شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
أسماء أماكن وشخصيات عربية على شوارع طهران... ماذا وراء ذلك؟

أسماء أماكن وشخصيات عربية على شوارع طهران... ماذا وراء ذلك؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة نحن والتنوّع

الاثنين 21 أغسطس 202302:45 م

الأزقة والطرق والشوارع والمعابر جميعها وُجِدت مع تشييد المدن والقرى، وكان لها هدف محدد، هو تقصير المسافة وتسهيل الانتقال من مكان إلى مكان آخر. لكن مع تطور الدول والحكومات أصبحت هناك شوارع خاصة تُسمّى لأهداف أخرى سياسية وثقافية أو سياحية.

شوارع عديدة في أنحاء إيران، سُمّيت بأسماء شخصيات شهيرة أو مدن وبلدان مختلفة، فعلى سبيل المثال نجد شوارع باسم إيطاليا، وعاصمة كوريا الجنوبية سيول، وتركمانستان وباكستان والأرجنتين ومدينة إسطنبول التركية، وشوارع عديدة أخرى تمت تسميتها على هذا النحو بهدف توطيد العلاقات مع تلك البلدان المرتبطة مع إيران بشكل أو بآخر. وفي المقابل هناك شوارع في الدول الأخرى بأسماء إيرانية منها شارع "مصدق" في القاهرة، وشارع "تهران" في سيول.

شارع "تهران" في سيول

واللافت أن للدول العربية والإسلامية حصةً لا يمكن غضّ الطرف عنها، فتحديداً في العاصمة طهران، نرى شوارع تسمّى بأسماء البلدان أو المدن أو الشخصيات العربية، وتهدف هذه التسميات إلى التعريف بتلك البلدان أو الشخصيات واستقطاب ما يمكن من السياح إلى هذه المناطق التي قد تكون معرفتها مثيرةً بالنسبة لهم.

الدول العربية في طهران

شارع "اليمن"، هو أحد الشوارع الجميلة والمليئة بالأشجار والزهور، وبما أنه يقع في شمال العاصمة الإيرانية طهران، فطقسه معتدل خلال الصيف وبارد في الشتاء، تغطي جداوله وأشجاره الثلوج خلاله، كما تقع فيه أهم قاعة للمؤتمرات الدولية والتي استضافت العديد من القمم مثل قمة حركة عدم الانحياز، وقمة الدول الإسلامية التي عُقدت في كانون الأول/ ديسمبر 1997.

تهدف هذه التسميات إلى التعريف بتلك البلدان أو الشخصيات واستقطاب ما يمكن من السياح إلى هذه المناطق التي قد تكون معرفتها مثيرةً بالنسبة لهم

من بين هذه الشوارع والأماكن المسماة بأسماء البلدان العربية، هناك شارع ودوار فلسطين، ويقعان في وسط طهران، ويعود سبب تسمية هذا الشارع إلى تضامن إيران مع القضية الفلسطينية والاهتمام بها، ومن المثير للاهتمام أن مسيرة "يوم القدس العالمي" التي أسسها مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني، تنطلق كل سنة وفي آخر كل جمعة من شهر رمضان الكريم، من دوّار فلسطين. ويحتضن هذا الشارع أيضاً السفارة الفلسطينية في طهران.

صورة من يوم تأسيس السفارة الفلسطينية في طهران

ولو تسكعنا أكثر في تلك المنطقة من طهران، نجد شارعاً آخر يحمل اسم مدينة عربية، هو شارع "دمشق"، المتصل بشارع فلسطين من جهة، ومن جهة أخرى بشارع "ولي عصر" أطول وأشهر شوارع المدنية، وهو مغطى بأشجار الصنوبر الباسقة، ويمتد على طول 18 كيلومتراً ليصل جنوب المدينة بشمالها، كما أنه يُعدّ أطول الشوارع في الشرق الأوسط.

من شخصيات صدر الإسلام حتى الشاعر المسيحي

وللشخصيات العربية التاريخية حصة الأسد من أسماء الشوارع في إيران، مثل "مالك الأشتر" و"كميل بن زياد" و"حجر بن عدي"، وهي من أشهر الشوارع في مدينة طهران.

وما يجب ذكره أنه لم تتم تسمية الشوارع بأسماء شخصيات صدر الإسلام فقط، بل في طهران هناك شوارع تحمل أسماء شخصيات معاصرة، كشارع "جورج جرداق" الشاعر اللبناني المسيحي، الذي له مؤلفات كثيرة يمدح فيها الإمام علي بن أبي طالب.

شارع "اليمن" في طهران

أُطلق اسم جرداق على الشارع في عام 2002، خلال فترة ولاية الرئيس السابق الإيراني محمود أحمدي نجاد، عندما كان رئيساً لبلدية مدينة طهران، وكان ذلك بهدف توسيع العلاقات بين البلدين، حسب تصريحات المسؤولين في تلك الفترة، كما أن مقر السفارة اللبنانية في طهران يقع في هذا الشارع.

من القاهرة حتى الخليج الفارسي

في المقابل أطلقت بلدان عربية، أسماء مدن وشخصيات إيرانية على شوارع وأماكن فيها، نظراً إلى الترابط الحضاري والثقافي الإسلامي؛ ففي مصر والجزائر ولبنان وبلدان عربية أخرى نجد الكثير من هذه الأسماء.

في العاصمة المصرية، القاهرة، وتحديداً في منطقة الدقي، يوجد شارعان يعود اسماهما إلى إيران؛ الأول يحمل اسم "إيران"، والثاني يحمل اسم أحد أشهر السياسيين، وهو رئيس الوزراء الأسبق محمد مصدق (1882-1967)، الذي قام بتأميم النفط خلال العهد البهلوي وأطيح به بعد مؤامرات للانقلاب ضده.

يُعدّ شارع "مصدق" من الشوارع المعروفة في القاهرة، ويوجد فيه الكثير من المباني الحديثة والمطاعم والمقاهي المعروفة، كما أنه معروف عنه أن الجاليات العربية والخليجية والسياح العرب يجتمعون فيه، ويشكل أيضاً نقطة التمركز الأساسية للجالية الإيرانية واليمنية في القاهرة.

نستمر في التسكع في دول شمال إفريقيا، حيث نجد في الجزائر أماكن من هذا القبيل. يقع في مدينة الجزائر العاصمة، شارع يسمى بـ"الخليح الفارسي"، وذلك برغم عدم تسمية الخليج بهذا الاسم من قبل سائر الدول العربية، بسبب الخلاف على تسميته بين العرب وإيران.

هي لعبة كانت يوماً ما تقرّب بين الشعوب والمجتمعات، لكنها باتت اليوم مكشوفةً للجميع. لكن هل ستتحول من ثقافة إلى سياسة أضداد بين البلدان؟ أم أنها ستبقى محببةً تربط الشعوب والأمم ببعضها بعضاً؟

وإذا تابعنا التجول في الجزائر، نجد في مدينة ولاية وسط البلد، منطقةً تسمى طهران، وتأتي جميع هذه التسميات تأكيداً على العلاقات الودية بين طهران والجزائر، منذ عقود، بعيداً عن التوترات العربية الإيرانية التي تشتد وترتخي من حين إلى آخر.

أما في لبنان، وتحديداً بيروت، وفي الضاحية الجنوبية، فيوجد شارعان تمت تسميتهما مؤخراً من قبل أنصار حزب الله، على اسم الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي اغتيل من قبل الولايات المتحدة، وأثارت هذه التسمية موجةً في الوسط اللبناني من الجدال بين مؤيد ومناهض.


السياسة في الشوارع

بقصد التقارب والصداقة، تطلق الحكومات أسماء البلدان والمدن والشخصيات على شوارع مدنها وقراها، وتتغير هذه الأسماء في بعض الأحيان مع تقلّب القلوب وتحوّل الأحوال، فمؤخراً رفعت إيران اسم رجل الدين السعودي الشيعي "نمر النمر" على شارع تقع فيه القنصلية السعودية في مدينة مشهد شمال شرق البلاد، بعد أن سمّته باسمه عقب إعدامه من قبل الحكومة السعودية في عام 2016، وهو الحادث الذي جرّ العلاقات بين طهران والرياض في تلك الحقبة إلى قطيعة دامت سبع سنوات واستؤنفت خلال العام الجاري 2023 بوساطة صينية. 

ومن هذا المنطلق أفادت مصادر بأن الحكومة الإيرانية سترفع أيضاً يافطةً باسم النمر في شارع السفارة السعودية في طهران، ومن الممكن أن تُطلق على الشارعين اسمين يتعلقان بالمملكة العربية السعودية.

لا يمكن الجزم بأن هذه التسميات لا تمت بصلة إلى أسبابها السياسية، ففي دول غير دول الشرق الأوسط، يلعب المسؤولون هذه اللعبة السياسية القديمة في السلك الدبلوماسي، فهناك أماكن وشوارع في كل من ألمانيا وماليزيا والولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية وفرنسا، ترتبط تسميتها بإيران.

هي لعبة كانت يوماً ما تقرّب بين الشعوب والمجتمعات وباتت اليوم مكشوفةً للجميع، فالكثير من البلدان لعبتها في السابق والحاضر. لكن هل ستتحول من ثقافة إلى سياسة أضداد بين البلدان؟ أم أنها ستبقى محببةً تربط الشعوب والأمم ببعضها بعضاً؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

تنوّع منطقتنا مُدهش

لا ريب في أنّ التعددية الدينية والإثنية والجغرافية في منطقتنا العربية، والغرائب التي تكتنفها، قد أضفت عليها رومانسيةً مغريةً، مع ما يصاحبها من موجات "الاستشراق" والافتتان الغربي.

للأسف، قد سلبنا التطرف الديني والشقاق الأهلي رويداً رويداً، هذه الميزة، وأمسى تعدّدنا نقمةً. لكنّنا في رصيف22، نأمل أن نكون منبراً لكلّ المختلفين/ ات والخارجين/ ات عن القواعد السائدة.

Website by WhiteBeard