أسود شرير؟ لماذا المسيح أبيض، ومريم بيضاء، والملائكة بيض، وأصحاب المسيح في العشاء الأخير كلهم من البيض؟" كما يتساءل، كلاي: "حتى إن طرزان الذي عاش في أدغال أفريقيا وكان بطلاً كان رجلاً أبيض، وهزم كل أعدائه".

"لماذا كل شيء جيد يجب أن يكون أبيضاً، وكل ما هو أسود شرير؟". بطل الملاكمة العالمي محمد علي كلاي.

إذاً يبدو أن القضية ليست مرتبطة باشخاص إنما هي عملية مكتملة مصممة في الموروث الجمعي للبشر، مصممة لهذا الغرض. فهي ليست حالة منعزلة، فسلوكيات مثل هذه تتكرر بشكل جلي ضد ذوي البشرة السوداء، ومن هنا ينشأ الوعي المتجدد نحو هذه القضية.

فرغم كل الثورات والنضال والدماء والأحبار التي أريقت على ضريحه سواء في الفن أو الثقافة أو السياسة أو حتى الدين لازال اللون الأسود يمثل في العديد من الثقافات كل ما هو سيء في هذا العالم.

كما وليس ببعيد فقبيل بضعة أشهر تعرض مهاجم فريق ريال مدريد الإسباني، فينيسيوس جونيور، للعنصرية المتكررة بسبب لونه، وذلك من جانب مشجعي فالنسيا الذين وصفوه بالـ «قرد»، ما جعله ينهار باكياً.

الأسود في اللغة هو ما كان لونه « السواد »، وهو لون مظلم ناتج عن فقدان أشعة النور أو عن امتصاصها كلياً. كما تعرّف اليوم الحركة الفنية التشكيلية اللون الأسود بأنه «ليس بلون» وعليه بات تعريفاً يناط به انعدام الهوية لكل ما صبغ بأسود. لهذا عادةً ما يتسبب اللون الأسود في جعل الألوان الأخرى تبدو أكثر إشراقاً إذا ما وُجدت بجانبه. ولربما لهذا كله سيق الرجال السود عبيداً في منازل البيض كي يتباهوا بكونهم أكثر إشراقاً في مجتمعاتهم، وعليهم أجريت أبشع التجارب والأبحاث، وذلك لأن غير الأسود يعتبر نفسه مصدر النور والإلهام والأفكار والابتكارات والحكمة.

فاليوم ورغم مرور آلاف السنين على المطالبة بعدم التمييز على أساس اللون، لازال ازدراء اللون الأسود في الموروث الشعبي العربي يمثل نمط حياة اجتماعية عامة.

حتى في أحلامه يعبّر العربي عن رؤية اللون "الأسود" _ كما لدى ابن سيرين أشهر معبر للرؤى _ على الحزن والهم والغم والمرض.

وحين ينعم الله على الريفي من حيواناته بوليد جديد يكون لونه أسود أو قليل البياض فتراه يصاب بالهم والغم ويراه فأل نحس، حتى أن تجار العجول في الريف العربي يبخسون ثمن البهيمة السوداء التي يود صاحبها بيعها لكسب بعض المال، وحين يَسأل صاحبها عن سبب سعرها الرخيص مقارنة بغيرها يرد التاجر: "ببساطة هي غير مرغوبة". وكذلك باقي الحيوانات الداجنة السوداء من طيور وبهائم.

لازال العربي حين يقرر أن يبث شكواه من تمييز واقع بحقه بين إخوته أو أقرانه أو حتى ظلم الحكومة له يصرخ متذمراً: "هل أنا ابن البطة السوداء؟".

كما لازال العربي حين يقرر أن يبث شكواه من تمييز واقع بحقه بين إخوته أو أقرانه أو حتى ظلم الحكومة له يصرخ متذمراً: "هل أنا ابن البطة السوداء؟". كذلك بعضنا حين نشاهد قطاً أسود في الشارع نسارع للبسملة في حضرته ونقرأ بعض الآيات القرآنية والتعاويذ ونتحاشى ضربه لأن الجن السيء وفق المعتقدات الشعبية يتمثلون في شكل قط أسود. كذلك في الكلب الأسود.

ويكرر العربي القديم قوله في حق خصمه "أسود الكبد" أي ألد أعدائه الحاقد الذي لا يعرف السماحة، وفي هذا ينشد الأعشى:

فما أجشمتِ منْ إتيانِ قوم

همُ الأعداءُ، والأكبادُ سودُ

وكذلك الغنم "سود البطون" أي مهازيل كناية عن سني القحط والجدب. وحين يفعل أحدهم فعلاً رديئاً يقال له: "سوّد الله وجهك". وكذلك وجه الخائف أسود والغربان سود والظلام والليل وغيرها.

بالعموم مهما قيل تبقى أفظع أنواع الإساءة هي حينما يساء لآخر بسبب لونه، فيحرمه حقه كإنسان مشارك في مجتمعه.

والأمثلة على ذلك لا تعد، فمع مرور كل تلك السنين بيننا وبين رجل ذائع الصيت كعنترة بن شداد، لازلنا حين يذكر اسمه نقول: "ذاك الرجل الأسود الذي لم يحصل على عبلة"، فهو، من وجهة نظر معاصريه، من أشهر الرجال المحبطين اجتماعياً الذين ذاع صيتهم على الإطلاق للتخلص من عقدة لونهم وعانوا ماعانوه لنيل كرامتهم ومساواتهم بسواهم، وهو لربما أول من حاول كسر هذه النمطية في مجتمع عربي قبلي قبل الإسلام ولم ينجُ.

فهو رجل أسود غليظ المبسم والهيئة، لأب عربي وأم حبشية، أبوه كما يعلم الجميع هو بن شداد سيد في عبس، وكانت أمه أميرة حبشية مأسورة، وكان أبوه يعامله كالعبد لسواده، لأن العرب لا يعترفون بأبناء الإماء، رغم أنه كان من أشهر فرسان و شعراء العرب على الإطلاق، وقد اشتهر بقوته وشجاعته وبسالته في المعركة، كما عُرف بقوته في الفروسية، وهو أحد شعراء المعلقات التي احتفظ بها العرب لجمالها وفصاحتها ورصانتها، وقد عُرف عنه حبه الكبير لابنة عمه عبلة وغزله العفيف لها. ورغم ذلك لم يخفى في شعره معاناته بسبب لونه. فمن أجمل أشعاره حين يخاطب عبلة ويفتخر بنفسه ويعتذر عن سواده:

"تعيرني العدا بسواد جلدي
وبيضُ خصائلي تمحو السوادا" عنترة بن شداد.

تعيرني العدا بسواد جلدي

وبيضُ خصائلي تمحو السوادا

وفي مكان آخر يكابر قائلاً:

لئنْ يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ

يومَ النزالِ إذا ما فاتني النسب

صارع عنترة ليكون رجلاً حراً، ليكون فقط إنساناً، لكن لونه كان يقف حائلاً أمام نيل إنسانيته، فذاق مرارة الحرمان والمهانة والذل لأن أباه لم يُلحقه بنسبه إلا بعد معركة عبس مع طيء وكان أن أغارت قبيلة طيء على عبس واشترك عنترة رغم عبوديته، لكنهم بخسوه حقه وفرضوا له نصيب العبد فأبى عن الخوض في المعركة فلما اشتد الخطب صاح أبوه: "كُرّ يا عنترة!"، فأجاب: "لا يحسن العبد الكر"، فما كان من أبيه إلا أن قال: "كُرّ وأنت حر"، ففعل وراح ينشد:

أنا الهجين عنترة

كل امرئ يحمي حرَه

أسودَه وأحمرَه

والشعرات المشعرة

الواردات مشفرة

فكان النصر لبني عبس فاحتفلت القبيلة بعنترة وكرمته. وجعلته حراً، لكن ذلك وما قدمه لقبيلته من قوة وشوكة لم يدم طويلاً ولم يشفع له إلا أن يموت كعبد أسود، إذ لم يقبل سادة ورجال في القبيلة جلوسه بينهم، واستمروا في تلك النظرة له وهو يدركها رغم خشيتهم منه إلى أن توفته المنية كرجل أسود لا غير.

كان عنترة ملهماً لأجيال من بعده من السود لدى العرب، وحين بدأت الدعوة المحمّدية بالإعلان عن نفسها جهارة في شبه الجزيرة العربية وطلبت بمساواة الجميع، انقسم العبيد إلى قسمين، أحدهما انضم إلى الدعوة لنيل حريته ومساواته كما وعدهم الإسلام ونادى بسواسية البشر، والآخر انضم إلى قريش لنيل حريته وفق مغريات قدمها سادة من قريش لمن ينال بالمسلمين.

فكل طرف كان يحاول استمالة العبيد لصالحه. ومن بين أولئك عبدان حبشيان لدى رجلين من قريش أحدهما اسمه "وحشي" والآخر "بلال". ذاقا ويلات العبودية والظلم، فاختار كل منهما طريقه للحرية. سيدنا "بلال بن رباح" _ رضي الله عنه _ انضم لصفوف الدعوة الإسلامية الجديدة، وتعرض في ذلك لأشد أنواع العذاب حتى تمكن المسلمون من تحريره وصار سيداً. في حين كان "وحشي" يبحث عن حريته مع الفريق الآخر بأن قبل عرضاً من "هند بنت عتبة" لقتل عم رسول الله "حمزة بن عبد المطلب" لقاء نيل حريته وجعله سيداً. وبالفعل نفذ وحشي ذلك وصار حراً.

لكن هل تقبّلهما المجتمع كرجلين مكتملين مثلهما مثل أي رجل أبيض؟ لا يبدو كذلك، فوحشي طُرد من مجلس سادة قريش جهارة لأنهم لم يروا فيه إلا عبداً حبشياً أسود يملأ الدلاء ويرعى الغنم. حتى سيدنا "بلال"، رغم مكانته في تأسيس أول دولة للإسلام في التاريخ. وأنها دولة تم إعلانها بآذان عبد حبشي في مجتمع قبلي منقسم لطبقتين منذ الآف السنين، أي أنه إعلان لثورة على العبودية والتمييز على أساس اللون. ورغم ذلك ورغم صحبته القوية للنبي محمد، إلا أن ذلك لم يمحو آثار القبلية والجاهلية في قلوب بعض من أتباعه، حيث اشتهرت على ألسنة الناس والوعاظ وكثير من الدعاة قصة سيدنا "أبي ذر الغفاري" مع سيدنا "بلال بن رباح"، حيث كان بين أبي ذر وبلال، كلام وخصومة فقام الأول بتعيير الثاني بلون أمه حيث قال له أبي ذر "يا ابن السوداء" ورغم غضب رسول الله من أبي ذر حينها وتوبة أبي ذر من فعلته ورقاده على الأرض واضعاً خده عليها مصراً على أن يطأ بلال خده الآخر بقدمه كي يصفح عنه، ورغم قوة العقيدة في بدايتها إلا أن عقدة اللون الأسود في المجتمع تمثل حالة عصية على الفهم والإدراك.

مهما قيل تبقى أفظع أنواع الإساءة هي حينما يساء لآخر بسبب لونه، فيحرم من حقه كإنسان مشارك في مجتمعه

واليوم هناك كثر في البلاد العربية يحملون ميراث العبودية والدونية بفعل لونهم، ففي سوريا يعاني كثر في مناطق مختلفة في أحياء في دمشق من تلك العنصرية، فأنا أعرف "سارة" 35 عاماً من سكان ريف دمشق، تركت دراستها الجامعية لأنها لم تحتمل نظرات الجميع إليها على اعتبار عائلتها من أصول إفريقية، سكنت دمشق منذ مئات السنين وأورثتها بشرة داكنة. كذلك هناك أحياء كثيرة في منطقتها يعاني فيه السكان من عنصرية وتنمر واضح، خصوصاً أنهم يسكنون وسط سكان تلك المنطقة الشامية الذين يمتازون ببشرة بيضاء نقية. كذلك الأمر يتكرر في جنوب البلاد في بلدات في ريف حوران الغربي وقرى محيطة بها.

كما في العراق يعاني اليوم قرابة نحو نصف مليون مواطن من تمييز في معاملتهم كمواطنين بسبب لون بشرتهم. وكذلك في الأردن في المحافظات الشمالية كثيراً ما تقع مصادمات بين شبان من أحياء من ذوي البشرة السوداء مع آخرين بفعل التنمر، حيث يقرن أبناء تلك المناطق اللون الأسود "بطبقة العبيد"، في تذكير واضح بإرث العبودية القديمة التي كانت قائمة على أساس اللون.

حاول العربي في الوقت الراهن قدر المستطاع محو آثار الجاهلية، إذ ليس هناك توصيف أكثر دقة لتلك الحالة من وصفها بالجاهلية. واليوم في الحركة الثقافية العامة والأدبية بات اللون الأسود يمثل لون الثقافة، حيث ارتبط اللون الأسود باختراع آلات الطباعة التي اعتمدت اللون الأسود لون الكتابة. ومنذ ذاك الحين وباللون الأسود تكتب آلام وأوجاع السود حول العالم، فكتب المثقفون العرب عن الاستعمار والانتداب والعنصرية والعبودية وكل أشكال الظلم. فكتب الأردني أيمن العتوم رواية «أرض الله»، وكتبت الكويتية سعداء الدعاس رواية «لأني أسود» وألف الكويتي هشام العوضي كتابه الفريد «تاريخ العبيد في الخليج العربي» وغيرهم كثر.

لازال اللون الأسود في الأنشطة الثقافية العربية يمثل في معظم أنواع الفنون العربية الضد السيء في كل شيء، فهو الجهل ضد العلم وهو الشر ضد الخير، وهو العصور المظلمة ضد عصور التنوير

ومع ذلك لازال اللون الأسود في الأنشطة الثقافية العربية يمثل في كل أنواع الفنون العربية الضد السيء في كل شيء، فهو الجهل ضد العلم وهو الشر ضد الخير، وهو العصور المظلمة ضد عصور التنوير. وحتى في عالم الموظة يرتدي العربي اللون الأسود أكثر من غيره عن باقي الشعوب لما ارتبط عربياً لكونه أكثر الألوان شيوعاً بالحزن والحداد والوحدة. كما لازال يرتبط اللون الأسود ثقافياً عند قسم كبير من الشعوب العربية خصوصاً الافريقية منها بالهوية القومية ومدى القهر والظلم الذي عانوه بسبب سواد بشرتهم. هذا ولازال مثقفون عرب يربطون السواد في حالات عديدة بالخوف وخيبة الأمل وعلى قبح المرأة أو الرجل ليعبروا بذلك عن سمة عامة في النقص لكل ما هو أسود.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard