اللهب المزدوج ودلالة اللون بين الحب والإيروتيكا

الأربعاء 21 أبريل 202110:54 ص

ما تزال تلحّ على ذاكرتي تلك اللوحة التي علقت على جدار غرفتنا في المدينة الجامعية بدمشق: صورة مزدوجة لرأسي امرأة واحدة بالتعاقب، تشكل مع شعرها إشارة استفهام، تبدو من الأعلى باللون الأزرق ومن الأدنى باللون الأحمر.

لوحة نارية توحي باضطرام ما، ولطالما وقفنا قبالتها نحار في تفسير دلالتها وتأويل معنى اللون فيها، إلى أن تكاملت اللوحة في ذهني عند اطلاعي على كتاب "اللهب المزدوج" لأوكتافيو باث، لما فيها من تكثيف بصري لغواية الأنثى ودلالة اللون.

تلك الدلالة الحسية الطاغية لرمزية اللون الأحمر والروحانية التي يحملها اللون الأزرق، يشكلان كلاهما وهجاً ولظى لتلك النار المشبوبة وغير المفهومة التي تعتمل في الأعماق الكامنة في النفس البشرية، رمزية دلالية لاشتعال الجسد والحواس معلنة كينونة الوجود الأصلية.

الإيروسية ترويض للجنس وإدماجه في المجتمع، كونه الحب الذي يبغي اللذة المحض، والإيروتيكا هي الجنس مع الخيال والحب، هي انجذاب غامض نحو الجمال الإنساني

 فأصل الحياة مرتبط بالإيروسية والحب معاً، بذلك الشغف بتفاصيل الجسد المموسق وفق نبض ونغم يتهادى على إيقاع لغة الحياة، عندما تحتشد فيه الرغبة والشغف والإحساس العارم بامتلاء العاشق بمعشوقه، والمحب بمحبوبه، امتلاء واغتناء جسدي وشعوري.

الإيروسية ترويض للجنس وإدماجه في المجتمع، كونه الحب الذي يبغي اللذة المحض، والإيروتيكا هي الجنس مع الخيال والحب، هي انجذاب غامض نحو الجمال الإنساني ورغم اختلاف معايير الجمال الموزعة بين الروح والجسد وبين الرغبة والعاطفة وفق منسوب تدفق فيوضات اشتعال الكائن.

 ففي الحب هناك طرفان وشرط لازم أن يكون الاثنان محبين ومحبوبين في الوقت نفسه، ويشعر كلاهما بأنه يحقق ذاته من خلال الآخر، كون الحب سعياً للاكتمال، فكل فرد يحمل في أعماقه ذكورة وأنوثة بنسبة متباينة.

 ومن هنا تأتي رمزية الخنثى الأسطورية وسعي النصف إلى نصفه الآخر في الظمأ الدائم للاكتمال، وبحالة الحب يشعر كلاهما بأنه يتمم ما ينقصه من خلال تعالقه مع الآخر بالكيمياء والإحساس وقوة الجذب الناجمة عن تحليق تصوراته بجوهر الجمال بذاته وبالآخر.

في الحالات التي يكون طرفي العلاقة أي الرجل والمرأة كل منهما موضوعًا لرغبة الآخر، ندخل في باب المبالغة في تبخيس وتشييء القيمة الإنسانية بتجسيد الكائن كموضوع متعة لا غير.

 ومن هنا تأتي حالات التزمت والتهتك اللتين تخالفان الإيقاع الجمالي المقارب للفن والأدب، حيث يفسر باث العلاقة بين الشعر والإيروتيكية في كون الأولى جنس لفظي بينما الثاني شعر جسدي، والمخيلة هي التي تحرك الفعل الإيروتيكي والشعري معاً اللذين يولدان من الحواس ولكن لا يقفان عندها في الدهشة والافتتان.

 إذ إن الإيروسية ضابط لطوفان الغريزة وأسلوب لترويضها، والشعر إعادة خلق البدايات التي أتت منها الخليقة وانسابت إلى تفاصيل وعينا في التنبؤ بحيوات وتبدلات الكون، والتحول من النبوءة إلى الخلق في بحث حثيث عن اللامرئي الغامض، في ضبابية التقاط لحظة منفلتة وطارئة واستثنائية من المتعة، وغموضها الذي يأتي من المنع والإباحة، ويترجرج بين تصعيد وانكفاء.

كذلك الشعر بين ظهور وتورية، اقتراب وابتعاد، نور وظل في الصورة الأزلية، مصباح مضاء في عتمة السرير وظلال تبين وتغيب. يقول أدونيس:

"في سيرهما ينحني كلاهما للآخر: القبلة هي الانحناء الوحيد الذي يمكن أن يسمى علواً". كتاب بألف صفحة عن الشفتين تختصره قبلة واحدة

يقول أدونيس: "القبلة هي الانحناء الوحيد الذي يمكن أن يسمى علواً"

الإيروتيكية والإباحية

الإيروس ما يثير الرغبة ويولد اللذة، فالمتعة المرتبطة بالإنسان في ارتقائه الحضاري لم تعد باعثاً للخصب والاستمرار فحسب، وإنما هي الاحتفاء بفرح الحياة وزهوتها، من خلال التمتع بكل ما هو جميل.

 ومن هنا كان الجنس المقدس في الديانات القديمة والأساطير كوسيلة للتقرب من الآلهة والاندماج بالذات الكلية القدرة، ما يجعلنا نحاول تفسير معنى البغاء المقدس الذي ساد في أزمان ماضية، برمزيته لقوى الخصوبة الكونية المفجرة لنبع الحياة.

 فقد أثمرت علاقات أفروديت الغرامية اللاهية فولدت من آريس، إله الحرب، إيروس، الصبى المجنح (الذي يخترق بسهامه قلوب البشر والآلهة معاً) والذي لم يرض بتشجيع الرجال والنساء على إنجاب الأطفال فحسب، بل راح يحملهم على طلب المتعة وعلى الاهتمام باللذة الشخصية، وزيادة حدتها.

 وراح إيروس يوزع على الجنسين هداياه بفضل سهامه، وظهر مصطلح إيروتيك erotic الذي أصبح فيما بعد اسم جنس أدبي وفني (الغزل) قائم بذاته، أما الإباحية فهي ترسّخ الحسية المباشرة وقمع للشعور من خلال إظهار الممارسات والأفعال الجنسية من ناحية مادية وجسدية بحتة.

تميزت ثقافة بلاد الإغريق بفلسفة قوة الرغبة الجنسية بأنها عاكسة لفيوض الطبيعة الكامنة، وما على الإنسان سوى ترتيبها وتوجيهها

 وبعيداً عن مفاهيم الحرية الشخصية، يلعب تسليع وتجارة الجسد دوراً كبيراً في امتهان قيمة الإنسان وكرامته، ولكن من يهتم، فتراكم الثروات الهائلة للقائمين على الاتجار فيها، وخاصة في المجتمعات المكبوتة والمقموعة، يخلق سداً كبيرًا في وجه من يناهضهم ويعترض على أساليبهم غير المشروعة.

 وقد تناهى إلى السمع أن هذه الإيرادات تغذي عمليات الإرهاب في العالم بعد تجارة المخدرات، بالإضافة لاهتمام بعض الحركات النسوية بالعمل على مناهضة الإباحية، كونها تحط من قيمة وإنسانية المرأة تحديداً، من خلال استغلال الحاجات المادية والمعيشية لكثير من النساء في جعلهم أدوات عمل ودجاجات تبيض لهم ذهباً ويرمى إليهن بالفتات، والترويج لمفاهيم العنف والهيمنة والإذلال والإخضاع كأسلوب يرضي الأحاسيس الذكورية المتضخمة والمشوهة والبعيدة عن الرقي الحضاري.

الإباحية ليست قمع للشعور وحسب ولكنها تفقد الجنس غموضه، في متعة الرقص حول لهب الرغبة بين دنو وابتعاد بين ظهور وغياب، في التقاط للحظة الهاربة كما الفن تماماً في تجلي صورته الباهرة، ونقيضها الطهرانية وإنكار الجسد لصالح الحب والإحساس، لما فيها من تقشف وإنكار لحاجات الإنسان الطبيعية والمادية.

 وكلاهما شكلان متطرفان، بين إنكار الرغبة وبين إباحتها بلا حدود، وبينهما تقع الإيروتيكا بدمج الإحساس والعاطفة مع الرغبة والمتعة.

فالإيروتيكا ليست جنساً بحتاً، وإنما هي طقس وتمثيل يرتبط بالمخيلة كما الشعر والتشكيل، حيث يتوهج الجسد والروح معاً، وتنزع صفة الحيوانية عن الجنس كفعل غريزي بلا ضابط، فالرابطة الإيروتيكية تعمل بطريقة مختلفة.

 وذلك من خلال التبطين المعلن والشجاع للقدرة على الفرح، عندما يتحرك الجسم مع الموسيقى وينفتح على الاستجابة، مصغياً إلى أعمق الإيقاعات، لتنفتح كل مستويات الشعور على التجربة المشبعة، سواء كانت رقصاً، غناء أو ابتكار قصيدة أو فصل في مسرحية أو في ضربة ريشة للوحة.

في قصيدة للشاعر الإسباني خوان رامون خيمنيث، معارضة شعرية لصلاة "أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأتي ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض، أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في التجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين".

يقول العكس: "أدخلنا في التجربة لنرى ما الشر فيها". هي التجربة الحية والملموسة التي ستترجم زخم الأسئلة وتكتشف ذلك المجهول/الجسد. هل هو شر مطلق أم خير مطلق؟

في قصيدة للشاعر الإسباني خوان رامون خيمنيث يقول للإله: "أدخلنا في التجربة لنرى ما الشر فيها". هي التجربة الحية والملموسة التي ستترجم زخم الأسئلة وتكتشف ذلك المجهول/الجسد

 فالثورة الجنسية في الغرب لم تؤد إلى انهيار المجتمع كما يروج لها، على العكس، أظهرت إحصائيات غوغل النسبة المخيفة لزيارات مواقع البورنو في العالم العربي، نتيجة الكبت الاجتماعي وتكديس وتكريس الأقنعة والازدواجية بين المعلن والمستتر في مخالفة الاتساق والانسجام مع الطبيعة، وبعيداً عن قمع مؤسسات الدين والسياسة في رحلة الجسد عبر التاريخ بين التقديس والتدنيس، بين الإظهار والمنع فكلها أسباب وآليات تفكير تقود لغربة الفرد عن جسده وذاته.

تميزت ثقافة بلاد الإغريق بفلسفة قوة الرغبة الجنسية بأنها عاكسة لفيوض الطبيعة الكامنة، وما على الإنسان سوى ترتيبها وتوجيهها حيث النار الأصلية البدائية باللهب الأحمر المشبوب للايروسية، واللهب الأزرق المرتعش للحب، وبازدواجهما يعلنان انتصار الحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard